شبكه الطريقه القادريه الكباشيه
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

شبكه الطريقه القادريه الكباشيه

منتدي تعريف بسيره وكتب الشيخ إبراهيم الكباشي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصوربحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
> منتدي الشيخ ابرهيم الكباشي توثيق لحياة مليئه بالعلم والتصوف والجهاد يحتوي علي كتبه واقواله وسيرته ومدائحه >"

شاطر | 
 

 ~ سيرة كبار اعلام الصوفيه القدماء~

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: سابع و عشرون: الحارث المحاسبى    السبت أبريل 30, 2011 5:48 pm


سابع و عشرون: الحارث المحاسبى

أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي وكتابه التوهم
د.عبد الكريم اليافي


ولد نحو عام 165هـ/ 781م بالبصرة. اسم أبيه أسد وكنية الأسد أبو الحارث. فربما سمى ابنه الحارث توكيداً لهذه الكنية. ولقد جاء الفتى باكراً إلى بغداد حيث توفي بعد حياة حافلة بالعلم والتقوى عام 243هـ/ 857م. وهو من كبار الصوفية وأوائل علماء الكلام وأعلام الوعاظ البلغاء.


وأبرز ما في سيرة حياته وعظه وتعليمه وكتبه الكثيرة التي تزيد على المئة والتي يتجلى فيها احترامه العميق للسنة، وتشدده الخلقي، وبيانه الذي يعتمد على الترغيب والترهيب وعلى التنديد بنوازع الهوى ونزوات النفس، ودقته في التحليلات النفسية والتعريفات الفلسفية.


عقد له الحافظ أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ/ 1039م في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ترجمة ذكر فيها أحاديث رواها وأقوالاً له ومواعظ مؤثرة واستهلّها بهذه الفقرات:


"كان لألوان الحق مشاهداً ومراقباً ولآثار الرسول عليه السلام مساعداً ومصاحباً. تصانيفه مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة. كان في علم الأصول راسخاً، وراجحاً، وعن الخوض في الفضول جافياً وجانحاً، وللمخالفين الزائغين قامعاً وناطحاً، وللمريدين والمنيبين قابلاً وناصـــحاً"(1).


وترجم له الحافظ أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي المتوفى عام 463هـ 1071م في كتابه "تاريخ بغداد"، فعده "أحد من اجتمع له الزهد والمعرفة بعلم الظاهر والباطن"(2).


ويورد الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى عام 465هـ 1073م في "الرسالة" عند ترجمته المحاسبي قول أبي عبد الله بن خفيف للمتصوفة: "اقتدوا بخمسة من شيوخنا والباقون سلموا لهم حالهم: الحارث بن أسد المحاسبي والجنيد بن محمد وأبو محمد رويم وأبو العباس بن عطاء وعمرو بن عثمان المكي لأنهم جمعوا بين العلم والحقائق"(3).


ومن الذين ترجموا له تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب السبكي 727/1327-771/1369 في كتابه طبقات الشافعية. ونحن نورد شيئاً من ترجمته له بياناً لأسلوب من التدقيق كان الأعلام القدماء يتبعونه: "يقال إنما سُمِّي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. قال ابن الصلاح ذكره الأستاذ أبو منصور في الطبقة الأولى فيمن صحب الشافعي. وقال كان إمام المسلمين في الفقه والتصوف والحديث والكلام. وكتبه في هذه العلوم أصول من يصنف فيها. وإليه ينسب أكثر متكلمي الصفاتية. ثم قال لو لم يكن في أصحاب الشافعي في الفقه والكلام والأصول والقياس والزهد والورع والمعرفة إلا الحارث المحاسبي لكان مُغبِّراً في وجوه مخالفيه والحمد لله على ذلك. قال ابن الصلاح: صحبته للشافعي لم أر أحداً ذكرها سواه، وليس أبو منصور من أهل هذا الفن فيعتمد فيما تفرد به، والقرائن شاهدة بانتفائها. قلت إن كان أبو منصور صرح بأنه صحب الشافعي فالاعتراض عليه لائح، وإلا فقد يكون أراد بالطبقة الأولى من عاصر الشافعي وكان في طبقة الآخذين عنه. وقد ذكره في الطبقة الأولى أيضاً أبو عاصم العبادي وقال كان ممن عاصر الشافعي واختار مذهبه، ولم يقل كان ممن صحــبه. فــلعل هذا القدر مراد أبي منــصور"(4).


أشرنا آنفاً إلى تعريفاته الفلسفية وتحليلاته النفسية. وقد أورد السبكي فيما أورده قوله: "حسن الخلق احتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الرحمة وطيب الكلام. ولكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر. والعمل بحركات القلوب في مطالعات الغيوب أشرف من العمل بحركات الجـوارح"(5).


ويعرض صاحب طبقات الشافعية بعض تعليقات القدماء على تعريف المحاسبي للعقل.


"قال إمام الحرمين في "البرهان" عند الكلام في تعريف العقل: "وما حوّم عليه أحد من علمائنا غير الحارث المحاسبي فإنه قال: العقل غريزة يُتأتى بها درك العلوم وليست منها. وقد ارتضى الإمام كلام الحارث هذا كما ترى وقال عقيبه: إنه صفة إذا ثبتت يُتأتى بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي من مستند النظريات. وهو منه (أي من إمام الحرمين) بناءً على أن العقل ليس بعلم والمعزو إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه العلم. وقال القاضي أبو بكر (الباقلاني): إنه بعض العلوم الضرورية. والإمام حكى في "الشامل" مقالة الحارث هذه التي استحسنها وقال: إنّا لا نرضاها ونتهم فيها النقلة عنه. ثم قال: ولو صح النقل عنه فمعناه أن العقل ليس بمعرفة الله تعالى وهو إذا أطلق المعرفة أراد بها معرفة الله. فكأنه قال: ليس العقل بنفسه بمعرفة الله ولكنه غريزة. وعنى بالغريزة أنه عالم لأمر جبل الله عليه العاقل ويتوصل به إلى معرفة الله. انتهى كلامه في "الشامل". والمنقول عن الحارث ثابت عنه. وقد نص عليه في كتاب "الرعاية". وكان إمام الحرمين نظر كلام الحارث بعد ذلك. ثم لاحت له صحته بعدما كان لا يرضاه. واعلم أنه ليس في ارتضاء مذهب الحارث واعتقاده ما ينتقد، ولا يلزمه قول بالطبائع ولا شيء من مقالات الفلاسفة كما ظنه بعض شراح كتاب "البرهان". وقد قررنا هذا في غير هذا الموضع. وقول إمام الحرمين إنه أراد معرفة الله ممنوع فقد قدمنا عن الحارث بالإسناد قوله إنه نور الغريزة يقوى ويزيد بالتقوى. نعم الحارث لا يريد بكونه نوراً ما تدعيه الفلاسفة"(6). وتظهر هذه المناقشة حرص علماء المسلمين على صفاء العقيدة.


كان السلف (رضوان الله عليهم) حين يكتبون يَزِنُون الكلمات في ميزان الدلالة بدقة ويمحصونها تمحيصاً. ورد في مستهل بحثنا قول أبي نعيم في المحاسبي: "كان في علم الأصول راسخاً وراجحاً وللمخالفين الزائغين قامعاً". والحق أن الحارث كان رائداً في علم الأصول الذي يراد به هنا علم التوحيد أو علم الكلام. ولا بد في بيان ريادته هذه أن نعتمد على مؤلف مشهور في تأريخ النحل وهو الإمام أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548/1153). فقد عقد في كتابه "الملل والنحل" فقرة ضافية وذات دلالة عن نشوء "الصفاتية" نورد نصها فيما يأتي لأهميتها في هذا المضمار.


"اعلم أن جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقاً واحداً، وكذلك يثبتون صفات جبرية. ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية والمعتزلة معطلة. فبلغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بالمحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر. فافترقوا فرقتين، منهم من أوّلها على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقف في التأويل وقال: عرفنا بمقتضى العقل أن الله ليس كمثله شيء، فلا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك إلا أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى: ]الرحمن على العرش استوى[(7)، ومثل قوله: ]خلقتُ بيديَّ[(Cool، ومثل قوله: ]وجاء ربك[(9) إلى غير ذلك. ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها. بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه يقيناً. ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا: لا بد من إجرائها على ظاهرها والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرض للتأويل ولا توقف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف.


... أما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا استهدفوا للتشبيه فمنهم مالك بن أنس(10) إذ قال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل(11) وسفيان(12) وداود الأصفهاني(13) ومن تابعهم حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي(14) وأبي العباس القلانسي(15) والحارث بن أسد المحاسبي. وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية. وصنف بعضهم ودرّس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري(16) وبين أستاذه (أبي علي الجبائي)(17) مناظرة في مسألة الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة، فأيد مقالتهم بحجج كلامية، وصار ذلك مذهباً لأهل السنة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية. ولما كانت المشبّهة(18) والكرامية(19) من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة الصفاتية"(20).


أما قمعه للمخالفين الزائغين في كلام أبي نعيم فإنما يراد به رده على المعتزلة حين عطلوا الصفات واتفقوا على نفي رؤية الله بالأبصار في دار القرار. ومن الضروري أن نوضح معنى تعطيل الصفات، وقضية الرؤية.


ذلك أن علماء الكلام من الأشاعرة ذهبوا إلى أن صفات الله على أربعة أنواع: الأول صفة نفسية وهي الوجود. والثاني صفات سلبية وهي خمس: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه تعالى بنفسه، والوحدانية. والثالث صفات معان وهي القدرة والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. والرابع صفات معنوية وهي سبع كونه قادراً، ومريداً، وعالماً، وحياً، وسميعاً، وبصيراً، ومتكلماً.


أما الصفة النفسية فهي عند الأشعري عين الموصوف. فالوجود عين الموجود عنده. وهي عند غيره غير الذات. فالوجود عندهم غير الموجود. وأما الصفات السلبية الخمس فهي غير الذات بمعنى أنها غير قائمة بالذات. فالقدم مثلاً يسلب عنه الحدوث وهكذا بقية هذه الصفات. أي أنها أمور عدمية. وأما صفات الأفعال مثل الإحياء والإماتة والرزق والعون وأشباهها فهي غير الذات أيضاً بمعنى أنها منفكة عنها من قِبَل أنها عند التحقيق تعلقات القدرة التنجيزية الحادثة. وأما الصفات المعنوية فلا خلاف فيها ويثبتها المعتزلة وهي أنه قادر بذاته ومريد بذاته وعالم بذاته وهكذا ولكنهم نفوا عنه صفات المعاني أي الصفات التي هي معان أي ليست هناك صفة تسمى العلم ولا صفة تسمى الإرادة ولا صفة تسمى القدرة... وذلك لأن الصفة غير الموصوف ولو أثبتنا له سبحانه وتعالى صفات غير ذاته لم يكن بد من أمرين فإما أن تكون هذه الصفات حادثة وإما أن تكون قديمة. فإن كانت حادثة لزم قيام الحادث بالقديم وهو محال. وإن كانت قديمة لزم أن يكون هنالك قدماء متعددة بتعدد الصفات زيادة على الذات وهذا هو الشرك.


ولكن الأشاعرة يرون أنه لا يلزم من ذلك تعدد القدماء كما زعم المعتزلة، لأن كل صفة من صفات المعاني وإن كانت غير سائر الصفات إلا أنها لازمة للذات ولا تنفك عنها. فهي دائمة الوجود، مستحيلة العدم. فهو حي بحياة، عالم بعلم، قادر بقدرة، وهكذا. والمحظور هو تعدد القدماء المتغايرة، ولا تغاير هنا بين الذات والصفات ولا بين الصفات بعضها مع بعض فينتفي التعدد. فتلك الصفات زائدة على الذات قائمة بها لازمة لها لزوماً لا يقبل الانفكاك.


هذا وربما كان الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة لفظياً لأن القول بأنها ليست بغير الذات محمول على الغير الذي ينفك عن الذات وإن كانت غيراً في المفهوم والتصور.


ومما حصل فيه النزاع أيضاً رؤية العباد ربهم. فذهب المعتزلة إلى أن العقل يحكم بامتناعها لأن الرؤية لا تتحقق إلا متى كان المرئيّ في الجهة المقابلة لنظر الرائي وهو سبحانه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات. وذهب أهل السنة إلى أنه تعالى يجوز أن يرى والمؤمنون في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان، إذ هذه الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. وقد أوّل المعتزلة ما ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف من إشارة إلى ذلك. وعمد المحاسبي رداً على المعتزلة في نهاية كتابه "التوهم" الذي هو شطر مهم في بحثنا إلى تصور تلك الرؤية على أنها غبطة يفوز بها أهل النعيم في الجنة كما سنرى.


كان الحارث واعظاً بليغ الكلام يأخذ وعظه بمجامع القلوب ويخلب الأسماع ويسترق الأفهام ويستدر المدامع حتى تغرورق بها العيون. نقل صاحب تاريخ بغداد في ترجمته للمحاسبي ما حدث به إسماعيل بن إسحاق السراج: "قال لي أحمد بن حنبل يوماً: يبلغني أن الحارث هذا- يعني المحاسبي- يكثر الكون عندك. فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه! فقلت: السمع والطاعة يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة. فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك. فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة فلا تزدهم على الكُسْب[1] والتمر، وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به، وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته. فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده حتى فرغ. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا، ثم قاموا لصلاة العتمة ولم يصلوا بعدها، وقعدوا بين يدي الحارث، وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل. فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة. فأخذ في الكلام وأصحابه يستمعون، وكأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعق، وهو في كلامه. فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غُشِي عليه، فانصرفت إليهم ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا فقاموا وتفرقوا. فصعدت إلى أبي عبد الله، وهو متغير الحال. فقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. وعلى ما وصفت من أحوالهم فإني لا أرى لك صبحتهم. ثم قام وخرج"(21).


ويعلق الإمام ابن السبكي في كتابه "طبقات الشافعية" بعد أن يورد هذه الرواية فيخاطب القارئ:


"تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة. واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد فيخاف على سالكه وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر ولكل رأي واجتهاد"(22).


ولكن الخلاف بين أحمد والحارث مشهور. فقد "كان أحمد بن حنبل يكره للحارث نظره في الكلام وتصانيفه الكتب فيه"(23). بل كان الإمام "شديد النكير على من يتكلم في علم الكلام خوفاً أن يجرّ ذلك إلى ما لا ينبغي. ولا شك في أن السكوت عنه ما لم تدع الحاجة أولى. والكلام فيه عند فقد الحاجة بدعة. وكان الحارث قد تكلم في شيء من مسائل الكلام. قال أبو القاسم النصراباذي: بلغني أن أحمد بن حنبل هجره بهذا السبب. قلت: والظن بالحارث أنه إنما تكلم حين دعت الحاجة. ولكل مقصد"(24).


والذي نراه أن إنكار صاحب "المسند" وأمثاله من أهل الحديث على المحاسبي وأمثاله من الوعاظ والصوفية يرجع قسم كبير منه إلى اعتماد هؤلاء في مواعظهم وأفكارهم على الأحاديث الضعيفة الأسانيد. ذلك أن أهل الحديث يحرصون كل الحرص على صحة الرواية وأهل المواعظ قد يلجؤون إلى أحاديث مستجرحة للترغيب والترهيب ولكنها بالغة التأثير يقبلها العامة لأنها أقرب إلى التمثيل بالأشياء المحسوسة.


وعندنا أن مثل الأئمة المسلمين في مذاهبهم مثل أصحاب هندسات أقليدس وريمن ولوبتشفسكي في علومهم الرياضية. فكما أن هؤلاء بنوا هندساتهم على مصادرات واستنبطوا منها تصوراتهم كذلك كان أولئك الأئمة يعتمدون ما يمكن أن ندعوه مصادرات أو أصولاً للبحث وهذه هنا ذات مراتب وأكثر عدداً وأشد اشتباكاً. ومن الواضح أنه بعد الأصول المعتمدة الأربعة وهي القرآن والسنة والقياس والإجماع يأتي مدى الاعتماد على أحاديث الآحاد ومبدأ الاجتهاد ومبدأ المصالح المرسلة وهي الأوصاف التي تعرف علّيتها ولم يشهد لها الشرع بالاعتبار ولا بالإبطال، ولا سيما إذا كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية. وهذه أمور داخلة في مباحث أصول الدين الواسعة. وكان الأئمة القدماء يحترم بعضهم بعضاً ويقدر بعضهم جهود بعض وبحوثه وتقواه ووجهات نظره. ثم جاء المتأخرون فغلا بعضهم في تجريح الآخرين أو التشنيع عليهم وهذا ليس من عادة الأبرار ولا من شأن المفكرين الأحرار. وإذا كان الإمام السبكي قد قال في تعليقه: "ولكل مقصد" فنحن نقول: "ولكل مبادئه التي يبني عليها اعتباراته" وهكذا لا نستغرب قول أبي زرعة تلميذ ابن حنبل حين سئل عن المحاسبي وكتبه فأجاب السائل: "إياك وهذه الكتب. هذه كتب بدع وضلالات. عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، يأتوننا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع"(25).


ولد الحارث في زمن الخليفة الهادي ولما تولى هارون الرشيد الخلافة (سنة 170هـ/ 786م) كان يناهز الخامسة. وقد عاصر خلافة الأمين (193/809م) والمأمون (198/813م) والمعتصم (218/833م) والواثق (227/842م) والمتــوكل (232/847م) إذ توفي في عهده.


وهكذا كان عصر الحارث من أبهى عصور الخلافة العباسية وأكثرها غنى ووفرة وازدهاراً. كانت العلوم بأنواعها مزدهرة وكانت الزراعة والتجارة رائجين أي رواج، وكانت القوافل تجوب الطرق البرية محملة بأصناف السلع بين قطر وآخر وكانت البواخر تصل بين أقطار المعمورة مشحونة بأصناف الخيرات من لباس وطعام وتوابل وغيرها. وكانت البصرة من المرافئ المزدهرة إذ ذاك وكان الملاحون إلى جانب حمولات مراكبهم يروون للناس ما شاهدوه في الأقطار النائية كالهند والصين والجزر المنتشرة في خطوط ملاحتهم. وطفق الناس يميلون إلى استماع هذه الأخبار دقيقة أو مبالغاً فيها وإلى قراءة ما يدوّن منها وكذلك ما يترجم من لغات الأقوام الأخرى ولا سيما ما نقل عن الفرس والهند مما يمثل آداب تَيْنك الأمتين ويصف حكمة حكمائهما وأحوال رعاياهما. وشرعت تتكون طائفة من تلك الأخبار المروية والمتناقلة متعددة المصادر ومتفاوتة المقاصد بعضها للتسلية ولترويح النفس وبعضها للموعظة والاعتبار وبعضها للتبصرة والإفادة، وسوف ينضم بعضها إلى بعض في غمار السنين لتؤلف السير الشعبية المشهورة التي تأتي في طليعتها قصة "ألف ليلة وليلة" إذ كانت نواتها التي تجمعت حولها تلك القصص والأخبار رواية "هزار أفسانه" التي نقلت عن الفارسية. ولا شك في أن بعض تلك القصص من أصل بغدادي تصور جوانب الترف التي كانت تتألق في قصور الخلفاء والأمراء والتجار ورجال الجيش وكتاب الدواوين، ومن المعلوم أن الغنى الفاحش لا يأتي بالطرق المشروعة وأن الترف لا يرضى عنه أهل الورع والتقوى، كذلك هو موضع نقمة على لسان الشعراء الحساسين المحرومين مثل ابن الرومي (221/836- 283/896). ولئن بدا هذا الشاعر في بعض الأحيان راضياً عن الحياة الطبيعية المعطاء والدولة الزهراء في قصيدته التي مطلعها:


ضحك الربيع إلى بكا الديم


***فغدا يسوّي النبت بالقمم


إذ يقول:


والدولة الزهراء والزمن المز


*** هار حسبك شافيي قرم


نجدْهُ في قصائد أخرى يندب حظه ويرثي لحاله ويحسد غيره من المحظوظين في الدنيا:


أتراني دون الأولى بلغوا الآ


*** مال من شُرْطة ومن كتّــــاب


وتجارٍ مثل البهائم فــازوا


*** بالمنى في النفوس والأحباب


ثم يتفنن في وصف النعيم والملذات والمجالس والحياة اللاهية التي كان يشاهدها أو يسمع أخبارها:


درُّ صهباء قد حكى درّ بيضا


*** ء عروب كدمية المحراب


تحمل الكأس والحليَّ فتبدو


*** فتنة الناظرين والشرّاب


يا لها ساقياً تديره يداه


*** مستطاباً ينال من مستطاب


لذة الطعم في يدي لذّة الملـ


*** ثم تدعو الهوى دعاء مجاب


حولها من نجارها عِينُ رَمْلٍ


*** ليس ينفك صيدها أُسْد غاب


يونقُ العينَ حسن ما في أكف


*** ثَمَّ تسقي وحسن ما في رقاب


ففمٌ شارب رحيقاً وطَرفٌ


*** شارب ماء لبّةٍ وسخاب


ومزاج الشراب إن حاولوا المز


*** ج رضاب يا طيبَ ذاك الرضاب


من جوارٍ كأنهن جوارٍ


*** يتسلسلن من مياه عذاب(26)


لابسات من الشفوف لبوساً


*** كالهواء الرقراق أو كالسراب


ومن الجوهر المضيء سناه


*** شعلاً يلتهبن أي التهاب


فترى الماء ثمَّ والنار والآ


*** لَ بتلك الأبشار والأسلاب


ويمضي الشاعر في وصف تلك المجالس المترعة بالجمال والترف واللهو والإغراء لينتقل إلى التنديد بأربابها الذين يجلسونها والذين طاش توزيع الثروة فأصابهم منها النصيب الوفير:


فتخايلن باهتزاز غصون


*** ناعمات وبارتجاج روابي


ناهدات مطرّفات يما نعـ


*** ـنك رمانهن بالعنّاب


لو ترى القوم بينهن لأجبر


*** ت صراحاً ولم تقل باكتساب


يريد أن يقول: إن المرء لدى رؤيته ذلك يفضي إلى الجبر لا إلى الكسب والاختيار حين لا تنظم الأمور الاقتصادية تنظيماً عادلاً يمنع الاستغلال والتفاوت الكبير بين حظوظ الناس:


من أناس لا يرتَضون عبيداً


*** وهُمُ في مراتب الأرباب


ولا عجب أن يحفز على الثورة الدموية وهو الشاعر الرقيق:


لهف نفسي على مناكير للنكـ


*** ـر غضاب ذوي سيوف غضاب


تغسل الأرض بالدماء فتضحي


*** ذات طهر ترابها كالملاب


مِنْ كلابٍ نأى بها كلَّ نأي


*** عن وفاء الكلاب غدرُ الذئاب


وإثباتٍ على الظباء ضعافٍ


*** عن وِثاب الأسود يوم الوثاب...


يبدو من خلال هذه الأبيات المنددة الثائرة التهجم اللاذع على الموسرين المتمولين كما نستشف إشارة إلى قضايا الجبر والكسب والاختيار مما كان موضوع جدال بين المذاهب الفلسفية الكلامية إذ ذاك. في هذا الجو الموّار كالبحر ذي الأمواج المتلاطمة بمختلف النزعات والآراء نشأ الحارث في مجالس العلم الديني وحلقات الورع وندوات التقوى فنهض يدافع عن سلامة المجتمع إزاء الترف واللهو ويناضل الاتجاهات التي رآها منحرفة عن مصالح الشعب والرعايا وذلك بالوعظ وهو التبليغ المدقق في نزوات النفوس وفي ميول الطباع ثم بالتأليف المنافح عن صحة العقيدة كما يراها وزيادة على ذلك كله بالمثل الخلقي المتحرج العنيف الذي ضربه في سلوكه وسعيه وتزهده وتصوفه الجانح نحو التقشف الشديد كأن هذا التقشف تعديل يقابل ذلك اللهو والترف ويناقضهما.


-------------------------------


[1]- هو ثُفْل الدهن إشارة إلى التقلل




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ



الحارث المحاسبى....حياته و كتبه

ليس يعلم على وجه التحديد متى ولد الحارث بن اسد المحاسبى و كنيته عبد الله الا ان اغلب المؤرخون يؤكدون انه ولد فى العقد السابع من القرن الثانى الهجرى .....

وقد ولد المحاسبى فى البصرة جنوب العراق و قضى بها فترة طفولته ثم انتقل بعد ذلك الى بغداد و بقى بها حتى وافته المنية فى عام 234 من الهجرة

يروى المؤرخون عن المحاسبى انه ولد فى اسرة ميسورة الحال و قيل ان والده قد توفى و ترك خلفه ثورة كبيرة تقدر بسبعين الف درهم و قيل ايضا ان ابنه الحارث رفض ان يشترك فى ميراث والده زهدا منه و ورعا فيه لما قد تجره الثورة و تستبعه من تفكير فيها و تدبير لها و تنمية و حفظ .. و قيل انه رفض الميراث لموقفه الشخصى من والده الذى كان من من يدينون بمذهب المعتزله و كان من من يقولون بالقدر ..( القدريون او من يقولون بالقدر هم من يقولون بحرية الارادة بمعنى ان الانسان حر فيما يأتى و فيما يدع من افعال و ليس مجبورا من الله على عمل من الاعمال ) و قد عارض المحاسبى هذا الاتجاه بشده

و ليس يعنينا على وجه العموم ذلك الامر فى حياة المحاسبى بقدر ما يعنينا عطاءه الفكرى العظيم ...
و عندما حضر المحاسبى الى بغداد كانت و قتئذ مسرحا للثقافات المختلفة و تموج بالعديد من التيارات الفكرية .. ثقافة يونانية جديدة وافدة بعد ازدهار حركة الترجمة للادب و الفلسفة اليونانية .. و ثقافة فارسية تستغل ما للفرس من ثراء و نفوذ و تحاول اثبات وجودها.. و ثقافة عربية تريد ان تجد حلا للتعارض بين مختلف الثقافات .. و ثقافة اسلامية بحتة تجاهد فى ان تقود المجتمع الى الهداية ذلك بالأضافة الى نزاعات المتكلمون و الطوائف الفقهية المختلفة .... اقبل المحاسبى على العلم و الدرس اقبالا عظيما و حاول بقدر المستطاع تثقيف نفسه و اثراء عقله .. و تشعب بفكره الحى بين كافة الطرق و الاتجاهات و لكنه و قف منها جميعا موقف المتأمل المتروى ولم تطل وقفته و لم تأخذه الحيرة معاها الى ما لا يحمد عقباه فقد ربط الله على قلبه و خرج من رحلته الفكرية حاملا معه قبس الهدى ....يقول الحارث المحاسبى فى مقدمة كتابه " الوصايا " ......"اما بعد , فقد انتهى الينا: ان هذه الأمة تفترق على بضع و سبعين فرقة , فرقة منها ناجية , و الله اعلم بسائرها فلم أزل برهة من عمرى انظر اختلاف الأمة و التمس المنهاج الواضح و السبيل القاصد و اطلب من العلم و العمل و استدل على طريق الاخره بارشاد العلماء و علقت كثيرا من كلام الله عز و جل بتأويل الفقهاء و تدبرت أحوال الامة و نظرت فى مذاهبها و أقواليها فعلقت من ذلك ما قدر لى و رأيت اختلافهم بحرا عميقا قد أغرق ناس كثير و سلم منه عصابة قليلة , ورأيت كل صنف منهم يزعم ان النجاه فى تبعهم و ان الهالك من خالفهم - المحاسبى يتحدث عن اختلاف الأمة فى العصر العباسى فما بالنا لو رأى احوالنا الان !! - ثم رأيت الناس أصنافا فمنهم العالم بأمر الاخرة , لقائوة عسير ووجوده عزيز و منهم الجاهل فالبعد عنه غنيمة و منهم المتشبه بالعلماء , مشغوف بدنياه مؤثرا لها ومنهم حامل علم منسوب الى الدين ماالتمس بعلمه التعظيم و العلو, ينال بالدين من عرض الدنيا و منهم متشبه بالنساك متجر بالخير لا غناء عنده و لا بقاء لعلمه ولا معتمد على رأيه و منهم حامل علما لا يعلم تاويل ما حمل و منهم منسوب الى العقل و الدهاء , مفقود الورع و التقى و منهم متوادون على الهوى يتفقون و للدنيا يتباذلون و رياستها يطلبون و منم شياطين الانس عن الاخره يصدون و على الدنيا يتكابلون و الى جمعها يهرعون و فى الاستكثار منها يرغبون , فهم فى الدنيا احياء و عن العرف موتى بل العرف عندهم منكر و السوء معروف فتفقدت فى الاصناف نفسى و ضقت بذلك ذرعا فقصد الى هدى المهتدين بطلب السداد و الهدى و استرشدت العلم و اعملت الفكر و اطلت النظر فتبين لى فى كتاب الله تعالى و سنة نبيه و اجماع الامة ان اتباع الهوى يعمى عن الرشاد و يضل عن الحق و يطيل المكث فى العمى فبدأت باسقاط الهوى عن قلبى وو قفت عند اختلاف الامة مرتادا لطلب الفرقة الناجيه حذرا من الاهواء المردية و الفرقة الهالكة متحرزا من الاقتحام قبل البيان و التمست سبيل النجاة لمهجة نفسى ثم و جدت فى اجتماع الامة فى كتاب الله المنزل ان سبيل النجاه فى التمسك بتقوى الله و اداء فرائضه و الورع فى حلاله و حرامه و جميع حدوده و الاخلاص لله تعالى بطاعته و التأسى برسوله صلى الله عليه و سلم "

و أخذ المحاسبى يبحث عن الفقهاء التقاه فى كل مكان حتى يستزيد بعلمهم و ينهل من معارفهم بأمور الفرائض و السنن و لم بكتف بذلك فهو لم يكن ابدا بالشخص السلبى الذى يؤثر العزلة و يصمت عن الحق بل سخر كل جهده من اجل الدعوة الى الله و الحث على التمسك بدينه و تقواه و تعبيد طريق الرشاد لكل من أراد ان يسلكه .. و المحاسبى كان يتميز بقوة الشخصية و الثقة بالنفس و لم يكن ممن يخاف الفتن و الشبهات و من أقواله المأثورة " لو ان نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم انسا ولو ان النصف الاخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم " كما تميز بطلاق اللسان و قوة الحجة و البيان ....

اما مؤلفاته فقد قدرها البعض بنحو مأتين مؤلف أغلبها فى هدايه النفوس و تزكيتها و علوم التصوف و الكلام و طريقته فى التأليف تكون غالبا فى شكل حوار ..اسئلة و يقوم هو بأجابتها تفصيليا و لكن لم تكن كل كتبه على هذا النمط و مؤلفاته فى علم الكلام قد فقدت جميعا و تقريبا لم يصل لنا منها الا بعض الاقصوصات ..اما كتبه فى ادب النفس و تزكيتها و فىالانابة الى الله فقد بقى منها الكثير ..منها المطبوع و منها المخطوط اشهرهم كتاب " الوهم " الذى طبع بالقاهرة عام 1937 و قد الفه المحاسبى على غرار المدرسة الاصلاحية التى أنشأها و عرفت بمدرسة التخيل و فى كتابه هذا يجعلك تطلق معه خيالك الى العنان و تتدبر أحوال اهل الجنة و اهل النارو ما يلقون من سعادة و شقاء و نعيم و عذاب فتصنع بخيالك صورة حية للأخرة

و كتابه " رسالة المسترشدين " و هو رسالة يوجهها المحاسبى لمن اراد ان يكون من ذوى الالباب و منهاج ذوى الالباب كما حددته الرسالة هو رعاية حدود الشريعة من كتاب الله تعالى و سنة نبيه و ما اجتمع عليه المهتدون من الائمه و كتاب " الوصايا " الذى اوردنا جزءا من مقدمته من قبل و به مجموعة جميلة من النصائح الدينية و النفحات القدسية ان كانت بأسلوب فيه بعض الحدة اما اهم كتبه و اكثرها شهرة و انتشارا فهو كتابه العظيم " الرعاية لحقوق الله" و هو الكتاب الذى خلد زكرى الحارث المحاسبى فى التاريخ وهو من كتب التراث التى نالت اقبالا كبيرا من الأقدمين و المحدثين على السواء


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ


أئمة الزهد المرضيين الحارث المحاسبي



أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، البصري المولد، البغدادي المنـزل والوفاة، أحد الزهاد المتكلمين بالعبادة والزهد والمواعظ، كانت وفاته ببغداد سنة (234 هـ) - رحمه الله تعالى -.

كان المحاسبي - رحمه الله - عالماً بالأصول والمعاملات، واعظاً مبكياً في وعظه، له كتب كثيرة في الزهد وفي أصول الديانات والعقائد والرد على المعتزلة والرافضة وغيرهما.

أخذ عن الإمام الشافعي، كما ذكر أبو منصور البغدادي في (أصول الدين)، وروى عنه جماعة منهم الجنيد - رحمه الله -.

من مؤلفاته رسالة المسترشدين، شرح المعرفة، البعث والنشور، التوهم، الرعاية لحقوق الله.

قال الإمام الذهبي - رحمه الله -: ((والمحاسبي العارف صاحب التواليف: صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوُّفِه وتصانيفه)) (ميزان الاعتدال: 1ـ 199).

وقال الإمام أحمد بن حنبل عن الحارث المحاسبي: ((جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم هلكوا بسببه. فقيل له: يا أبا عبد الله يروي الحديث وهو ساكن خاشع من قصته، فغضب الإمام أحمد وجعل يحكي ولا يعدل خشوعه ولينه ويقول: لا تغتروا بنكس رأسه فإنه رجل سوء، لا يعرفه إلا من قد خبره، لا تكلمه ولا كرامة له)). (الفروع للمقدسي: 2 ـ149) (تلبيس إبليس: 163).

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - معللا كره الأمام أحمد لصحبة الناس للمحاسبي: ((بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع، والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتابه (الرعاية) قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة)) (البداية والنهاية: 10ـ330).

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ((كان الإمام أحمد بن حنبل ينكر على الحارث المحاسبي خوضه في الكلام ويصد الناس عنه فهجره أحمد فاختفى في داره ببغداد ومات فيها ولم يصل عليه إلا أربعة نفر)). (المنتظم لابن الجوزي: 11 ـ309)

فالمحاسبي - رحمه الله - من العباد الزاهدين، ومن الذين تكلموا في الرقائق والمواعظ فأبكى، وشهد له كثير من معاصريه بالصلاح والتقوى، ولكن ادعى عليه المغرضون أمران أساسيان:

الأول: علم الكلام، وأخذه برأي جهم.

الثاني: إيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعات في كتبه وتصانيفه، واعتمادُهُ عليها وجعلُها (أُصولا) يَبْني على ما تضمَّنته من المعاني والأحكام، والله أعلم


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: ثامن و عشرون: شقيق البلخى    السبت أبريل 30, 2011 5:57 pm


ثامن و عشرون: شقيق البلخى

شقيق شقيق

الإمام الزاهد شيخ خراسان، أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي .

صحب إبراهيم بن أدهم .

وروى عن : كثير بن عبد الله الأبلي ، وإسرائيل بن يونس ، وعباد بن كثير .

حدث عنه : عبد الصمد بن يزيد مردويه ، ومحمد بن أبان المستملي ، وحاتم الأصم ، والحسين بن داود البلخي وغيرهم . وهو نزر الرواية .

روي عن علي بن محمد بن شقيق قال : كانت لجدي ثلاث مائة قرية ، ثم مات بلا كفن ، قال : وسيفه إلى اليوم يتباركون به ، وقد خرج إلى بلاد الترك تاجرا ، فدخل على عبدة الأصنام ، فرأى شيخهم قد حلق لحيته ، فقال : هذا باطل ، ولكم خالق وصانع قادر على كل شيء . فقال له : ليس يوافق قولك فعلك . قال : وكيف ؟ قال : زعمت أنه قادر على كل شيء ، وقد تعنيت إلى هاهنا تطلب الرزق ، ورازقك ثم . فكان هذا سبب زهدي .

وعن شقيق قال : كنت شاعرا ، فرزقني الله التوبة ، وخرجت من ثلاث مائة ألف درهم ، ولبست الصوف عشرين سنة ، ولا أدري أني مراء حتى لقيت عبد العزيز بن أبي رواد ، فقال : ليس الشأن في أكل الشعير ولبس الصوف ، الشأن أن تعرف الله بقلبك ، ولا تشرك به شيئا ، وأن ترضى عن الله ، وأن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في أيدي الناس .
وعنه : لو أن رجلا عاش مائتي سنة لا يعرف هذه الأربعة ، لم ينج : معرفة الله ، ومعرفة النفس ، ومعرفة أمر الله ونهيه ، ومعرفة عدو الله وعدو النفس .

وقد جاء عن شقيق مع تألهه وزهده أنه كان من رءوس الغزاة .

وروى محمد بن عمران ، عن حاتم الأصم قال : كنا مع شقيق ونحن مصافو العدو الترك ، في يوم لا أرى إلا رءوسا تندر وسيوفا تقطع ، ورماحا تقصف ، فقال لي : كيف ترى نفسك ، هي مثل ليلة عرسك ؟ قلت : لا والله ، قال : لكني أرى نفسي كذلك ، ثم نام بين الصفين على درقته حتى غط ، فأخذني تركي ، فأضجعني للذبح ، فبينا هو يطلب السكين من خفه ، إذ جاءه سهم عائر ذبحه .

عن شقيق قال : مثل المؤمن مثل من غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكا ، ومثل المنافق مثل من زرع شوكا يطمع أن يحمل تمرا ، هيهات .

وعنه : ليس شيء أحب إلي من الضيف؛ لأن رزقه على الله ، وأجره لي .

قال الحسين بن داود : حدثنا شقيق بن إبراهيم ، الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المداوم على العبادة ، فذكر حديثا .
وعن شقيق قال : أخذت لباس الدون عن سفيان ، وأخذت الخشوع من إسرائيل ، وأخذت العبادة من عباد بن كثير ، والفقه من زفر .

وعنه : علامة التوبة البكاء على ما سلف ، والخوف من الوقوع في الذنب ، وهجران إخوان السوء ، وملازمة الأخيار .
وعنه : من شكا مصيبة إلى غير الله ، لم يجد حلاوة الطاعة .

وقال الحاكم : قدم شقيق نيسابور في ثلاث مائة من الزهاد ، فطلب المأمون أن يجتمع به ، فامتنع .

أخبرنا أحمد بن محمد بن سعد ، أخبرنا الإربلي ، أخبرنا يحيى بن ثابت ، أخبرنا علي بن الخل ، أخبرنا أحمد بن المحاملي ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا الحسين بن داود ، حدثنا شقيق البلخي ، حدثنا أبو هاشم الأبلي ، عن أنس قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : يا ابن آدم ! لا تزول قدماك يوم القيامة حتى تسأل عن أربع ، عمرك فيما أفنيته ، وجسدك فيما أبليته ، ومالك من أين اكتسبته وأين أنفقته .

أبو هاشم هو كثير : واه .

وقتل شقيق في غزاة كولان سنة أربع وتسعين ومائة .



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ



روي عن شقيق البلخي رحمه الله أنه قال لحاتم :

قد صحبتني مدة ، فماذا تعلمت ؟

قال : تعلمت منك ثماني مسائل :

أما الأولى :

فإني نظرت إلى الخلق فإذا كل شخص له محبوب فإذا وصل إلى القبر فارقه محبوبه
فجعلت محبوبي حسناتي لتكون في القبر معي .

وأما الثانية:

فإني نظرت إلى قول الله تعالى : ( ونهى النفس عن الهوى (
فأجهدتها في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى .

وأما الثالثة :

فإني رأيت كل من معه شيء له قيمة عنده يحفظه ،
ثم نظرت في قول الله سبحانه وتعالى : ( ما عندكم ينفذ وما عند الله باق (
فكلما وقع معي شيء له قيمة ، وجهته إليه ليبقى لي عنده .

وأما الرابعة :

فإني رأيت الناس يرجعون إلى المال والحسب والشرف ، وليست بشيء
فنظرت في قول الله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم (
، فعملت في التقوى لأكون عنده كريما .

وأما الخامسة :

فإني رأيت الناس يتحاسدون ،
فنظرت في قوله تعالى : ) نحن قسمنا بينهم معيشتهم (
فتركت الحسد _ لأنه اعتراض على قسمة الله _.

وأما السادسة :

رأيتهم يتعادون ، فنظرت في قول الله تعالى : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا (
فتركت عداوتهم واتخذت الشيطان وحده عدوا .

وأما السابعة :

رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق ،
فنظرت في قوله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها (
فاشتغلت بما له علي ، وتركت مالي عنده _ ثقة بوعده _.

وأما الثامنة :

رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم ،
فتوكلت على الله رب العالمين


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: تاسع و عشرون : أبو يزيد البسطامى    السبت أبريل 30, 2011 6:03 pm


تاسع و عشرون : أبو يزيد البسطامى

هذه القصة حدثت في مدينة البصرة في العراق وبطلها يدعى أبو اليزيد وهي مذكورة في التاريخ وذكرها الشيخ الجليل عبدالحميد كشك رحمه الله حيث رأى أبا اليزيد في منامه هاتفاً يقول له قم وتوضأ واذهب الليلة إلى دير النصارى وسترى من آياتنا عجبا فذهب ..

وهو العارف بالله ابو اليزيد البسطاني عندما سمع الهاتف بعد صلاة الفجر توضأ ودخل الدير عليهم وعندما بدأ القسيس بالكلام قال لا أتكلم و بيننا رجل محمدي قالوا له وكيف عرفت ؟

قال : سيماهم في وجوههم .. فكأنهم طلبوا منه الخروج ولكنه قال : والله لا أخرج حتى يحكم الله بيني وبينكم ..!!

قال له البابا : سنسألك عدة أسئلة وإن لم تجبنا على سؤال واحد منها لن تخرج من هنا إلا محمولاً على أكتافنا .. فوافق أبو اليزيد على ذلك وقال له اسئل ما شئت :

قال القسيس :

ما هو الواحد الذي لا ثاني له ؟

وما هما الاثنان اللذان لا ثالث لهما ؟

ومن هم الثلاثة الذين لا رابع لهم ؟

ومن هم الأربعة الذين لا خامس لهم ؟

ومن هم الخمسة الذين لا سادس لهم ؟

ومن هم الستة الذين لا سابع لهم ؟

ومن هم السبعة الذين لا ثامن لهم ؟

ومن هم الثمانية الذين لا تاسع لهم ؟

ومن هم التسعة الذين لا عاشر لهم ؟

وما هي العشرة التي تقبل الزيادة ؟

وما هم الاحد عشر أخا؟

وما هي المعجزة المكونة من اثنتى عشر شيئا؟

ومن هم الثلاثة عشر الذين لا رابع عشر لهم ؟

وما هي الاربع عشر شيئا اللتي كلمت الله عز وجل؟

وما هو الشيء الذي يتنفس ولا روح فيه ؟

وما هو القبر الذي سار بصاحبه ؟

ومن هم الذين كذبوا ودخلوا الجنة ؟

ومن هم اللذين صدقوا ودخلوا النار؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله وأنكره ؟

وما هو الشيء الذي خلقة الله واستعظمه ؟

وما هي الأشياء التي خلقها الله بدون أب وأم ؟

وما هو تفسير الذاريات ذروا ، الحاملات وقرا ، ثم ما الجاريات يسرا والمقسمات أمرا ؟

وما هي الشجرة التي لها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ؟

فقال له ابو اليزيدالواثق بالله تعالى ... الواحد الذي لا ثاني له هو الله سبحانه وتعالى ..

والاثنان اللذان لا ثالث لهما الليل والنهار ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) ..

والثلاثة الذين لا رابع لهم أعذار موسى مع الخضر في إعطاب السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار ..

والأربعة الذين لا خامس لهم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن الكريم ..

والخمسة الذين لا سادس لهم الصلوات المفروضة ..

والستة التي لا سابع لهم هي الأيام التي خلق الله تعالى بها الكون وقضاهن سبع سماوات في ستة ايام فقال له البابا ولماذا قال في آخر الاية (وما مسنا من لغوب) ؟

فقال له : لأن اليهود قالوا أن الله تعب واستراح يوم السبت فنزلت الاية ..

أما السبعة التي لا ثامن لهم هي السبع سموات (الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت) ..
والثمانية الذين لا تاسع لهم هم حملة عرش الرحمن (ويحمل عرش ربك يومئذٍ ثمانية) ..

والتسعة التي لا عاشر لها وهي معجزات سيدنا موسى عليه السلام .. فقال له البابا اذكرها !

فأجاب أنها اليد والعصا والطمس والسنين والجراد والطوفان والقمل والضفادع والدم ..

أما العشرة التي تقبل الزيادة فهي الحسنات (من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها والله يضاعف الأجر لمن يشاء) ..

والأحد عشر الذين لا ثاني عشر لهم هم أخوة يوسف عليه السلام ..

أما المعجزة المكونة من 12 شيئاً فهي معجزة موسى عليه السلام (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنا عشر عيناً) ..

أما الثلاثة عشرة الذين لا رابع عشر لهم هم إخوة يوسف عليه السلام وأمه وأبيه ..

أما الاربع عشر شيئاً التي كلمت الله فهي السماوات السبع والارضين السبع (فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين)

وأما الذي يتنفس ولا روح فيه هو الصبح (والصبح إذا تنفس) ..

أما القبر الذي سار بصاحبه فهو الحوت الذي التقم سيدنا يونس عليه السلام ..

وأما الذين كذبوا ودخلوا الجنة فهم إخوة يوسف عليه السلام عندما قالوا لأبيهم ذهبنا لنستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وعندما انكشف كذبهم قال أخوهم (لا تثريب عليكم) وقال أبوهم يعقوب (سأستغفر لكم) ..

أما الذين صدقوا ودخلوا النار فقال له إقرأ قوله تعالى (وقالت اليهود ليست النصارى على شئ) (وقالت النصارى ليست اليهود على شئ) ..

وأما الشيئ الذي خلقه الله وأنكره فهو صوت الحمير (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) ..

وأما الشيء الذي خلقه الله واستعظمه فهو كيد النساء (إن كيدهن عظيم) ..

وأما الأشياءالتي خلقها الله وليس لها أب أو أم فهم آدم عليه السلام ، الملائكة الكرام ، ناقة صالح ، وكبش اسماعيل عليهم السلام .. ثم قال له إني مجيبك على تفسير الايات قبل سؤال الشجرة ..

فمعنى الذاريات ذروا هي الرياح أما الحاملات وقرا فهي السحب التي تحمل الأمطار

و أما الجاريات يسرا فهي الفلك في البحر أما المقسمات أمرا فهي الملائكة المختصه بالارزاق والموت وكتابة السيئات والحسنات ..

وأما الشجرة التي بها اثنا عشر غصناً وفي كل غصن ثلاثين ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات ثلاث منها بالظل واثنان منها بالشمس ، فالشجرة هي السنة والأغصان هي الأشهر والأوراق هي أيام الشهر والثمرات الخمس هي الصلوات وثلاث منهن ليلاً واثنتان منهن في النهار ..

وهنا تعجب كل من كانوا في الكنيسة فقال له ابو اليزيد إني سوف أسألك سؤالا واحداً فأجبني إن إستطعت فقال له البابا اسأل ما شئت فقال : ما هو مفتاح الجنة ؟

عندها ارتبك القسيس وتلعثم وتغيرت تعابير وجهه ولم يفلح في إخفاء رعبه ، وطلبوا منه الحاضرين بالكنيسة أن يرد عليه ولكنه رفض فقالوا له لقد سألته كل هذه الاسئلة وتعجز عن رد جواب واحد فقط فقال إني أعرف الإجابة ولكني أخاف منكم فقالوا له نعطيك الأمان فأجاب عليه ، فقال القسيس الإجابة هي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله !!

وهنا أسلم القسيس وكل من كان بالكنيسة ، فقد من الله تعالى عليهم وحفظهم بالإسلام وعندما آمنوا بالله حولوا الدير إلى مسجد يذكر فيه اسم الله ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسياً فأسلم وكان لعيسى ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم، وكانوا كلهم عباداً زهاداً.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته.

قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد.
وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف? قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره.

وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.

وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء.

إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذ أمنتك? وسئل بما نالوا المعرفة? قال: بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له.

وقال: اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفاً، فأشغلهم بالعبادة.

العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.

عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.

قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.

قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن يطلبوا في المعاصي.

قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر.

قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلاً فكم ملك من الدنيا? وفي كم زهد مما ملك? وأما العابد فلو رأى منة الله عليه في العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من ذلك السطر? وكم عمل مما علم? قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة.

وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه.

وسأله رجل: من أصحب? فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئاً مما علمه الله منك.

قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له رجل: ما لك لا تسافر? قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا بماء البحر بأساً، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار تجري لها دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه.

قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط لهذا، فلا تحجبني به عنك.

عبد الصمد بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت طلوع الفجر نزل فبال الدم.
الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الحسن بن علي قال: قال أبو يزيد: أبعد الخلق من الله أكثرهم إشارة إليه.

عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، اليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.

أبو الحسن المروزي قال: سمعت امرأة أبي يزيد تقول: سمعت أبا يزيد يقول: دعوت نفسي إلى الله فأبت علي واستعصت، فتركتها ومضيت إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم? قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها. ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء.

علي بن المثنى قال: سمعت عمي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقلت: يا بار خدا، كيف الطريق إليك? قال: اترك نفسك ثم تعال.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت رجلاً يسأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي عز وجل، فقال: أحبب أولياء الله تعالى ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى قلوب أوليائه فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب وليه فيغفر لك.

عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال: كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح عليها فيقول: يا مأوى كل سوء، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام أو أكثره بعشرة، أنت يا نفس قاعدة منذ عشرين وثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى تطهرين? إن وقوفك بين يدي طاهر ينبغي أن يكون طاهراً.

أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك? قال: المحبة والرضا.

عن أبي موسى الديبلي، عن أبي يزيد قال: نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذتي في الدنيا ذكر الله عز وجل وفي الآخرة النظر إلى الله عز وجل.

أبو موسى الديبلي قال: قلت لأبي يزيد: من أصحب? قال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عليك ومن يعلم منك ما يعلمه الله منك.

جعفر بن علي الترمذي أن أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني.

ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنه لا يعرف لأبي يزيد حديث مسند أصلاً إلا حديث واحد رواه أبو الفتح الحمصي بإسناد له عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله".

قال أبو نعيم: وهو مركب على أبي يزيد، وليس من حديثه، والحمل فيه على الحمصي فقد عثر منه على غير حديث ركبه.
قلت وهذا الحديث الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكره له أبو عبد الرحمن السلمي، ووجدت أنا لأبي يزيد ثلاثة أحاديث أخر مسندة، منها حديثان لا يثبتان فلم أذكرهما، والثالث قريب الحال فاقتصرت عليه.

قال أبو موسى الديبلي، ابن أخت أبي يزيد البسطامي، أنبأ أبو يزيد البسطامي، يعني طيفور بن عيسى، قال: أنبأ محمد بن منصور الطوسي، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عم أم سلمة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة: لعل فيهم المكره. قال: إنهم يبعثون على نياتهم.
توفي أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ


كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله من كبار العارفين بالله ، فقد سلط الله عليه امرأته ، وكان كلما دخل البيت ، ركبت على ظهره تأمره بأن يُكنس البيت ، وأن يغسل الملابس ، وأن يُعد الطعام ، وكان بيدها حذاء كانت تضربه بها وهي فوق ظهره ، لم يطق العيش معها ؛ فخرج من البيت هاربا منها ، ومن بطشها وعدوانها ، ذهب إلى منطقة جبلية ، فرأى من بعيد عددا من الرجال معتزلين الناس ، يعبدون ربهم ، رغب أبو يزيد أن يعيش معهم ، ولكنه فكّر وقال : من أين يأكلون ويشربون ؟ وكيف لي أن أحضر الطعام والشراب كما يحضرون ؟

تمكن أبو يزيد من الوصول إليهم ، واختبأ خلفهم يراقبهم سرا ؛ ليعرف من أين يحضرون الطعام والشراب كي يحضر مثلهم ، ووجد أن رجلا منهم يصعد على أعلى مكان في الجبل ، ويصلي ركعتين ، ثم يطلب من الله الطعام والشراب قائلا : اللهم ببركة صبر أبي يزيد البسطامي على زوجته أكرمنا برزقك ، فإذا بطعام شهي يأتي به ملك من السماء ، يأخذه الرجل ثم يذهب به إلى أصحابه ، كان أبو يزيد يسمع ويرى ، وقال في نفسه : الناس تتقرب إلى الله بصبري على زوجتي وأنا هارب منها ، عاد أبو يزيد أدراجه إلى بيته مستعدا لأن تفعل زوجته به أعظم ما كانت تفعل به من قبل ، وعندما دخل بيته ، فاجأته زوجته باستقبال حافل وتكريم كبير لم يعهد مثله من قبل ، وقالت له : لقد انكشف السرُّ . ( بمعنى أنها كانت من كبار الصالحات وكانت امرأة مكاشفة بنور الله ، أراد الله أن يختبره عندما سلطها عليه )


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ


لقد كان أبو يزيد البسطامي (ت 261‍‌ه‍) من الصوفية الذين غلبت عليهم أحوال الجذب والوجد واختطفوا عن أنفسهم بالكلية. ولذا فاضت الأقوال المأثورة عنه بالتعبير عن الفناء والغيبة والسكر ونحو ذلك مما يشير الى أنه كان في أغلب أحواله مأخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ما سوى الله بالله وحده.

1- ذكر عن أبي يزيد أنه قال: رفعني (أي الله تعالى) مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد ان خلقي يحبون أن يروك. فقلت زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني الى أحديتك حتى اذا رآني خلقك قالوا: رأيناك فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك.

2- ويقول أبو نصر السراج: سمعت ابن سالم يقول في مجلسه يوما: فرعون لم يقل ما قال أبو يزيد رحمه الله لان فرعون قال: أنا ربكم الأعلى، والرب يسمى به المخلوق فيقال: رب الدار، ورب البيت، وقال أبو يزيد رحمه الله: سبحاني! سبحاني. وسبوح وسبحان اسم من اسماء الله تعالى الذي لا يجوز أن يسمى به غير الله تعالى,

3- وقيل عنه أنه اجتاز بمقبرة اليهود فقال: معذورون. ومر بمقبرة المسلمين فقال: مغرورون.

4- "طاعتك لي يارب أعظم من طاعتي لك".

5- "لان تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة".

6-"غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه. فلما انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا حتى طلبته.

7- "سبحاني، سبحاني ما أعظم شأني! ما فى الجبة إلا الله".

8- خضنا بحورًا وقفت الأنبياء بساحلها

9- خرجت من الحق إلى الحق حتى صاح فيّ : يا من أنت أنا

10- أخذتم علمكم ميتاً عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت يقول أحدكم: حدثنا فلان عن فلان وأين فلان قالوا مات، وأما أحدنا فيقول: قلبي عن ربي

11- وقال: ما النار؟ لاستندن إليها غداً وأقول: اجعلنى لأهلها فداء أو لأبلعنها. ما الجنة؟ لعبة صبيان.

12- ان الله جعل لى معراجا كما للنبى معراج فأخرجه أهل بسطام من المدينة

13- كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة

وهكذا يعبر البسطامي من خلال الشطحات عن الحب الالهي في أساليب رمزية مملوءة بالالغاز كعادته في معظم أقواله. فنراه يصف الصوفي في حبه لله ومعراجه اليه بأنه طائر يسبح في فضاء اللانهائية متحرراً من قيود الزمان والمكان، يطير في سماء "الهوية" ويدخل في فلك "التنزيه" ويشاهد شجرة الاحدية (بدلا من شجرة المنتهى التي شاهدها الرسول (ص) في معراجه) له جناحان من "الديمومة" يطير بهما في ميدان "الازلية" ويعلق الدكتور عفيفي على ذلك الشطح البسطامي قائلا: ان هذا كلام رجل مأخوذ عن نفسه، مسلوب عن صفاته، خارج عن حدود ذاته الزمانية والمكانية. فزمانه في حال جذبه "الديمومة" ومكانه "اللانهاية" وسماؤه "الهوية" وشجرة منتهاه "الاحدية"، وكل هذا وصف للحال التي يسميها الصوفية بالفناء.

فضلا عن كون ظاهرة الشطح غريبة في مصدرها وغريبة في منهجها فهي كذلك غريبة بل خطيرة فيما يترتب عليها وينجم عنها من أقوال وأفعال. وتأتي خطورتها في أنها تمثل أقوالا يأباها الوجدان الديني العادي، بما فيها من عبارات أقل ما يقال عنها انها عدم تأدب مع ذات الباري العظيم، وأكثر ما يقال عنها انها كفر. ومع التسليم بكون التصوف تجربة ذوقية _ ويعتبر البعض أن الشطح داخل فيها_ إلا أنه ليس كل مسلم مطالبا بخوض تلك التجربة حتى يحكم عليها. فهي اذن تجارب يصعب الحكم عليها، ومن خلال صعوبة الحكم عليها يمكن أن تكمن بعض الاتجاهات السلبية طالما أن المسألة تجربة (نسبية) وبعيدة عن العقل والوعي، وليس لها حدود من منطق، كما أنها ليس لها محك خاص يمكن أن تقوم بواسطته سوى (الذوق) نفسه حيث "ذق مذاق القوم ثم انظر ماذا ترى!".



ما روي عن احد طلاب ابو يزيد البسطامي انه تغيب عن درس ابو يزيد ، وكان في بيته ، يقول جائني خاطر" ان ابو يزيد على الباب فقم افتح الباب " يقول فتجاوزت الخاطر الاول ، فجائني نفس الخاطر مرة آخرى "ان ابو يزيد بالباب فقم وافتح الباب " فتجاوزته مرة آخرى .. فجائني نفس الخاطر للمرة الثالثة ، فقمت ففتحت الباب ، واذا ابو يزيد البسطامي على الباب وهو يقول لي لماذا لم تفتح من الخاطر الاول ...!!!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ



ومن أقوال أبي يزيد:

قوله ناعياً على علماء الشريعة مفاخراً لهم: ((أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون: حدثني فلان، وأين هو؟ قالوا: مات، عن فلان وأين هو؟ قالوا: مات)).

(الفتوحات المكية ج1-ص365 ، والمواهب السرمدية صفحة 49 , والأنوار القدسية 99 , وطبقات الشعراني 1ـ5 , وتلبيس إبليس صفحة 344, والرحمة الهابطة صفحة 309).

وقال الغزالي غفر الله له: ((وكان أبو يزيد وغيره يقول: ليس العالِم الذي يحفظ من كتاب، فإذا نسي ما حفظه صار جاهلاً، إنما العالِم الذي يأخذ علمَهُ من ربِّه أيّ وقتٍ شاء بلا حفظٍ ولا درسٍ!)) (الإحياء: 3ـ24).

ويحدثنا عنه أبو حامد الغزالي فيقول: ((حُكي أن شاهداً عظيم القدر من أعيان أهل (بسطام) كان لا يفارق مجلس أبي يزيد البسطامي فقال يوماً: أنا منذ ثلاثين سنة أصوم الدهر ولا أفطر، وأقوم ولا أنام، ولا أجد في قلبي من هذا العلم الذي تذكر شيئاً، وأنا أصدق به وأحبه!

فقال أبو يزيد: ولو صمت ثلاثمائة سنة، وقمت ليلها ما وجدت من هذا ذرة!! قال: ولم؟ قال: لأنك محجوب بنفسك. قال: فلهذا دواء؟ قال: نعم. قال: قل لي حتى أعمله. قال: لا تقبله. قال: فاذكره لي حتى أعمل. قال: اذهب إلى المزين فاحلق رأسك ولحيتك، وانزع هذا اللباس، واتزر بعباءة، وعلق في عنقك مخلاة مملوءة جوزاً، واجمع الصبيان حولك، وقل.. كل من صفعني صفعة أعطيته جوزة، وادخل السوق، وطف الأسواق كلها عند الشهود وعند من يعرفك، وأنت على ذلك!!

فقال الرجل: سبحان الله، تقول لي مثل هذا؟ فقال أبو يزيد: قولك.. "سبحان الله" شرك!! قال: وكيف؟ قال: لأنك عظمت نفسك، فسبحتها، وما سبحت ربك. فقال: هذا لا أفعله، ولكن دلني على غيره. فقال ابتدئ بهذا قبل كل شيء. فقال: لا أطيقه. فقال: قد قلت لك.. إنك لا تقبل..!)) (إحياء علوم الدين 4 ـ 358).

ويذكر البسطامي كذلك عن نفسه ما يأتي: ((رفعني مرة فأقامني بين يديه، وقال لي: يا أبا يزيد! إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: زيني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هنا)) (اللمع: صفحة461).

وحكى القشيري في ترجمة أبي يزيد البسطامي ((وسئل عند ابتدائه وزهد , فقال: ليس للزهد منـزلة , فقيل له: لماذا ؟ فقال: لأني كنت خلال ثلاثة أيام في الزهد , فلما كان اليوم الرابع خرجت منه , ففي اليوم الأول زهدت في الدنيا وما فيها , وفي اليوم الثاني زهدت في الآخرة وما فيها , وفي اليوم الثالث زهدت فيما سوى الله تعلى , فيما كان اليوم الرابع لم يبق لي سوى الله تعالى فَهِمْتُ , فسـمعت قائلا يقول: يا أبا يزيد لا تقو معنا , فقلت: هذا الذي أريد , فسمعت قائلا يقول: وجدت وجدت. (الرسالة القشيرية صفحة 395)

قال أبو عبد الرحمن السلمي في كتابه المحن: وأنكر أهل بسطام على أبي يزيد البسطامي ما كان يقول حتى إنه ذكر للحسين بن عيسى أنه يقول: لي معراج كما كان للنبي صلى الله عليه وسلم معراج فأخرجوه من بسطام، وأقام بمكة سنتين ثم رجع إلى جرجان فأقام بها إلى أن مات الحسين بن عيسى ثم رجع إلى بسطام.

وقال القشيري: ((قيل لأبي يزيد: ما أشد ما لقيت في سبيل الله.؟ فقال: لا يمكن وصفه , فقيل له: ما أهون ما لقيت نفسك منك.؟ قال: أما هذا فنعم , دعوتها إلى شيء من الطاعات فلم تجبني فمنعتها الماء سنة)). (الرسالة القشيرية صفحة 395)

وكان يوماً يرتدي جبة ففتحها وقال: ((سبحاني ما أعظم شاني ، ما في الجبة إلا الله)). (شذرات الذهب 2ـ142 ، وفيض القدير 1ـ456).

ونقل ابن الجوزي عن أبي يزيد أنه قال: ((إن لله عباداً لو بصقوا على جهنم لأطفؤوها ولقد وددت أن قامت القيامة حتى أنصب خيمتي على جهنم , فسأله رجل: و لم ذاك يا أبا يزيد ؟ فقال: إني أعلم أن جهنم إذا رأتني تخمد فأكون رحمة الله للخلق)) ثم قال: ((اللهم إن كان في سابق علمك أن تعذب أحداً من خلقك بالنار فعظم خلقي حتى لا تسع معي غيري)) وقال: ((وما النار.؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتي)) ( تلبيس إبليس 341 و343 و346)


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: ثلاثون: أبو سليمان الدارانى   السبت أبريل 30, 2011 6:14 pm


ثلاثون: أبو سليمان الدارانى

أبو سليمان الداراني أبو سليمان الداراني الإمام الكبير ، زاهد العصر أبو سليمان ، عبد الرحمن بن أحمد ، وقيل : عبد الرحمن بن عطية . وقيل : ابن عسكر العنسي الداراني .

ولد في حدود الأربعين ومائة .

وروى عن : سفيان الثوري ، وأبي الأشهب العطاردي ، وعبد الواحد بن زيد البصري ، وعلقمة بن سويد ، وصالح بن عبد الجليل .

روى عنه : تلميذه أحمد بن أبي الحواري ، وهاشم بن خالد ، وحميد بن هشام العنسي ، وعبد الرحيم بن صالح الداراني ، وإسحاق بن عبد المؤمن ، وعبد العزيز بن عمير ، وإبراهيم بن أيوب الحوراني .

أبو الجهم بن طلاب : أخبرنا أحمد بن أبي الحواري قال : اسم أبي سليمان : عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي ، من صليبة العرب .

وروى أبو أحمد الحاكم ، عن أبي الجهم أيضا ، عن ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان واسمه عبد الرحمن بن عسكر .
قال ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : صَلِّ خلف كل مُبْتَدِعٍ إلاَّ القَدَرِيّ ، لا تُصَلِّ خلفه ، وإن كان سلطانا .
وسمعته يقول : كنت بالعراق أعمل ، وأنا بالشام أعرف .

وسمعته يقول : ليس لمن ألهم شيئا من الخيرات أن يعمل به حتى يسمعه من الأثر .

الخلدي ، عن الجنيد قال : قال أبو سليمان الداراني : ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين : الكتاب والسنة .

وعن أبي سليمان : أفضل الأعمال خلاف هوى النفس .

وقال : لكل شيء علم ، وعلم الخذلان ترك البكاء ، ولكل شيء صَدَأٌ ، وصَدَأُ القلب الشِّبَع .

ابن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان يقول : أصل كل خير الخوف من الدنيا ، ومفتاح الدنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع .

أبو عبد الله الحاكم : أخبرنا الخلدي ، حدثني الجنيد ، سمعت السري السقطي ، حدثني أحمد بن أبي الحواري ، سمعت أبا سليمان يقول : قدَّم إليَّ أهلي مرة خُبْزًا ومِلْحًا ، فكان في الملح سِمْسِمَةٌ ، فأكلتها ، فوجدت رَانَهَا على قلبي بعد سنة .
أحمد بن أبي الحواري : وسمعته يقول : من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة .

وعنه : إذا تكلَّف المتعبدون أن يتكلموا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم .

وعنه : إن من خَلْقِ الله خلقا لو زُيِّنَ لهم الجِنان ما اشتاقوا إليها ، فكيف يحبون الدنيا وقد زهدهم فيها .

قال أحمد : وسمعته يقول : لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا ، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكا .

قال أحمد : ورأيت أبا سليمان حين أراد أن يلبي غشي عليه ، فلما أفاق ، قال : بلغني أن العبد إذ حج من غير وجهه ، فقال : لبيك ، قيل له : لا لبيك ولا سعديك حتى تطرح ما في يديك ، فما يُؤَمِّنا أن يقال لنا مثل هذا ؟ ثم لبى .

قال الجنيد : شيء يروى عن أبي سليمان ، أنا أستحسنه كثيرا : مَنِ اشْتَغَلَ بنفسِه شُغِلَ عن الناس ، ومن اشتغل بِرَبِّه شُغل عن نفسه وعن النَّاس .

ابن بحر الأسدي : سمعت أحمد بن أبي الحواري ، سمعت أبا سليمان يقول : مَنْ وَثَقَ بالله في رزقِه زاد في حُسْنِ خُلُقِه ، وأعقبه الحِلْمَ ، وسَخَتْ نفْسُه ، وقَلَّتْ وَسَاوِسُه في صَلاته .

وعنه : الفتوة أن لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك .

ولأبي سليمان من هذا المعنى كثير في ترجمته من "تاريخ دمشق" وفي "الحلية" .

أنبأني المسلم بن محمد ، عن القاسم بن علي ، أخبرنا أبي ، أخبرنا طاهر بن سهل ، أخبرنا عبد الدائم الهلالي ، أخبرنا عبد الوهاب الكلابي ، حدثنا محمد بن خريم ، سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول : تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في المنام ، فرأيته بعد سنة ، فقلت له : يا معلم ما فعل الله بك ؟ قال : يا أحمد دخلت من بابٍ صغير ، فلقيت وَسَقَ شِيحٍ ، فأخذتُ منه عُودًا ، فلا أدري تَخَلَّلْتُ به أم رَمَيْتُ به ؟ فأنا في حسابِه من سنة .

قال سعيد بن حمدون ، والسلمي ، وأبو يعقوب القراب : توفي أبو سليمان سنة خمس عشرة ومائتين .

وقال أحمد بن أبي الحواري : مات سنة خمس ومائتين .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ


مواعظ أبي سليمان الداراني




من مواعظ أبي سليمان الداراني رضي الله عنه يقول رضي الله عنه: "الثياب ثلاثة: ثوب لله، وثوب لنفسك، وثوب للناس وهو شر الثلاثة".



وقال أيضا: "أنجى الأسباب من الشر الاعتزال في البلد الذي يعرف فيه والتخلص إلى خمول الذكر أين كنت، وطول الصمت، وقلة المخالطة، والاعتصام بالرب، والعض على فلق الكسر، وما دنؤ من اللباس ما لم يكن مشهورا، والتمسك بعنان الصبر، والانتظار للفرج، وترقّب الموت، والاستعداد لحسن النظر مع شدة الخوف، ومن دواعي الموت ذم الدنيا في العلانية واعتناقها في السر، من لم يحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة، من لم ينظر لنفسه لم ينظر لها غيره، لا ينفع الهالك نجاة المعصوم ولا يضر الناجي تلف الهالك، يجمع الناس موقف واحد جميعا وهم فرادى، كل شخص منهم مشغول بنفسه فهو بصالح عمله مسرور ومن شرّ عمله مستوحش محزون، ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم، والأعمى من عمي بعد البصر، والهالك من هلك في ءاخر سفره وقد قارب المنزل، والخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب اليه من حبل الوريد".



وقال: "طوبى لمن حذر سكرات الهوى، وسورة الغضب والفرح بشىء من الدنيا فصبر على مرارة التقوى، وطوبى لمن لزم الجادة بالانكماش والحذر، وتخلص من الدنيا بالثواب والهرب كهربه من السبع الكلب، طوبى لمن استحكم أموره بالاقتصاد، واعتقد للخير معاد، وجعل الدنيا مزرعة، وتأنف في البذر ليفرح بالحصاد، طوبى لمن انتقل بقلبه من دار الغرور ولم يسع لها سعيها فيبرز من خطوات الدنيا وأهلها على وبال، اضطربت عليه الأحوال، من ترك الدنيا للآخرة ربحهما ومن ترك الآخرة للدنيا خسرهما، وكل أم يتبعها بنوها، بنو الدنيا تسلّمهم إلى خزي شديد، ومقامع من حديد، وشراب الصديد، وبنوا الآخرة تسلمّهم إلى عيش رغيد، ونعيم الأبد، في ظل ممدود، وماء مسكوب، وأنهار تجري بغير أخدود، وكيف يكون حكيما مَن مِن هولها يهوى ركون، وكيف يكون راهبا من يذكر ما أسفلت يداه ولا يذوب، الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة، والفكرة في الآخرة تورث الحكمة وتحيي القلب، ومن نظر إلى الدنيا مولية صح عنده غرورها، ومن نظر إليها مقبلة بزينتها شاب في قلبه حبّها، ومن تمّت معرفته اجتمع همّه في أمر الله وكان أمر الله شغله".



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ



من أقوال أبو سليمان الداراني

1- ما فارق الخوف قلباً إلا خرب

2- من اشتغل بنفســه شغل عن الناس

3- ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس

4- من كان يومه مثل أمسه فهو في نقصــان

5- إذا جاع القلب وعطش صفا ورق وإذا شبع عمي

6- كل ما أشغلك عن الله فهو عليك مشؤوم .

7- الورع أول الزهـــد

8- لكل شيء صدأ وصدأ نور القلب الشبع

9- إنما عصى الله من عصاه لهوانهم على الله

10- عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر .

11- مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الآخرة الجوع .

12- لولا الليل ما أحببت البقـــاء .

13- من شبع دخل عليه ست آفات :
فقد حلاوة المناجاة ، وتعذر حفظ الحكمة
وحرمان الشفقة على الخلق ، وثقل العبادة .
وزيادة الشهوات ، والشبّاع يدورون حول المزابل



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ



قال أحمد بن أبي الحواري:

كنت مع أبي سليمان الداراني رضي الله عنه حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ميلاً فأخذته الغشية ثم أفاق وقال: يا أحمد إن الله سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام مر ظَلَمَةَ بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة. ويحك يا أحمد بلغني أن من حج من غير حِلِّه ثم لبى قال الله عز وجل لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك فما نأمن أن يقال لنا ذلك.



وسئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال: "الصبر عنهن خير من الصبر عليهن، والصبر عليهن خير من الصبر على النار". وقال أيضاً: "الوحيد يجد من حلاوة العمل، وفراغ القلب، ما لا يجد المتأهل". وقال مرة: ما رأيت أحداً من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته الأولى". وقال أيضا: "ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا: من طلب معاشاً أو تزوج امرأة، أو كتب الحديث" .


ويقول أبو سليمان الداراني : اختلفت إلى مجلس قاص، واعظ، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت، لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت إليه ثانيةً، فأثر كلامه في قلبي بعدما قمت وفكرت، ثم عدت إليه الثالثة، فأثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، فكسرت آلات المخالفات، عود، وطنبور، وربابة، ومزمار، وطبل، والآن الشاشات والأفلام. أحد الشباب حضر جنازة عظيمة لامرأة نحسبها من الصالحات، فلما رأى كثرة الناس اتعظ من منظر الجنازة وهو ذاهب إلى المقبرة أخذ أشرطة الغناء من السيارة كلها وألقاها في الشارع. فالإنسان قد يتأثر فعلاً ويتعظ في لحظات، يقول أبو سليمان : أول مرة كان التأثير ضعيفاً، وفي المرة الثانية حصل التأثير في الشارع، وفي المرة الثالثة رجعت إلى منزلي فكسرت آلات المخالفات، ولزمت الطريق المستقيم، فحكيت هذه الحكاية لـيحيى بن معاذ بعد سنين أي عندما صار أبو سليمان رجلاً مشهوراً ومعروفاً بالزهد والورع والعبادة والذكر، قال يحيى : عصفورٌ اصطاد كركياً -يبدو أن الكركي هذا نوع نادر ونفيس من الطيور- فقال: عصفورٌ اصطاد كركياً، أي: يقول: انظر سبحان الله! هذا القاص مثل: العصفور، لكن اصطاد لنا هذا الشخص العظيم. فالداعية له أجر وفضل، فليحرص الدعاة على دعوة الخلق وإنتاج الصالحين؛ لأنهم إذا بثوا في المجتمع، حصل نفعٌ كبيرٌ.


أبو سليمان الداراني.. يقول: كل يوم أنظر في المرآة .. هل اسودّ وجهي من الذنوب

وقال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة


ها هو أبو سليمان الداراني([8]) يتخيل حواراً بين الله سبحانه، وجبريل، يُطمئن فيه الله أحبابه الصوفيين على أنه سبحانه مُطلّعٌ على خلواتهم، وسامعٌ لأنينهم، ويَعدِهُم بأن يكشف لهم يوم القيامة عن وجهه (قال أحمد بن أبي الحواري: دخلتُ على أبي سليمان يوماً وهو يبكي فقلت لـه ما يُبكيك؟ فقال: يا أحمدُ، ولم لا أبكي، وإذا جُنّ الليل، ونامت العيون، وخلا كلُ حبيب بحبيبته، وافترشَ أهلُ المحبّة أقدامهم وجَرَتْ دموعُهم على خُدودهم، وتقطرت في محاريبهم، أشرَفَ الجليلُ سبحانهُ وتعالى فنادى: يا جبريل: بعينيّ من تلذذّ بكلامي، واستراح بذكري وإني لمطلّعٌ عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء، هل رأيتم حبيباً يُعذِّبُ أحباءه، أم كيف يجمل بي بأن آخذ قوماً إذا جنّهم الليل تملّقوا لي، حلفتُ أنهم إذا وردوا عليّ القيامة، لأكشفنَّ لهم عن وجهي الكريم، حتى ينظروا إليّ وأنظر إليهم)([9]).


ويقول أبو سليمان الداراني: (لكلِّ شيء حِيلة، وحيلة الصدق الخشوع، ولكل شيء صدق، وصدق اليقين الخوف من الله تعالى)

ويقول أبو سليمان الداراني: (مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع)

يقول أبو سليمان الداراني: (إذا جاع القلبُ وعطش، صفا ورقّ، وإذا شبع وروي، عمي)

(أبو سليمان الداراني عبد الرحمن بن عطية الزاهد المعروف توفي في (داريا ) من قرى (دمشق) وقبره هناك معروف وأحمد أبي الجواري من أصحابه ـ كذا في معجم البلدان).

فهذا أبو سليمان الداراني يقول: "لأهل الطاعة بالهمِّ ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا. وقال: لو لم يبك العاقل فيما بقي من عمره إلا على لذة ما فاته من الطاعة فيما مضى كان ينبغي له أن يبكيه حتى يموت. فقيل له: فليس يبكي على لذة ما مضى إلا من وجد لذة ما بقي؟ فقال: ليس العجب ممن يجد لذة الطاعة، إنما العجب ممن وجد لذتها ثم تركها كيف صبر عنها."(حلية الأولياء،ج4،ص181.(أبو سليمان الداراني)).

قال أبو سليمان الداراني " إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس و الرياء "

وعن أبي سليمان الداراني قال: "إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها، فإن الأكل يغير العقل


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: حادى و ثلاثون : الإمام محمد ماضى أبو العزائم    السبت أبريل 30, 2011 6:41 pm


حادى و ثلاثون : الإمام محمد ماضى أبو العزائم

الإمام محمد ماضى أبو العزائم



هو : الإمام الربانى ، المجدد ، عالم الشريعة ، وصاحب الحقيقة ،

السيد / محمد ماضى أبو العزائم بن عبد الله محجوب بن أحمد بن مصطفى بن إبراهيم بن ماضى - نسبة إلى عين ماضى ببلاد المغرب الأقصى – ينتهى نسبه - رضى الله عنه - إلى إدريس الأكبر ُثم إلى الإمام الحسن بن الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه .

مولده :- ولد رضى الله عنه بمدينة رشيد بالديار المصرية عام 1286هـ الموافق لعام 1869 م ، ثم انتقل والده إلى بلدة - محلة أبى على - إحدى قرى محافظة الغربية ، و بها نشأ و ترعرع فى ظل رعاية والده ، حيث أتم حفظ القرآن الكريم ، ثم تعهده العلماء الذين احتارهم والده لتعليمه و تربيته فلزم الشيخ عبد الرحمن عبد الغفار و أتم على يديه حفظ متن أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، وحفظ قسم العبادات من موطأ الإمام مالك . ثم شرع فى متن السنوسية فى التوحيد ، و الأجرومية فى النحو و كذلك ألفية ابن مالك و مختصر البخارى للزبيدى ، وأبواباً من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالى .
و صحب الشيخ محمد القفاص ، و استفاد منه كثيراً فى العلوم اللغوية ، و دراسة العقيدة الإسلامية ، إلا أن الإمام - رضى اله عنه - كان يحلو له أن ينفرد بالاطلاع على مكتبة والده يقرأ ما شاء من علوم الطب و الحكمة و الفراسة و غيرها ، حتى أحاط بها علماً ، و صار كأحد أبنائها .

ثم تعرف على الشيخ محمد الخطيب أحد علماء عصره ، فجعل بقضى معه أكثر الأوقات لدراسة الفقه ، و العلوم الشرعية ، حتى ألم بها ، و صارشغوفاً بمعرفتها . كل هذا -و الإمام- لم يبلغ الرابعة عشر من عمره حرص على العلم و دأب على الاطلاع ، و شغف بالمعرفة و نهم فى حب الحكمة . و لما بلغ أشده و استوى تلقى طريقة الرفاعية على الشيخ غانم الخشاب حيث أخذه بالتربية الروحية ووجد منه استجابة فائقة و رغبة ملحة فصار ديدنه حب الصوفية و لقاء مشايخهم ،و التعرض لخدمتهم و محاكاتهم فى الأقوال و الأفعال حتى كان يتمثل بهم و يقتدى بسننهم و اشتاقت نفسه إلى سماع تراجمهم و قراءة أخبارهم فكان يرحل إليهم مترسماً خطاهم حتى كان حديثه لا يخلو من ترديد حكمهم و سرد كراماتهم.

و لما أن السادسة عشر من عمره توجه إلى الأزهر الشريف حيث أعد لتلقى علومه على كبار مشايخ عصره ، و كان شقيقه - السيد أحمد ماضى أبو العزائم - أحد أعلام الصحافة بمصر آنذاك ، حيث كان مديراً لجريدة "المؤيد" التى أنشأها مع زميله الشيخ علىّ يوسف ، فساعده ذلك على الاتصال بزعماء عصره و علماء عصره فاتصل بالشيخ محمد عبده و الزعيم سعد زغلول و مصطفى كامل و قد أسهم إمامنا فى إثراء الحركة السياسية مدافعاً عن قضية الوطن و معلناً كلمة الإسلام فى وجه الطغاة و المستعمرين .

و قد حضر السيد الإمام على الشيخ حسن الطويل ، و درس علوم التوحيد و كذلك لقى الشيخ حسنين الحصافىأحد مشايخ الطريقة الشاذلية و أحدأعلام الأزهر الشريف و استمر الإمام يرتوى من نعين العلماء و يجدّ فى التحصيل لا يصرفه عن ذلك ما يصرف الشبان أو تلهيه زخارف الحياة حتلا أشار عليه أخوه - السيد أحمد- بالالتحاق بمدرسة دار العلوم التى أنشأها علىّ باشا مبارك آنذاك لتخريج أكبر عدد من المدرسين ، مستعيناً فى ذلك بطلاب الأزهر ، حيث كانوا أقدر على استيعاب المواد الحديثة و الأساليب التربوية فأخذ السيد الإمام يشق طريقه وسط طلاب المعرفة حتى بزَّ أقرانه و تفوق على زملائه و كان يمتاز بالتقوى و الورع و التدبر و حسن الفهم و جودة الرأى و صار يقرأ القرآن الكريم بإمعان مع الإلمام بكل ما كتب فى تفسيره و لم يفته أيضاً أن يشفى غلته من سيرة المصطفى و صحبه الأبرار ، فكان مثلاً للمسلم المعاصر و العالم البصير بشئون الحياة .

و لما أكمل دراسته بمدرسة دار العلوم عين مدرساً بمدينة المنيا سنة 1311 ه و كان يقوم بالتدريس صباحاً ثم يعكف على عقد الندوات و المحاضرات العلمية مساء بغية تعليم التوحيد و الفقه و الأخلاق فكان يجتمع له المئات حتى أنس به أهل الدنيا و صاروا يتعشقون مجلسه و تسابقون للقائه لما رأوا فيه من صدق الدعوة و جودة القريحة و حسن المعاملة بالإضافة إلى التقوى و الصلاح و الزهد و الورع فذاع صيته و انتشر حديثه و طار خبره .

ثم نقل إلى محافظة الشرقية فأخذ يزاول نشاطه داعياً إلى الله و إلى إحياء دينه و اتباع رسوله و العمل على رضوانه فاكتسب مودة القوم ووجد منهم حسن إصغاء لدعوته و جميل قبول لتذكرته .ثم نقل الإمام إلى أسوان إلا أنه لم يطب له هناك فارتحل إلى مدينة حلفا ثم إلى أم درمان ، و الخرطوم حيث كان صيته قد سبقه إلى هناك ، و قد عمل أستاذاً للشريعة الإسلامية بكلية " غوردون " بالخرطوم و ظل بالسودان يعمل على خدمة الدعوة الإسلامية حتى أحس الإنجليز بخطر نشاطه الدينى فأبعدوه عن السودان فاعتزل الوظائف و قصر نفسه و حياته على الدعوة و جعل من داره بالقاهرة ملتقى للعلماء يؤمه الثوار و المجاهدين من أبناء الأمة الإإسلامية فى كل مكان .

و انتقل - رحمه الله تعالى - إلى الرفيق الأعلى عام 1937 م بعد أن عاش 68 عاماً و قد خلف السيد الإمام مدرسة صوفية كبيرة كان لها أعظم الأثر فى العصر الحاضر حيث تعهدت بتربية النشء الجديد ، و السير على مبادئ السيد الإمام من الاهتداء بكتاب الله و العمل على إحياء سنة رسوله .

رحمه الله تعالى و نفعنا به بأتباعه و ألحقنا به على الخير و الإيمان .






ثانى و ثلاثون: الإمام أبو قاسم القشيرى



الإمام أبو القاسم القشيري

العالم المصنّف الصوفي الأشعري

ترجمته

هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري ، ذكر ابن خلكان أن أصله من بلدة : أُستوا" من العرب الذين قدموا خراسان ، ولد سنة ثلاثمائة وست وسبعين للهجرة وتوفي والده وهو صغير ، وكانت له أرض بنواحي " أُستوا " فرأى أن يحضر إلى نيسابور ليتعلم طرفًا من الحساب ليعينه ذلك على استيفاء الخراج ، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الدقاق راس الصوفية في وقته ، فسمع دروسه وتعلم منه وسلك طريق الصوفية ، واشار عليه الدقاق بالاشتغال بالعلم فخرج إلى درس ابي بكر الطوسي فتفقه على المذهب الشافعي ، ثم اختلف إلى الاستاذ ابن فورك فأخذ منه علم الأصول حتى أتقنه على المذهب الشافعي ، وتردد ايضاً إلى مجلس الاستاذ ابي اسحق الإسفراييني فأخذ عنه ، وأخذ عن عدة مشايخ كأبي الحسين الخفاف الذي أخذ عنه الحديث ، وأبي بكر بن عبدوس وابي نعيم أحمد بن محمد المهرجاني ، وعلي بن أحمد الأهوازي وابن باكوية الشيرازي وغيرهم ، حتى صار يشار إليه بالبنان وكثر طلابه في الأصقاع .

ثناء العلماء عليه

ذكره التاج السبكي في طبقاته فقال في مقدمة ترجمته : " الأستاذ ابو القاسم القشيري النيسابوري الملقب زين الإسلام ، الإمام مطلقاً وصاحب الرسالة التي سارت مغربّا ومشرقّا ، والبسالة التي أصبح بها نجم سعادته مشرقًا ، والأصالة التي تجاوز بها فوق الفرقد ورقًا ، أحد أئمة المسلمين علمًا وعملاً وأركان الملة فعلاً ومقولاً ، إمام الأئمة ومجلي ظلمات الضلال المدلهمة ، أحد من يقتدى به في السنة ويتوضح بكلامه طرق النار وطرق الجنة ، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدم الطائفة الجامع بين أشتات العلوم " أ.هـ.

ومدحه عبد الغافر بن اسماعيل قائلاً :" الإمام مطلقاً ، الفقيه المتكلم الأصولي المفسر الأديب النحوي الكاتب الشاعر لسان عصره وسيد وقته ، وسر الله بين خلقه ، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدّم الطائفة ، ومقصود سالكي الطريقة وشعار الحقيقة وعين السعادة وحقيقة الملاحة ، لم ير مثل نفسه ولا رأى الراءون مثله في كماله وبراعته ، جمع بين علم الشريعة والحقيقة وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة " أ.هـ.

وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في " دمية القصر " وبالغ في الثناء عليه فقال :" الإمام زين الإسلام أبو القاسم جامع لأنواع المحاسن ، ينقاد إليه صعابها ، ذلل المراسن فلو قُرع الصخر بسوط تحذريه لذاب ... وله " فصل الخطاب في فضل النطق المستطاب " ، ما هو في التكلم على مذهب الأشعري ، كلمته للمستفيدين فوائد ، وعتبات منبره للعارفين وسائد ، وله شعر يتوج به رؤوس معاليه إذا خُتِمَت به أذناب أماليه "

مؤلفاته

لقد كان الإمام العالم الصوفي الشيخ ابو القاسم القشيري أحد الصوفية الصادقين المتحققين ، فألف كتابه الذي سماه " الرسالة القشيرية " ، وهي رسالة أراد فيها المؤلف تبيان حقيقة الصوفية ، وأن عقيدتهم هي عقيدة توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الخلق وكل ما فيه تنقيص في حقه تعالى .

ولم يكن الإمام القشيري أول من ألف في التصوف وبيان حال الصوفين ، فقد صنف الحافظ أبو نعيم كتابه " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " ، مريداً بذلك أن يميز الصوفية المتحققين الصادقين من غيرهم ، وذلك لأنه حصل في زمانه طعن في هؤلاء الصوفية ، وادعى أناس التصوف وهم خلاف ما عليه الصوفية في المعتقد والقول والعمل ، فبدأ بذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ليثبت أنهم من حيث الحقيقة زهاد صوفيون من السلف الصالح .

عُرف عن الشيخ أبي القاسم القشيري كثرة تصانيفه ولا سيما بعد وفاة شيخه ابي علي الدقاق ، فأخذ في التصنيف وصنّف التفسير الكبير الذي سماه " التيسير في علم التفسير " ، و " التحبير في التذكير " و " ءاداب الصوفية " و " لطائف الإشارات " وكتاب " المناجاة " ، وكتاب " نحو القلوب الكبيرة ، و " أحكام السماع " ، و " كتاب الأربعين في الحديث " ، ومؤلفاته كثيرة منها " الرسالة القشيرية " في علة التصوف التي نتوقف عندها فيما يلي :

الرسالة القشيرية

بعد الحمد والصلاة على النبي يتوجه المؤلف في ابتداء رسالته إلى الصوفية الصادقين بقوله :" كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوزان القشيري إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع وثلاثين واربعمائة .
أما بعد رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره " .

كما بين الإمام القشيري السبب من تاليف الرسالة في مقدمته بقوله :" ثم اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة ( الصوفية) انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من الطائفة إلا أثرهم ... وقَلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء ، وزوال الورع وطوى بساطه ، واشتد الطمع وقوي رباطه ، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة ، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودنوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام ، واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات ... ولما ابى الوقت إلا استصعاباً وأكثر أهل العصر بهذه الديار لما زادوا إلا تمادياً فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه ، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه ، فعلقتُ هذه الرسالة إليكم أكرمكم الله وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في ءادابهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم " .

وفيما يلي المقدمة يفرد الإمام القشيري الفصل الأول للحديث عن معتقد الطائفة الصوفية ، هادفاً إلى التأكيد على ان اعتقاد أهل السنة هو اعتقادهم ، إذ يقول في بداية هذا الفصل :" اعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف واهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل " ، ثم ينقل عن عدد منهم بعضًا من الكلام في التوحيد ، فيروي عن ابي بكر الشبلي قوله:" الواحد المعروف قبل الحَدّ وقبل الحروف " ، ويعقب على كلامه قائلاً :" وهذا صريح من الشبلي أن القديم سبحانه لا حَدّ لذاته ولا حروف لكلامه ".

كما يورد عن الجنيد قوله في معنى التوحيد :" هو إفراد الموحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " .

وفي الرسالة ايضاً رواية عن ابي عثمان المغربي حيث يقول :" كنت اعتقد شيئاً من حديث الجهة ، فلما قدمتُ بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبتُ إلى اصحابنا بمكة أني أسلمتُ الآن إسلاماً جديداً " ، وعن الإمام جعفر الصادق قوله :" من زعم أن الله في شيء أو على شيء أو من شيء فقد أشرك ، إذ لو كان على شيء لكان محمولاً ، ولو كان في شيء لكان محصوراً ولو كان من شيء لكان محدثاً " .

لقد اراد الإمام القشيري في سرد أقوال هؤلاء الأئمة بيان معتقدهم في اصول الشريعة الذي هو تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه وعن المكان والجسمية والأعضاء وكل ما هو من صفات المخلوقات ، ثم لخّص هذه المعتقدات بجملة أقوال منها قوله :" ليس يشبه شيئاً من المصنوعات ولا يشبهه شيء من المخلوقات ، ليس بجسم ولا جوهر ولا عَرَض ، ولا صفاته أعراض ، ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول ، ولا له جهة ولا مكان ، ولا يجري عليه وقت وزمان ، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان ... "

وتتضمن الرسالة باباً ذكر فيه المؤلف مشايخ هذه الطريقة ورؤوسها أمثال إبراهيم بن أدهم وذي النون المصري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله التستري والجنيد البغدادي وإبراهيم الخواص وابن خفيف الشيرازي ، وطائفة كبيرة من الصوفية المتحققة ، مع الإشارة إلى بعض من سيرهم وأخبارهم ومواعظهم وكلامهم في اصول الشريعة .

وفيما يلي هذا الباب يجعل المؤلف باباً خاصاً يشرح فيه بعضًا من المصطلحات الصوفية المتعارفة بين أفراد هذه الطائفة كالحال والقبض والبسط والتواجد ، والغَيْبة والحضور ، والصحو والسكر والستر والتجلي والقرب والبعد وعلم اليقين وحق اليقين والمراقبة والحياء والفراسة والمحبة والشوق وغير ذلك من المصطلحات .

وبعد هذا الباب تأتي فصول عدة تتضمن مسائل تتصل بمسئلة التصوف كإثبات الكرامات للأولياء ومعنى الولي وهل يكون الولي معصومًا ، وفيما ينبغي للمريد في التعامل مع مشايخه ومع المسلمين والفقراء وغير ذلك من الآداب والخصال التي يطلب من المريد التحلي بها بغية الرقي وسلوك طريق التصوف .

فتوى الإمام القشيري في الإمام الأشعري

حدث في زمن الإمام القشيري فتنة عظيمة حيكت ضد الأشاعرة فكثر سَبُّهم وسب الإمام أبي الحسن الأشعري ، فاستُفْتيَ الإمام عن عقيدة الأشعري فكتب كتاباً جاء فيه :

" اتفق اصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث ، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع ، وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة سيفًا مسلولاً . ومَن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبَّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة . بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة سنة ست وثلاثين واربعمائة . والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر . وكتبه عبد الكريم بن هوزان القشيري وكتبه تحته الخبازي ، كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي وهذا خطه ، والشيخ أبو محمد الجويني الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه ، وكتبه عبد الله بن يوسف وبخط أبي الفتح الشاشي ، وعلي بن أحمد الجويني وناصر العمري وأحمد بن محمد الأيوبي وأخيه علي ، وأبي عثمان الصابوي وابنه أبي نصر بن أبي عثمان والشريف البكري ومحمد بن الحسن وأبي الحسن الملقابادي وقد حكى خطوطهم ابن عساكر . وكتب عبد الجبار الإسفراييني بالفارسية : هذا أبو الحسن كان إماماً ، ولما أنزل الله عز وجل قوله " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه " ( سورة المائدة /54) أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال :" هم قَوم هذا " .

توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ونفعنا ببركاته سنة أربعمائة وخمس وستين للهجرة


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: ثالث و ثلاثون: شاه ولى الله الدهلوى    السبت أبريل 30, 2011 6:50 pm


ثالث و ثلاثون: شاه ولى الله الدهلوى

سيرة الإمام شاه ولي الله الدهلوي.. باعث السُّنة في الهند



حكم المسلمون الهند منذ أن فتحها محمد الغزنوي سنة (392 هـ= 1001م)، وتتابعت الدول في حكمها فترة بعد فترة، حتى ألقت بمقاليدها إلى الأسرة التيمورية؛ فنهضت بأعباء الحكم، وأقامت حضارة شاهدة على ما بلغته من تقدم وازدهار، ثم وفد الإنجليز إلى الهند تجارا، فأكرم الحكام المسلمون وفادتهم، وساعدوهم في تجاراتهم، وشيئًا فشيئًا اتسع نفوذهم، وعهد إليهم الحكام المسلمون بالقيام على بعض الأعمال، ولم يكن وجودهم خطرا يهدد الدولة في فترة قوتها، حتى إذا ضعفت أسفر الإنجليز عن وجههم القبيح، وسيطروا على الهند، وعلى حكامها المسلمين الذين بلغت دولة الهند في عهدهم مبلغا كبيرا من الضعف والجهل وانتشار الفساد واللهو.

وفي ظل هذه الأجواء المتردية، وانشغال الحكام بأنفسهم، وانصرافهم إلى ملذاتهم، تداعت صيحات مخلصة تنبه القلوب الغافلة، وتوقظ العيون النائمة، وتبث العزم في النفوس الخائرة؛ كي تهب وتستفيق وتقوم بما يجب عليها، وتعيد أمجاد الماضي وتسترد نسماته العطرة، وكان شاه ولي العهد الدهلوي أعلى تلك الأصوات، وأكثرها حركة ونشاطا.


المولد والنشأة

ولد أحمد بن عبد الحليم في دهلي بالهند في (14 من شوال 1114 هـ= 2 من مارس 1703م) في أواخر عهد السلطان أورنجزيب (أحد سلاطين الدولة التيمورية العظام)، ونشأ في بيت علم وصلاح؛ فأبوه كان عالما كبيرا، اشترك في مراجعة الفتاوى الهندية على المذهب الحنفي التي أشرف السلطان أورنجزيب على إخراجها.

تعلم الصبي الصغير في كنف أبيه، فحفظ القرآن الكريم في السابعة من عمره، وانصرف إلى دراسة اللغتين الفارسية والعربية، وتلقى علوم القرآن والحديث والفقه على المذهب الحنفي على أكابر علماء الهند، كما درس الطب والحكمة، والمنطق الفلسفة، ومال إلى الزهد والتصوف في هذه الفترة المبكرة، وأمدته هذه الروح الشفافة بطاقة هائلة، وإقبال على العبادة والطاعات، ونزع الله من قلبه حب الدنيا وزينتها؛ فالتفت القلوب حوله وأطلق عليه الناس "شاه ولي الله"؛ أي ولي الله الكبير.



جلوسه للتدريس


وبعد وفاة والده في سنة (1131 هـ= 1719م) جلس للتدريس، وهو في هذه السن المبكرة يشفع له نبوغه وتمكنه من العلوم الشرعية، فأقبل عليه طلاب العلم يتلقون على يديه الفقه والحديث، وبعد أن أمضى اثني عشر عاما رحل إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وبعد أن قضى مناسكها، لازم الحرم المكي وجاور هناك، والتقى بشيوخ مكة وفقهائها ومحدثيها؛ فروى عنهم وتتلمذ على أيديهم، وأجازوه براوية الحديث، ثم عاد إلى بلده في أوائل سنة (1145 هـ= 1722م) ليستأنف حياة الدرس والتعليم.

اتخذ الدهلوي من بيته مكانا لاستقبال طلابه والتدريس فيه، فلما ضاق عليه لكثرة الطلاب الذين يفدون عليه، بنى له السلطان محمد شاه مدرسة كبيرة، وافتتحها بنفسه، واشتهرت باسم "دار العلوم"، تخرج فيها أعداد كبيرة من العلماء ممن حملوا علم الشيخ، ونشروه بين الناس.



جهوده الإصلاحية


تفتحت عينا الشيخ والهند تزداد حالتها سوءا، والحكام يزدادون ضعفا، والبدع والخرافات تفتك بعقول الناس، والإنجليز يمسكون بأزمّة الأمور بعد أن رسخت أقدامهم، فتحركت نفسه إلى الصدع بالحق، ونصح الحكام، والأخذ بأيدي الناس إلى طريق الإصلاح، ولم ينصرف إلى التأليف والتدريس ويترك الناس حيارى لا دليل لهم.

دعا الشيخ إلى التصوف السني القائم على الاعتقاد والعمل بما جاء في الكتاب والسنة، وجرى عليها جمهور الصحابة والتابعين، وقام بتنقية التصوف من الشوائب، التي لحقت به من الفلسفات غير الإسلامية، وإبراز الجانب الإسلامي فيه.

ونادى ولي الله الدهلوي بفتح باب الاجتهاد وعدم التقيد بآراء الفقهاء الأربعة، وذكر أن أبا حنيفة نفسه قال: "لا ينبغي لمن لا يعرف دليله أن يفتي بكلامه"، وقال الإمام مالك بأنه "ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود إلا رسول الله"، وكذلك ذهب الشافعي وابن حنبل.

وقد أثرت جهود الشيخ الإصلاحية في تلامذته، وعلى رأسهم ابنه الشاه عبد العزيز، الذي كان كوالده نابغًا في الحديث والفقه، فحمل راية أبيه بعد وفاته، ووقف للإنجليز حين أخذوا يستبدون بالأمر، ويقلصون سلطات الحاكم المسلم، وأطلق الكلمة المأثورة: "إنه لا يُتصوَّر وجود ملك مسلم بدون نفوذ، إلا إذا تصورنا الشمس بدون ضوء!"، وهو صاحب الفتوى الشهيرة بأن الهند أصبحت دار حرب لا دار إسلام، وعلى المسلمين أن يهبوا جميعا للجهاد بعد أن أصبح إمام المسلمين لا حول له ولا قوة، ولا تنفذ أحكامه، والحل والعقد صار بيد الإنجليز المسيحيين.. يعينون الموظفين، ويدفعون الرواتب، ويشرفون على القضاء وتنفيذ الأحكام.

وكان لصيحات مدرسة "شاه ولى الله الدهلوي" أثر؛ حيث قاد العلماء الجهاد، وخاضوا غمار الحروب والمعارك لإنقاذ المسلمين من الإنجليز، ومن السيخ الذين لقوا دعمًا من المحتلين، ومن أبرز هؤلاء العلماء أحمد عرفان الشهيد الذي تتلمذ على الشاه عبد العزيز الدهلوي وأخيه عبد القادر ابني ولي الله الدهلوي، وسبق أن تناولنا حياته في (6 من صفر).



مؤلفات الشيخ


بارك الله في حياة الشيخ؛ فترك ذرية طيبة، حملوا العلم، وقادوا الجهاد، وتتلمذ عليه مئات من التلاميذ في الحديث؛ فأحيوا السنة بعد أن كادت تموت في الهند، وكان من أشهر تلاميذه الزبيدي صاحب "تاج العروس"، المتوفى سنة (1205 هـ = 1790م).

ورزقه الله سعة في الوقت؛ فترك مؤلفات عظيمة بلغت أكثر من 50 كتابًا، من أشهرها:

"حجة الله البالغة في أسرار الحديث وحكم التشريع"، وقد طُبع في الهند سنة (1286هـ= 1869م)، ثم طُبع في مصر بعد ذلك في سنة (1294هـ= 1877م)؛ وهو ما يدل على اتصال الحركة العلمية في مصر بغيرها من البلاد الإسلامية.

"الإنصاف في بيان سبب الاختلاف"، وهو يتناول مباحث في أصول الفقه ونشأة المذاهب الفقهية وتعددها في الفقه الإسلامي.

و"عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد"، عرض فيه لكثير من الأحكام المتعلقة بالاجتهاد.

"الفوز الكبير في أصول التفسير"، تكلم فيه عن الأشياء التي لا بد لمن يقوم بالتفسير أن يلم بها؛ حتى يكون على بينة من أمره حين يعرض لآيات القرآن الكريم.

و"المسوَّى من أحاديث الموطأ"، شرح فيه أحاديث الكتاب، وبيّن فيه ما تعقبه العلماء على الإمام مالك بإشارة لطيفة.

و"شرح تراجم أبواب البخاري".

وترجم القرآن إلى الفارسية بعنوان "فتح الرحمن في ترجمة القرآن".



وفاة الشيخ


وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال تُوفِّي الشيخ في (26 من المحرم 1176هـ= 17 من أغسطس 1762م)، تاركًا أربعة من أولاده العلماء هم: "شاه عبد العزيز" الذي قام مكانه في العلم والعمل، و"شاه رفيع الدين"، و"شاه عبد القادر"، و"شاه عبد الغني"، ومخلفًا ذكرى عطرة لا يزال شذاها يفوح حتى الآن، وقد أثنى عليه وعلى جهوده العلماء؛ فقال عنه "عبد الحي الكناني" صاحب "فهرس الفهارس": "أحيا الله به وبأولاد بنته وتلاميذهم الحديث والسنة بالهند بعد مواتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رابع و ثلاثون: ابن الفارض    السبت أبريل 30, 2011 7:02 pm


رابع و ثلاثون: ابن الفارض

ابن الفارض

ابن الفارض هو عمر بن علي بن مرشد الحموي، من حماة في سوريا أبو حفص شرف الدين ابن الفارض. يعرف بسلطان العاشقين وهو من أشعر المتصوفين، . قدم والده من حماة وولد بمصر سنة 576 هـ الموافق لـ 1181م. ولما شب اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر. ثم سلك طريق الصوفية ومال إلى الزهد. رحل إلى مكة في غير أشهر الحج، واعتزل في واد بعيد عنها. وفي عزلته تلك نظم معظم أشعاره في الحب الإلهي وفي شعره فلسفة تسمى وحدة الوجود. عاد إلى مصر بعد خمسة عشر عامًا. توفي سنة 632 هـ الموافق لـ1235 م.

(مختارات شعرية)


هو عمر بن علي بن مرسد , الحموي أصلا , المصري ولادة ودارا ووفاة , ولد عام 576هـ وتوفي سنة 632هـ , كني بأبي حفص وأبي القاسم , ولقب بشرف الدين , كان أبوه بعد إنتقاله إلى القاهرة يثبت الفروض لنساء على الرجال بين يدي الحكام وولي نيابة الحكم لسلطان عزيز بالقاهرة فغلب عليه لقب الفارض وعرض عليه منصب قاضي القضاة فأمتنع وأنقبض عن الناس زاهدا ومتعبدا .

في ظل هذا الأب , وفي رعاية علمية وحياة طيبة نشأ عمر وأخذ علومه الجلة وكان منذ صغره يستأذن والده لينقطع للعبادة في بعض المساجد المنقطعة وفي جبل المقطم , وظل كذلك إلى أن نصحه أحد المتعبدين بالنزول إلى مكة , فخرج إليها وأكثر من الأنعزال في واد بعيد عن مكة , وهناط وفي ظل تلك الحوال نظم معظم شعره , وهو خير ماألف من شعره , واستمر في الديار المقدسة خمسة عشر عاما تقريبا عاد بعدها إلى القاهرة , واقام بقاعة الخطابة في الأزهر , وكثر المعجبون به والمتبركون به , وكانت العلماء والحكام تجلسه حتى أن الملك كامل طلب زيارته وقصد إليه , وكانت حياته حيات إنقطاع , وعبادة وزهد وكانت تحصل له حالات إستغراق طويل وصمت , وكان يملي شعره في إنتباهه من تلك الاحوال .

وصف ابن الفارض بإنه كان معتدل القامة , وأن وجهه جميل , حسن مشرب بحمرة وكان حسن الهيئة والملبس , وحسن الصحبة والعشرة , فصيح العبارة , كثير الخير , وكان يحب مشاهدة البحر في المساء , قال ابن خلكان (( سمعت أنه رجل فصيح العبارة كثير الخير )).

وقد أختلف الدارسون في تقويمه , وبيان فلسفته الصوفية , فبعظهم اتهمه بالقول بالحلول والقول بالاتحاد وقد دفع الاستاذ ( ر. نيكسون) هاتين التهمتين , بينما يرى الدكتور عمر فروخ أنه يقول بالحلول والأتحاد معا .

ولأبن الفارض ديوان مشهور وهو على صغر حجمه من أحسن الدواوين العربية إبتكارا من ناحية موضوعه ومن ناحية إسلوبه , وهو يدور في ديانه على الشعر الصوفي في حلب , وله قصائد مطولات كالتائية الكبرى ,واليائية .

ومن شعره :

قـلـبي يُـحـدثُني بـأنك مُـتلفي روحـي فِداك ، عرَفت أم لم تعرفِ
لـم أقضِ حق هواكَ إن كنتَ الذي لـم أقـض فيه أسى ، ومثلي مَن يفي
مـا لي سوى روحي ، وباذلُ نفسه فـي حب من يهواه ، ليس بمسرفِ
فـلئن رضـيتَ بها ، فقد أسعفتني يـا خيبة المسعى ، إذا لم تسعفِ !
يـامانعي طـيب المنام ، ومانحي ثـوب الـسقام بـه ووَجدي المتلفِ
عـطفا على رمَقي وما أبـقيتَ لي من جسمي المضنى وقـلبي المُدنفِِ
فـالوجد بـاقٍ ، والوصال مماطلي والـصبر فـانٍ ، والـلقاء مسوِّفي
لم أخلُ من حسدٍ عليكَ فلا تُضِع سهَري بتشنيع الخيالِ المُرجِفِ
واسأل نجوم الليل : هل زار الكرى جَـفني ، وكيف يزور من لم يعرفِ
لا غـرو إن شحّت بغمضٍ جفونها عـيني ، وسـحّت بالدموع الذرّفِ
وبـما جرى في موقف التوديع من ألـم الـنوى ،شاهدتُ هول الموقفِ
إن لـم يـكن وصـلٌ لديكَ فعِد به أملي وماطل ، إن وعدتَ ، ولا تفي
فـالمطلُ مـنك لديَّ ، إن عزَّ الوفا يـخلو كـوصلٍ من حبيبٍ مسعفِ
أهفو لأنفاسِ النسيمِ تعِلةًّ ولوجه مَن نقلت شذاهُ تشوّفي
فـلـعل نـار جـوانحي بـهبوبها أن تـنـطفي ، وأود أن لا تـنطفي
يـا أهـل ودّي ! أنتمُ أملي ، ومن نـاداكـمُ يـا أهـل ودي قد كُفي
عـودوا لـما كـنتم عليه من الوفا كـرماً ، فـإني ذلـك الـخل الوفي
وحياتكم وحياتكم ، قسماً ، وفي عُمري بغير حياتكم لم أحلفِ
لو أن روحي في يدي ووهبتها لمبشّري بقدومكم لم أُنصِفِ
لا تحسبوني ، في الهوى ، متصنعاً كَلَفي بـكم خـُلُقٌ بـغير تـكلُّفِ
أخـفـيتُ حُـبَّكمُ فـأخفاني أسـىً حـتى ، لعمري ، كدت عني أختفي
وكـتـمتهُ عـنّـي فـلـو أبـديتُه لـوجدته أخـفى من اللطف الخفي
ولقد أقولُ لمن تحرّشَ بالهوى عرّضتَ نفسَكَ للبلا فاستهدفِ
أنتَ القتيلُ بأيِّ مَن أحبَبتّه فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قُل للعَذولِ أطلتَ لَومي طامعاً أن الملامَ عن الهوى مستوقفي
دع عنك تعنيفي ، وذق طعم الهوى فـإذا عـشقت ، فـبعد ذلـك عنِّفِ
برح الخَفاء بحب من لو ، في الدجى سـفر الـلثام ، لقلت يا بدر اختفِ
وإن اكـتفى غـيري بـطيف خياله فـأنا الـذي بـوصاله ، لا أكـتفي
وقفاً عليه محبتي ولِمحنتي بأقلِّ من تَلَفي به لا أشتفي
وهواهُ ، وهو ، أليّتي ، وكفى به قسماً أكادُ أجلّهُ كالمُصحفِ
لو قال تيهاً : قِف على جمر الغَضا لـوقـفت مـمتثلاً ، ولـم أتوقفِ
أو كان مَن يرضى ، بخدّي ، موطِئاً لوضعتُهُ أرضاً ولم أستنكفِ
لا تـنكروا شغفي بما يرضي ، وإن هـو بـالوصال ،عـليَّ لم يتعطفِ
غلب الهوى ، فأطعت أمر صبابتي مـن حيث فيه عصيتُ نهى معنِّفي
منّي له ذلّ الخضوعِ ومنهُ لي عِزَّ المَنوعِ وقوّةُ المُستضعِفِ
ألِفَ الصَدودَ ولي فؤادٌ لم يزل مُذ كنتُ ، غيرَ وِدادِهِ لم يألَفِ
يا ما أمَيلَحَ كلَّ ما يرضى به ورُضابُهُ يا ما أُحيلاهُ بِفي
لو اسمَعوا يعقوبَ ذكرَ مَلاحةٍ في وجههِ نسيَ الجمالَ اليوسفي
أو لو رآهُ عائداً أيوبُ في سِنةِ الكرى قِدماً ، من البلوى شفي
كــل الـبدور إذا تـجلى مـقبلاً تـصبو إلـيه ، وكـل قـدٍّ أهيفِ
إن قـلت : عـندي فيك كل صبابةٍ قال : المَلاحةُ لي ، وكل الحُسن في
كـملت مـحاسنُهُ فـلو أهدى السنا لـلبدر ، عـند تمامه ، لم يُخسفِ
وعـلى تـفنن ، واصـفيه بحسنه يـفنى الـزمان ، وفيه مالم يوصفِ
ولـقد صـرفت لحبه ، كلّي ، علي يـد حسنه ، فحمدت حسن تصرفي
فالعينُ تهوى صورة الحُسنِ التي روحي بها تصبو إلى معنى خفي
أسعِد أُخَيَّ وغنِّني بحديثِهِ وانثُر على سمعي حِلاهُ وشنّفِ
لأرى بعين السمعِ شاهِدَ حُسنِهِ معنىً فأتحِفني بذاكَ وشرِّفِ
يـا أخت سعدٍ ، من حبيبي ، جئتِني بـرسـالـةٍ أدّيـتِـها بـتـلطفِ
فـسمعتُ مـالم تسمعي ونظرتُ ما لـم تـنظري ، وعرفتُ مالم تعرفي
إن زار يوماً يا حشايَ تقطّعي كَلَفاً به ، أو سار ، يا عينُ اذرفي
ما للنوى ذنبٌ ومَن أهوى معي إن غاب عن إنسان عيني ، فهوَ في

(في : أي في قلبي)


ومن أشعاره :

زِدني بفرط الحب فيك تحيّراً وارحم حشى بلظى هواك تسعَرّا
وإذا سألتُك أن أراك حقيقةًً فاسمحْ ولا تجعلْ جوابيَ : لن ترى
يا قلبُ أنت وعدتني في حبهم صبراً فحاذرْ أن تضيق وتضجرا
إنّ الغرامَ هو الحياةُ فمُت به صبَّاً فحقُكَ أن تموتَ وتُعذرا
قل للذين تقدموا قبلي ومَن بعدي ومَن أضحى لأشجاني يرى
عني خذوا وبيَ اقتدوا ولي اسمعوا وتحدثوا بصبابتي بين الورى
ولقد خلوتُ مع الحبيب وبيننا سِرٌّ أرقُّ من النسيِمِ إذا سرى
وأباح طرفي نظرةً أمّلتُها فغدوتُ معروفاً وكنت مُنَكَّرا
فدهشتُ بين جمالِهِ وجلالِهِ وغدا لسانُ الحالِ عنّي مُخْبِرا
فأدِر لِحاظك في محاسن وجهه تلقى جميعَ الحسنِ فيه مصوَّرا
لو أنّ كلَّ الحسنِ يكمل صورةً ورآه كان مهلِّلاً ومكبّرا



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــ



ابن الفارض نسبه إلى بني سعد. ووالده حموي الأصل قدم مصر يقتنها، وكان يثبت الفروض للنساء على الرجال بين يدي الحكام فلقب بالفارض. ويستدل أنه ( الوالد) كان رجل فضل وجاه يتصدر مجالس الحكم والعلم، حتى سئل أن يكون قاضي القضاة فامتنع ونزل عن الحكم. واعتزل الناس وانقطع إلى الله تعالى بقاعة الخطابة في الجامع الأزهر إلى أن توفاه الله.

وفي مصر ولد شاعرنا، ولا شك أنه كان لوالده يد كبيرة في ثقافته وفي تكييف نزعاته النفسية. قال ابن العماد الحنبلي: " فنشأ تحت كنف أبيه في عفاف وصيانة وعبادة، بل زهد وقناعة وورع، وأسدل عليه لباسه وقناعه. فلما شب وترعرع اشتغل بفقه الشافعية، وأخذ الحديث عن ابن عساكر".

وقد ظهر فيه منذ أوائل شبابه ميل إلى التدين والتلذذ بالتجرد الروحي على طريقة المتصوفين. فكان يستأذن والده في الانفراد للعبادة والتأمل. ويظهر أنه كان في جبل المقطم مكان خاص يعرف بوادي المستضعفين يختلف إليه المتجردون، فحبب إلى ابن الفارض الخلاء فيه، فتزهد وتجرد، وكان يأوي إلى ذلك المكان أحيانا. ثم انقطع عنه ولزم أباه. فلما توفي الوالد عاد الولد إلى التجريد والسياحة الروحية أو سلوك طريق الحقيقة فلم يفتح عليه بشيء ( أي لم يكشف له من المعرفة ما يستغني به ولعله يريد هنا لم يوح إليه من الشعر شيء). ثم قيض له رجل من الأتقياء أشار عليه أن يقصد مكة. فقصدها وأقام فيها مجاورا نحوا من 15 سنة. وهناك بين المناسك المقدسة نضجت شاعريته وكملت مواهبه الروحية. ثم عاد إلى مصر ، وكانت يومئذ تحت سيادة الأيوبيين ، وقد عنوا كل العناية بفتح المدارس والمعاهد فيها، فتجددت في أيامهم الروح الدينية والتعاليم السنية. حدث ذلك على أثر انتصاراتهم على الصليبيين تلك الانتصارات التي وطدت مركزهم في مصر والشام والحجاز، وتركت لهم في تاريخ الشرق الإسلامي ذكرى خالدة.

يجمع مؤرخوه على أنه كان ورعا وقورا طيب الأقوال والأفعال. والذي يراجع سيرته ويتفهم روح قصائده يتجلى له في نفسيته ثلاث مزايا بارزة:

أنه كان شديد التأثر(وخصوصا بالجمال) إلى درجة الانفعال العصبي يسحره جمال الشكل حتى في الجمادات. ومن ذلك ما يروونه عن تأثره بحسن بعض الجمال، أو ببرنية حسنة الصنعة رآها في دكان عطار. وقد يسحره جمال الألحان فإذا سمع إنشادا جميلا استخفه الطرب فتواجد ورقص ولو على مشهد من الناس.

نقل عن ولده أن الشيخ كان ماشيا في السوق بالقاهرة، فمر على جماعة يضربون بالناقوس ويغنون، فلما سمعهم صرخ صرخة عظيمة ورقص رقصا كثيرا في وسط السوق، ورقص جماعة كثيرة من المارين. وتواجد الناس إلى أن سقط أكثرهم إلى الأرض. ثم خلع الشيخ ثيابه ورمى بها إليهم وحمل بين الناس إلى الجامع الأزهر وهو عريان مكشوف الرأس وفي وسطه لباسه. وأقام في هذه السكرة ( النوبة العصبية ) ملقى على ظهره مسجى كالميت


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: خامس و ثلاثون: صفى الدين الحلى   السبت أبريل 30, 2011 7:14 pm


خامس و ثلاثون: صفى الدين الحلى

صفي الدين الحلي




هو عبدالعزيز بن سرايا ، ولد سنة 677 في العراق بمدينة الحلة ، وهي مدينة العلامة والمحقق الحلي ، والسيد ابن طاووس وعشرات غيرهم من الفضلاء .

يعتبر صفي الدين الحلي اشهر شعراء العصر المغولي ، وشعره بليغ ومتنوع في المدح والغزل والتفاخر والعاطفة المذهبية والبديع (السجع والجناس والتورية . . . الخ) والالغاز ، كذلك كان خاليا من الشوائب والتعقيد .

كان شاعرنا الحلي عفيف اللسان ، عزيز النفس ، وهو «اول من نظم البديعيات‏» .
اهم آثاره:

ديوان شعره الذي يحتوي كافة الاغراض الشعرية .

درر النحور ، ويقال درر البحور وقلائد النحور .

معجم الاغلاط اللغوية .

الاوزان المستحدثة .

الرسالة التوءمية .

خلاصة البلغاء رسالة الدار .

الكافية .

الدر النفيس .

يحتوي كتاب درر البحور وقلائد النحور على 29 قصيدة بعدد احرف الهجاء في قوافيها حيث «يبتدئ في كل بيت منها بحرف ويختم بنفس الحرف‏» ، وهذه القصائد تعرف بالارتقيا ، فاذا كانت القافية ميمية كانت اوائل الابيات كذلك كقوله:

مغانم صفو العيش اسمى المغانم

هي الظل الا انه غير دائم

ملكت زمام العيش فيها وطالما

رفعت‏بها لولا وقوع الجوازم

واذا كانت القافية تنتهي بحرف القاف ، كان اوائل الابيات تبدا بحرف القاف ايضا كقوله:

قفي ودعينا قبل وشك التفرق

فما انا من يحيى الى حين نلتقي

قضيت وما اودى الحمام بمهجتي

وشبت وما حل البياض بمفرقي

قرنت‏الرضى بالسخط و القرب بالنوى

ومزقت‏شمل الوصل كل ممزق

قبلت وصايا البحر من غير ناصح

واحييت قول‏الهجر من غير مشفق

ونلاحظ في كافيته الثانية التي تمتاز برقة غزله وعذبة الاسلوب ، وهي في جملتها نموذج لغيرها من الارتقيات في غرضها الرئيسي واغراضها العارضة في التزام اتفاق حروف ابياتها الاولى وتوافقها مع حرف الروي:

كفي القتال وفكي قيد اسراك

يكفيك ما فعلت‏بالناس عيناك

كلت لحاظك مما قد فتكت‏بنا

فمن ترى في دم العشاق افتاك

كفاك ما انت‏بالعشاق فاعلة

لو انصف الدهر في العشاق عزاك

كملت اوصاف حسن غير ناقصة

لو ان حسنك مقرون بحسناك

كيف انثنيت الى الاعداء كاشفة

غوامض السر لما استنطقوا فاك

كتمت‏سرك حتى قال فيك فمي

شعرا ولم يدر ان القلب يهواك

×××××

كدت المحب فماذا انت طالبة

فنا محبك مع اشمات اعداك

كافيتني بذنوب لست اعرفها

فسامحي واذكري من ليس يسلاك

كلفتني حمل اثقال عجزت بها

وحبذا ثقلها ان كان ارضاك

كابدت هول السرى في البيد مكتسبا

مالا وما كنت ابغي المال لولاك

كلا ولا بت اطوي كل مقفرة

ومهمة لم تسر فيها مطاياك

كان فيه السما والارض واحدة

ونوقنا نجب نور تحت املاك

اما اذا انتهت‏بحرف الراء كانت اوائل الابيات تبدا بحرف الراء كقوله:

رفقت‏بالناس في كل الامور فقد

اضحى الزمان اليهم شاخص البصر

وهناك قصائد نظمها شاعرنا الحلي تنتهي بالياء وتبدا ابياتها بالياء ايضا ، ولكن تمتاز بانها تقرا مقلوبة بقوله:

يلذ ذلي بنضو

لوضن بي لذ ذلي

يلم شملي لحسن

ان سح لي لم شملي

وقد عثرت على قصيدة شعرية لم تطبع في ديوانه تبدا بالهمزة وتنتهي بالهمزة وتقرا مقلوبة يقول فيها:

انث ثناء ناضرا لك انه

هنا كل ارض ان انث ثناء

امر كلاما الفته مظنة

له نظم هتف لام الكرماء

اهب لوصف لا لما هب آمل

ملما بها مل‏ء الفصول بهاء

اروح اطيل الداب ابرم همة

مربى بادلال يطاح وراء

ارق فلا حزن ينم بمهمل

مهم بم ينزح الفقراء

اخر لاني نائب لقضية

تهيض قلبي ان ينال رخاء

افوه اراعي قوته بتكلف

لكتبة توقيع اراه وفاء

اما شعر التوام فهو ما تشابهت كلماته في الرسم حتى اذا ابدلت نقط بعضها ظهرت لها معان جديدة ، واغلب ما تكون الكلمات المتوائمة متجاورة نحو قول صفي الدين الحلي:

سند سيد حليم حكيم

فاضل فاصل مجيد مجيد

حازم جازم بصير نصير

زانه رايه الشديد السديد

امه امة رجاء رخاء

ادركت اذ زكت نقود تقود

مكرمات مكرمات بنت‏بي

-ت علاء علا بجود يجو

×××××

كوصف حرب ووصف شرب

ولطف عتب لقلب قلب

وذكر الف، وشكر عرف

وبكر وصف، وندب ندب

×××××

زينت زينب بقد يقد

وتلاه ويلاه نهد يهد

جندها جيدها وظرف وطرف

تاعس ناعس بحد بحد

ولشاعرنا قصيدة معجمة ليس فيها حرف مهمل:

فتنت‏بظبي بغى خيبتي

بجفن تفنن في فتني

تجنى، فبت‏بجفن يفيض

فخيبت ظني في يقظتي

قضيب يجي‏ء بزي يزين

تثنى، فذقت جنى جنة

نجيب يجيب بفن يذيب

ببض خضيب نفى خيفتي

بجفن يجي‏ء ببيض غزت

تشج، فتنفذ في جبتي

غني يضن بنض نقي

فيقضي بغبني في بغيتي

تيقظ بي غنج جفن غضيض

بفن يشن ضنى جثتي

وهناك نوع آخر من شعره يسمى الشعر العاطل او المهمل ، والذي يتميز بخلو كلماته من النقط بقوله:

سدد سهما ما عدا روعه

وروع العصم، وللاسد صاد

امالك الامر ارح هالكا

مدرعا للهم درع السواد

اراه طول الصد لما عدا

مرامه ما هد صم الصلاد

ود ودادا طاردا همه

وما مراد الحر الا الوداد

والمكر مكروه دها اهله

واهلك الله له اهل عاد

وله قصيدة اخرى في الشكوى والعتاب جاء فيها:

نسيتكم لما ذكرتم مساءتي

وخالفتكم لما اتفقتم على هجري

واصبحت لا يجري ببالي ذكركم

ملالا ، ولا يجري ببالكم ذكري

وقد كنت افنيت الزمان بشكركم

وبالوصف حتى شاع في مدحكم شعري

واني وان اغلظت في القول مرة

عليكم ، لامر ضاق عن حمله صدري

امنت‏بما اوليت من حق خدمة

اليكم ، وما ابليت من جدة العمر

ولصفي الدين قصيدة في الرثاء بداها:

بكى عليك الحسام والقلم

وانفجع العلم فيك والعلم

وضجت الارض، فالعباد بها

لاطمة، والبلاد تلتطم

تظهر احزانها على ملك

جل ملوك الورى له خدم

ابلج، غض الشباب، مقتبل العم

-ر، ولكن مجده هرم

محكم في الورى، وآمله

يحكم في ماله ويحتكم

×××××

يجتمع المجد والثناء له

وماله، في الوفود، يقتسم

قد سئمت جوده الانام، ولا

يلقاه، من بذله الندى، سام

ما عرفت منه لا، ولا نعم،

بل دونهن الآلاء والنعم

الواهب الالف، وهو مبتسم

والقاتل الالف، وهو مقتحم

مبتسم والكماة عابسة

وعابس، والسيوف تبتسم

×××××

يستصغر العضب ان يصول به

ان لم تجرد من قبله الهمم

ويستخف القناة يحملها،

كانها في يمينه قلم

لم يعلم العالمون ما فقدوا

منه، ولا الاقربون ما عدموا

ما فقد فرد من الانام، كمن

ان مات ماتت لفقده امم

والناس كالعين ان نقدتهم

تفاوتت عند نقدك القيم

ثم نجد قصيدته النونية التي يذكر فيها مجد قومه وتاريخهم حيث‏يقول:

سلي الرماح العوالي عن معالينا

واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

لما سعينا فما رقت عزائمنا

عما نروم ولا خابت مساعينا

وفتية ان نقل اصغوا مسامعهم

لقولنا او دعوناهم اجابونا

قوم اذا استخصموا كانوا فراعنة

يوما وان حكموا كانوا موازينا

اذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة

وان دعوا قالت الايام آمينا

انا لقوم ابت اخلاقنا شرفا

ان نبتدي بالاذى من ليس يؤذينا

بيض صنائعنا سود وقائعنا

خضر مرابعنا حمر مواضينا

وله ايضا قصيدة كلها منقوطة ، اي كل كلماتها منقطة ، وكذا له ‏قطعة شعرية‏اخرى فيها كلمة منقطة وكلمة غير منقطة ، كما له قصيدة كل كلمة من كلماتها مصغرة:

نقيط من مسيك في وريد

خويلك او وسيم في خديد

ومن شعره يخاطب امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام يقول فيها:

جمعت في صفاتك الاضداد

فلذا عزت لك الانداد

زاهد حاكم حليم شجاع

فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط

ولا حاز مثلهن العباد

خلق يخجل النسيم من اللطف

وباس يذوب منه الجماد

ظهرت منك للورى مكرمات

فاقرت بفضلك الحساد

ان يكذب هذا عداك فقد كذب

من قبل قوم لوط وعاد

جل معناك ان يحيط به الشعر

ويحصى صفاته النقاد


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ



عبدالعزيز بن سرايا بن أبي القاسم السنبسي الطائي و الملقب بصفي الدين الحلي (1277 - 1349 م ) شاعر عربي نظم بالعامية والفصحى، ينسب إلى مدينة الحلة العراقية التي ولد فيها. عاش في الفترة التي تلت مباشرة دخول المغول لبغداد وتدميرهم الخلافة العباسية مما أثر على شعره ، نظم بيتا لكل بحر سميت مفاتيح البحور ليسهل حفظها.له العديد من دواوين الشعر المعروفة ومن أشعاره الشهيرة التي لا تزال تتداول حتى أيامنا هذه :




سـلي الـرماح الـعوالي عن معالينا واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

بيــض صنائـعـنــا سود وقـائعـنا خضر مرابعنا حمر مواضينا

لا يمتطي المجد من لم يركـــــب الخطرا ولا ينال العلا من قدم الحــذرا


عاش صفي الدين الحلي في الحلة و الموصل و القاهرة و ماردين و بغداد التي توفي فيها.

كان أول من نظم البديعيات . له ديوان ( درر النحور ) في مدح الملك منصور الأرتقي ملك ماردين، و الذي يحتوي على 29 قصيدة كل منها يتكون من 29 بيتا تبدأ أبيات كل قصيدة منها و تنتهي بأحد أحرف اللغة العربية.

وقد كان ينظم الحلّي في فنون الشعر باللهجة المحكية في زمانه، كالزجل والموشح والقومة، كما كان أول من صنف كتاباً مختصاً بالشعر العربي العامي، و هو كتاب العاطل الحالي، أورد فيه نماذج من ذلك الشعر في زمنه ضمت أشعراً نظمها بنفسه.


أعماله

- درر النحور و التي تعرف أيضا بالأرتقيات .
- العاطل الحالي
- الأغلاطي
- صفوة الشعراء وخلاصة البلغاء
- الخدمة الجليلة



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

سادس و ثلاثون : الامام جلال الدين الرومى


سيرة مولاي جلال الدين الرومي...الولي الشاعر


من بين فحول شعراء الصوفية في الإسلام برز اسم الشاعر الفارسي الكبير "جلال الدين الرومي" كواحد من أعلام التصوف، وأحد أعلام الشعر الصوفي في الأدب الفارسي.

ميلاده ونشأته

وُلد "جلال الدين محمد بن محمد بن حسين بن أحمد بن قاسم بن مسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" بفارس في (6 من ربيع الأول 604هـ = 30 من سبتمبر 1207م) لأسرة قيل: إن نسبها ينتهي إلى "أبي بكر"، وتحظى بمصاهرة البيت الحاكم في "خوارزم"، وأمه كانت ابنة "خوارزم شاه علاء الدين محمد".

وما كاد يبلغ الثالثة من عمره حتى انتقل مع أبيه إلى "بغداد" سنة [607هـ = 1210م] على إثر خلاف بين أبيه والوالي "محمد قطب الدين خوارزم شاه". وفي بغداد نزل أبوه في المدرسة المستنصرية، ولكنه لم يستقر بها طويلاً؛ إذ قام برحلة واسعة زار خلالها "دمشق" و"مكة" و"ملسطية" و"أرزبخان" و" لارند"، ثم استقر آخر الأمر في "قونية" في عام [632هـ = 1226م] حيث وجد الحماية والرعاية في كنف الأمير السلجوقي "علاء الدين قبقباذ"، واختير للتدريس في أربع مدارس بـ"قونية" حتى توفي سنة [628هـ = 1231م]، فخلفه ابنه "جلال الدين" في التدريس بتلك المدارس.

جلال الدين في عالم التصوف

وقد عُرف "جلال الدين" بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية، إلا أنه لم يستمر كثيرًا في التدريس؛ فقد كان للقائه بالصوفي المعروف "شمس الدين تبريزي" أعظم الأثر في حياته العقلية والأدبية؛ فمنذ أن التقى به حينما وفد على "قونية" في إحدى جولاته، تعلق به "جلال الدين"، وأصبح له سلطان عظيم عليه ومكانة خاصة لديه.

وانصرف "جلال الدين" بعد هذا اللقاء عن التدريس، وانقطع للتصوف ونظْمِ الأشعار وإنشادها، وأنشأ طريقة صوفية عُرفت باسم "المولوية" نسبة إلى "مولانا جلال الدين".

اهتم "جلال الدين الرومي" بالرياضة وسماع الموسيقى، وجعل للموسيقى مكانة خاصة في محافل تلك الطريقة، مخالفًا في ذلك ما جرى عليه الإسلام، وما درجت عليه الطرق الصوفية ومدارس التصوف.

.. شاعرًا

اتسم شعر "جلال الدين الرومي" بالنزعة الصوفية الخالصة؛ فقد كان شعره أدبًا صوفيًّا كاملا، له كل المقومات الأدبية، وليس مجرد تدفق شعوري قوي، أو فوران عاطفي جياش يعبر به عن نفسه في بضعة أبيات كغيره من الشعراء، وإنما كان شعره يتميز بتنوع الأخيلة وأصالتها، ويتجلى فيه عمق الشعور ورصانة الأفكار، مع سعة العلم وجلال التصوير وروعة البيان.

ويُعد "جلال الدين" شاعرًا من الطبقة الأولى؛ فهو قوي البيان، فياض الخيال، بارع التصوير، يوضح المعنى الواحد في صور مختلفة، له قدرة على توليد المعاني واسترسال الأفكار، ويتسم بالبراعة في انتقاء الألفاظ واختيار بحور الشعر، وتسخير اللغة والتحكم في الألفاظ.

وتصل قمة الشاعرية عند "جلال الدين الرومي" في رائعته الخالدة "المثنوي"، وقد نظمها لتكون بيانًا وشرحًا لمعاني القرآن الكريم، ومقاصد الشريعة المطهرة؛ ليكون ذلك هدفًا إلى تربية الشخصية الإسلامية وبنائها، وزادًا له في صراعه مع قوى الشر والجبروت، وعونًا له على مقاومة شهوات النفس والتحكم في أهوائها، وتكشف "المثنوي" عن ثقافة "جلال الدين الرومي" الواسعة، والتعبير عن أفكاره بروح إنسانية سامية، تتضاءل إلى جوارها بعض الأعمال التي توصف بأنها من روائع الأعمال الأدبية.

وقد استخدم "جلال الدين" في "المثنوي" فن الحكاية بإتقان بارع، وهي في حركتها وتطورها وحوارات أشخاصها لا تقل روعة عن بعض القصص المعاصر، وتتميز الشخوص بأنها ثرية متنوعة في تساميها وعجزها ونفاقها وريائها، وحيرتها بين الأرض وما يربطها بها، وبين السماء وما يشدها إليها، كل ذلك في تدفق وانسياب غامر، وعرض شائق، وأسلوب جذاب أخَّاذ ولغة متميزة.

أهم آثاره


مثنوي

ترك جلال الدين الرومي عددًا من المصنفات الشهيرة منها:

المثنوي: وقد نظمه في ستة مجلدات ضخمة تشتمل على (25649) بيتًا من الشعر، وقد تُرجم إلى العربية، وطُبع عدة مرات، كما تُرجم إلى التركية وكثير من اللغات الغربية، وعليه شروح كثيرة، وهو كتاب ذو مكانة خاصة عند الصوفية.

ديوان "شمس تبريز":، ويشتمل على غزليات صوفية، وقد نظمه نظمًا التزم فيه ببحور العروض، وهو يحوي (36023) بيتًا بالإضافة إلى (1760) رباعية، ويشتمل أيضا على أشعار رومية وتركية، وهو ما يدل على أنه كان متعدد الثقافة، وأنه كان على صلة بعناصر غير إسلامية من سكان "قونية".

"فيه ما فيه":، وهو عبارة عن حشد لمجموعة ذكرياته على مجالس إخوانه في الطريقة، كما يشتمل على قصص ومواعظ وأمثال وطرائف وأخبار، وهو يخاطب عامة المثقفين على عكس كتابه الأول الذي يخاطب خاصة الصوفية.

"المجالس السبعة":، وهو يشتمل على سبع مواعظ دينية وخطب ألقاها أثناء اشتغاله بالتدريس.

وذلك بالإضافة إلى مجموعة رسائله، وفيها تلك الرسائل التي وجهها إلى شيخه "شمس الدين تبريزي"، وهي تصور تلك العلاقة الروحية السامية التي ربطت بين الشيخ "شمس الدين" وبين مريده "جلال الدين"، تلك الرابطة الوثيقة من الحب المتسامي الرفيع.

توفي "جلال الدين الرومي" في (5 من جمادى الآخرة 672 هـ = 17 من ديسمبر 1273م) عن عمر بلغ نحو سبعين عامًا، ودُفن في ضريحه المعروف في "قونية" في تلك التكية التي أنشأها لتكون بيتًا للصوفية، والتي تُعد من أجلِّ العمائر الإسلامية وأكثرها روعة وبهاء بنقوشها البديعة وزخارفها المتقنة، وثرياتها الثمينة، وطُرُزها الأنيقة.

وقد ظهر على الضريح بيت من الشعر يخاطب به "جلال الدين" زواره قائلا:

"بعد أزوفات تربت مادر زميني مجوى

درسينهاي مردم عارف مزارماست"

ومعناه:

يا من تبحث عن مرقدنا بعد شدِّ الرحال

قبرنا يا هذا في صدور العارفين من الرجال


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
 
~ سيرة كبار اعلام الصوفيه القدماء~
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه الطريقه القادريه الكباشيه  :: التصوف الاسلامي-
انتقل الى: