شبكه الطريقه القادريه الكباشيه
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

شبكه الطريقه القادريه الكباشيه

منتدي تعريف بسيره وكتب الشيخ إبراهيم الكباشي
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصوربحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
> منتدي الشيخ ابرهيم الكباشي توثيق لحياة مليئه بالعلم والتصوف والجهاد يحتوي علي كتبه واقواله وسيرته ومدائحه >"

شاطر | 
 

 كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 2:13 am


كتاب فتح الباري
لابن حجر العسقلاني
أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ


@الحديث:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
الشرح:
قوله: (أبواب صلاة الخوف) ثبت لفظ أبواب للمستملي وأبي الوقت.
وفي رواية الأصيلي وكريمة " باب " بالإفراد، وسقط للباقين.
*3*قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ
@إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
الشرح:
قوله: (وقول الله عز وجل) (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى قوله: (مهينا) في رواية كريمة، واقتصر في رواية الأصيلي على ما هنا وقال: إلى قوله: (عذابا مهينا) .
وأما أبو ذر فساق الأولى بتمامها ومن الثانية إلى قوله: (معك) ثم قال إلى قوله (عذابا مهينا) .
قال الزين بن المنير: ذكر صلاة الخوف أثر صلاة الجمعة لأنهما من جملة الخمس، لكن خرج كل منهما عن قياس حكم باقي الصلوات، ولما كان خروج الجمعة أخف قدمه تلو الصلوات الخمس، وعقبه بصلاة الخوف لكثرة المخالفة ولا سيما عند شدة الخوف، وساق الآيتين في هذه الترجمة مشيرا إلى أن خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات ثبت بالكتاب قولا وبالسنة فعلا.
انتهى ملخصا.
ولما كانت الآيتان قد اشتملتا على مشروعية القصر في صلاة الخوف وعلى كيفيتها ساقهما معا وآثر تخريج حديث ابن عمر لقوة شبه الكيفية التي ذكرها فيه بالآية.
ومعنى قوله تعالى (وإذا ضربتم) أي سافرتم، ومفهومه أن القصر مختص بالسفر وهو كذلك.
وأما قوله: (إن خفتم) فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضا، وقد سأل يعلى بن أمية الصحابي عمر بن الخطاب عن ذلك فذكر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنة، واختلف في صلاة الخوف في الحضر فمنعه ابن الماجشون أخذا بالمفهوم أيضا وأجازه الباقون.
وأما قوله: (وإذا كنت فيهم) فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية، وحكى عن المزني صاحب الشافعي، واحتج عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقوله صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي " فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم.
وقال ابن العربي وغيره: شرط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول.
ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم.
وقال الزين المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) وقال الطحاوي: كان أبو يوسف قد قال مرة: لا تصلي صلاة الخوف بعد رسول صلى الله عليه وسلم وزعم أن الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شجاع يعيبه ويقول: إن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعا إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره انتهى.
وسيأتي سبب النزول وبيان أول صلاة صليت في الخوف في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ
الشرح:
قوله: (عن الزهري سألته) القائل هو شعيب والمسئول هو الزهري وهو القائل " أخبرني سالم " أي ابن عبد الله بن عمر، ووقع بخط بعض من نسخ الحديث عن الزهري قال سألته فأثبت قال ظنا أنها حذفت خطأ على العادة، وهو محتمل، ويكون حذف فاعل قال، لا أن الزهري هو الذي قال: والمتجه حذفها وتكون الجملة حالية أي أخبرني الزهري حال سؤالي إياه.
وقد رواه النسائي من طريق بقية عن شعيب حدثني الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وأخرجه السراج عن محمد بن يحيى عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه فزاد فيه ولفظه " سألته هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف أم لا؟ وكيف صلاها إن كان صلاها؟ وفي أي مغازيه كان ذلك؟ " فأفاد بيان المسئول عنه وهو صلاة الخوف.
قوله: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة نجد، ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب، وسيأتي بيان هذه الغزوة في الكلام على غزوة ذات الرقاع من المغازي.
قوله: (فوازينا) بالزاي أي قابلنا، قال صاحب الصحاح: يقال آزيت، يعني بهمزة ممدودة لا بالواو.
والذي يظهر أن أصله الهمزة فقلبت واوا.
قوله: (فصاففناهم) في رواية المستملي والسرخسي " فصاففنا لهم " وقوله " فصلي لنا " أي لأجلنا أو بنا.
قوله: (ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل) أي فقاموا في مكانهم، وصرح به في رواية بقية المذكورة، ولمالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر " ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون " وسيأتي عند المصنف في التفسير.
قوله: (ركعة وسجد سجدتين) زاد عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري " مثل نصف صلاة الصبح " وفي قوله مثل نصف صلاة الصبح إشارة إلى أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح، فعلى هذا فهي رباعية، وسيأتي في المغازي ما يدل على أنها كانت العصر، وفيه دليل على أن الركعة المقضية لا بد فيها من القراءة لكل من الطائفتين خلافا لمن أجاز للثانية ترك القراءة.
قوله: (فقام كل واحد منهم فركع لنفسه) لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده.
ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه " ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا " ا ه.
وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب والأوزاعي، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد، واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد.
ويحرس واحد ثم يصلي الآخر، وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقا، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: (أسلحتهم) ذكره النووي في شرح مسلم وغيره، واستدل به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها، ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، وقد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد لموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه، وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل ابن أبي حثمة الآتي في المغازي، وكذا رجحه الشافعي، ولم يختر إسحاق شيئا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في صحيحه وزاد تاسعا.
وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجها، وبينها في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في " القبس ": جاء فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم يبينها.
وقال النووي نحوه في شرح مسلم ولم يبينها أيضا، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي وزاد وجها آخر فصارت سبعة عشر وجها، لكن يمكن أن تتداخل.
قال صاحب الهدى: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من اختلاف الرواة ا ه.
وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: يمكن تداخلها.
وحكى ابن القصار المالكي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها عشر مرات.
وقال ابن العربي: صلاها أربعا وعشرين مرة.
وقال الخطابي: صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى ا ه.
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة وفروع لا يتحمل هذا الشرح بسطها والله المستعان.
*3*باب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ قَائِمٌ
@الشرح:
قوله: (باب صلاة الخوف رجالا وركبانا) قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلي على أي وجه حصلت القدرة عليه بدليل الآية.
قوله: (راجل: قائم) يريد أن قوله " رجالا " جمع راجل والمراد به هنا القائم، ويطلق على الماشي أيضا وهو المراد في سورة الحج بقوله تعالى (يأتوك رجالا) أي مشاة، وفي تفسير الطبري بسند صحيح عن مجاهد (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا.
@الحديث:
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا
الشرح:
قوله: (عن نافع عن ابن عمر نحوا من قول مجاهد إذا اختلطوا قياما، وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا ") هكذا أورده البخاري مختصرا وأحال على قول مجاهد، ولم يذكره هنا ولا في موضع آخر من كتابه، فأشكل الأمر فيه فقال الكرماني: معناه أن نافعا روى عن ابن عمر نحوا مما روى مجاهد عن ابن عمر، المروي المشترك بينهما هو ما إذا اختلطوا قياما، وزيادة نافع على مجاهد قوله " وإن كانوا أكثر من ذلك الخ " قال: ومفهوم كلام ابن بطال أن ابن عمر قال مثل قول مجاهد، وأن قولهما مثلا في الصورتين، أي في الاختلاط وفي الأكثرية، وأن الذي زاد هو ابن عمر لا نافع ا ه.
وما نسبه لابن بطال بين في كلامه إلا المثلية في الأكثرية فهي مختصة بابن عمر وكلام ابن بطال هو الصواب وإن كان لم يذكر دليله.
والحاصل أنهما حديثان: مرفوع وموقوف، فالمرفوع من رواية ابن عمر وقد يروى كله أو بعضه موقوفا عليه أيضا، والموقوف من قول مجاهد لم يروه عن ابن عمر ولا غيره، ولم أعرف من أين وقع للكرماني أن مجاهدا روى هذا الحديث عن ابن عمر فإنه لا وجود لذلك في شيء من الطرق، وقد رواه الطبري عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري فيه بإسناده المذكور عن ابن عمر قال " إذا اختلطوا " يعني في القتال " فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قياما وركبانا " هكذا اقتصر على حديث ابن عمر، وأخرجه الإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن سعيد المذكور مثل ما ساقه البخاري سواء، وزاد بعد قوله " اختلطوا: فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " ا ه.
وتبين من هذا أن قوله في البخاري " قياما " الأولى تصحيف من قوله " فإنما " وقد ساقه الإسماعيلي من طريق أخرى بين لفظ مجاهد وبين فيها الواسطة بين ابن جريج وبينه، فأخرجه من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال " إذا اختلطوا فإنما هو الإشارة بالرأس " قال ابن جريج " حدثني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر بمثل قول مجاهد إذا اختلطوا فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " وزاد عن النبي صلى الله عليه وسلم " فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم " فتبين من هذا سبب التعبير بقوله " نحو قول مجاهد " لأن بين لفظه وبين لفظ ابن عمر مغايرة، وتبين أيضا أن مجاهدا إنما قاله برأيه لا من روايته عن ابن عمر والله أعلم.
وقد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق سفيان الثوري عن موسى بن عقبة فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم وقال في آخره " قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصل راكبا أو قائما يومئ إيماء " ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفا لكن قال في آخره " وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم " فاقتضى ذلك رفعه كله.
وروى مالك في الموطأ عن نافع كذلك لكن قال في آخره " قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم " وزاد في آخره " مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها".
وقد أخرجه المصنف من هذا الوجه في تفسير سورة البقرة، ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا كله بغير شك أخرجه ابن ماجه ولفظه " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف: أن يكون الإمام يصلي بطائفة " فذكر نحو سياق سالم عن أبيه وقال في آخره " فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا " وإسناده جيد.
والحاصل أنه اختلف في قوله " فإن كان خوف أشد من ذلك " هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح رفعه، والله أعلم.
قوله: (وإن كانوا أكثر من ذلك) أي إن كان العدو، والمعنى أن الخوف إذا اشتد والعدو إذا كثر فخيف من الانقسام لذلك جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان، فينتقل عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع والسجود إلى الإيماء إلى غير ذلك، وبهذا قال الجمهور، ولكن قال المالكية: لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت، وسيأتي مذهب الأوزاعي في ذلك بعد باب.
(تنبيه) : ابن جريج سمع الكثير من نافع، وقد أدخل في هذا الحديث بينه وبين نافع موسى بن عقبة، ففي هذا التقوية لمن قال إنه أثبت الناس في نافع، ولابن جريج فيه إسناد آخر أخرجه عبد الرزاق عنه عن الزهري عن سالم عن أبيه.
*3*باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ
@الشرح:
قوله: (باب يحرس بعضهم بعضا في الخوف) قال ابن بطال: محل هذه الصورة إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يفترقون والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر.
وقال الطحاوي: ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى) إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه صلى الله عليه وسلم.
ثم بين كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
الشرح:
قوله: (عن الزبيدي) في رواية الإسماعيلي " حدثنا الزبيدي " ولم أره من حديثه إلا من رواية محمد ابن حرب عنه، وافقه عليه النعمان بن راشد عن الزهري أخرجه البزار وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا النعمان، ولا عنه إلا وهيب يعني ابن خالد ا ه.
ورواية الزبيدي ترد عليه.
قوله: (وركع ناس منهم) زاد الكشميهني " معه".
قوله: (ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا معه) في رواية النسائي والإسماعيلي " ثم قام إلى الركعة الثانية فتأخر الذين سجدوا معه".
قوله: (فركعوا وسجدوا) في روايتهما أيضا " فركعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم".
قوله: (في صلاة) زاد الإسماعيلي " يكبرون " ولم يقع في رواية الزهري هذه هل أكملوا الركعة الثانية أم لا، وقد رواه النسائي من طريق أبي بكر بن أبي الجهم من شيخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فزاد في آخره " ولم يقضوا " وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة.
وفي الباب عن حذيفة وعن زيد ابن ثابت عند أبي داود والنسائي وابن حبان، وعن جابر عند النسائي، ويشهد له ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق والثوري ومن تبعهما.
وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف، وسيأتي عن بعضهم في شدة الخوف أسهل من ذلك.
وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا رواية مجاهد هذه على أن المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية.
وقالوا: يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق " لم يقضوا " أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن والله أعلم.
(فائدة) : لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، واختلفوا هل الأولى أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس.
*3*باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ
@وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
الشرح:
قوله: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون) أي عند إمكان فتحها، وغلبة الظن على القدرة على ذلك.
قوله: (ولقاء العدو) وهو من عطف الأعم على الأخص، قال الزين بن المنير: كأن المصنف خص هذه الصورة لاجتماع الرجاء والخوف في تلك الحالة، فإن الخوف يقتضي مشروعية صلاة الخوف والرجاء بحصول الظفر يقتضي اغتفار التأخير لأجل استكمال مصلحة الفتح، فلهذا خالف الحكم في هذه الصورة الحكم في غيرها عند من قال به.
قوله: (وقال الأوزاعي الخ) كذا ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير.
قوله: (إن كان تهيأ الفتح) أي تمكن.
وفي رواية القابسي " إن كان بها الفتح " بموحدة وهاء الضمير وهو تصحيف.
قوله: (فإن لم يقدروا على الإيماء) قيل: فيه إشكال لأن العجز عن الإيماء لا يتعذر مع حصول العقل، إلا أن تقع دهشة فيعزب استحضاره ذلك، وتعقب.
قال ابن رشيد: من باشر الحرب واشتغال القلب والجوارح إذا اشتغلت عرف كيف يتعذر الإيماء، وأشار ابن بطال إلى أن عدم القدرة على ذلك يتصور بالعجز عن الوضوء أو التيمم للاشتغال بالقتال، ويحتمل أن الأوزاعي كان يرى استقبال القبلة شرطا في الإيماء فيتصور العجز عن الإيماء إليها حينئذ.
قوله: (فلا يجزيهم التكبير) فيه إشارة إلى خلاف من قال يجزئ كالثوري، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري في آخرين قالوا " إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة فقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فتلك صلاتهم بلا إعادة " وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد والمسابقة يجزئ أن تكون صلاة الرجل تكبيرا، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أين كان وجهه.
وقال إسحاق بن راهويه: يجزئ عند المسابقة ركعة واحدة يومئ بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة.
قوله: (وبه قال مكحول) قال الكرماني: يحتمل أن يكون بقية من كلام الأوزاعي، ويحتمل أن يكون من تعليق البخاري.
انتهى.
وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من غير طريق الأوزاعي بلفظ " إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض".
(تنبيه) : ذكر ابن رشيد أن سياق البخاري لكلام الأوزاعي مشوش، وذلك أنه جعل الإيماء مشروطا بتعذر القدرة، والتأخير مشروطا بتعذر الإيماء، وجعل غاية التأخير انكشاف القتال، ثم قال " أو يأمنوا فيصلوا ركعتين " فجعل الأمن قسيم الانكشاف يحصل الأمن فكيف يكون قسيمه؟ وأجاب الكرماني عن هذا بأن الانكشاف قد يحصل ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، كما أن الأمن يحصل بزيادة القوة واتصال المدد بغير انكشاف، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين.
وأما قوله " فإن لم يقدروا " فمعناه على صلاة ركعتين بالفعل أو بالإيماء " فواحدة " وهذا يؤخذ من كلامه الأول قال " فإن لم يقدروا عليها أخروا " أي حتى يحصل الأمن التام.
والله أعلم.
قوله: (وقال أنس) وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه، وذكره " خليفة في تاريخه " وعمر بن شبة في " أخبار البصرة " من وجهين آخرين عن قتادة، ولفظ عمر " سأل قتادة عن الصلاة إذا حضر القتال فقال: حدثني أنس بن مالك أنهم فتحوا تستر وهو يومئذ على مقدمة الناس وعبد الله بن قيس - يعني أبا موسى الأشعري - أميرهم".
قوله: (تستر) بضم المثناة الفوقانية وسكون المهملة وفتح المثناة أيضا بلد معروف من بلاد الأهواز، وذكر خليفة أن فتحها كان في سنة عشرين في خلافة عمر، وسيأتي الإشارة إلى كيفيته في أواخر الجهاد إن شاء الله تعالى.
قوله: (اشتعال القتال) بالعين المهملة.
قوله: (فلم يقدروا على الصلاة) يحتمل أن يكون للعجز عن النزول، ويحتمل أن يكون للعجر عن الإيماء أيضا، فيوافق ما تقدم عن الأوزاعي، وجزم الأصيلي بأن سببه أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلا من شدة القتال.
قوله: (إلا بعد ارتفاع النهار) في رواية عمر بن شبة " حتى انتصف النهار".
قوله: (ما يسرني بتلك الصلاة) أي بدل تلك الصلاة.
وفي رواية الكشميهني " من تلك الصلاة".
قوله: (الدنيا وما فيها) في رواية خليفة: الدنيا كلها، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا أن مراده الاغتباط بما وقع، فالمراد بالصلاة على هذا هي المقضية التي وقعت، ووجه اغتباطه كونهم لم يشتغلوا عن العبادة إلا بعبادة أهم منها عندهم، ثم تداركوا ما فاتهم منها فقضوه، وهو كقول أبي بكر الصديق " لو طلعت لم تجدنا غافلين " وقيل: مراد أنس الأسف على التفويت الذي وقع لهم، والمراد بالصلاة على هذه الفائتة ومعناه: لو كانت في وقتها كانت أحب إلي فالله أعلم، وممن جزم بهذا الزين بن المنير فقال: إيثار أنس الصلاة على الدنيا وما فيها يشعر بمخالفته لأبي موسى في اجتهاده المذكور، وأن أنسا كان يرى أن يصلي للوقت وإن فات الفتح، وقوله هذا موافق لحديث " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " انتهى، وكأنه أراد الموافقة في اللفظ، وإلا فقصة أنس في المفروضة والحديث في النافلة، ويخدش فيما ذكره عن أنس من مخالفة اجتهاد أبي موسى أنه لو كان كذلك لصلى أنس وحده ولو بالإيماء، لكنه وافق أبا موسى ومن معه فكيف يعد مخالفا؟ والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا
الشرح:
قوله: (حدثنا يحيى حدثنا وكيع) كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية أبي ذر في نسخة " يحيى ابن موسى " وفي أخرى " يحيى بن جعفر " وهذا المعتمد، وهي نسخة صحيحة بعلامة المستملي، وفي بعض النسخ " يحيى بن موسى بن جعفر " وهو غلط ولعله كان فيه يحيى بن موسى وفي الحاشية ابن جعفر على أنها نسخة فجمع بينهما بعض من نسخ الكتاب، واسم جد يحيى بن موسى عبد ربه بن سالم وهو الملقب خت بفتح المعجمة بعدها مثناة فوقانية ثقيلة، واسم جد يحيى بن جعفر أعين وكلاهما من شيوخ البخاري وكلاهما من أصحاب وكيع.
قوله: (عن جابر) تقدم الكلام على حديثه في أواخر المواقيت، ونقل الاختلاف في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق هل كان نسيانا أو عمدا، وعلى الثاني هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة أو قبل نزول آية الخوف؟ وإلى الأول وهو الشغل جنح البخاري في هذا الموضع ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة، ولا يرده ما تقدم من ترجيح كون آية الخوف نزلت قبل الخندق لأن وجهه أنه أقر على ذلك، وآية الخوف التي في البقرة لا تخالفه لأن التأخير مشروط بعدم القدرة على الصلاة مطلقا، وإلى الثاني جنح المالكية والحنابلة لأن الصلاة لا تبطل عندهم بالشغل الكثير في الحرب إذا احتيج إليه، وإلى الثالث جنح الشافعية كما تقدم في الموضع المذكور، وعكس بعضهم فادعى أن تأخيره صلى الله عليه وسلم للصلاة يوم الخندق دال على نسخ صلاة الخوف، قال ابن القصار: وهو قول من لا يعرف السنن، لأن صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق فكيف ينسخ الأول الآخر؟ فالله المستعان.
*3*باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً
@وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ
الشرح:
قوله: (باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء) كذا للأكثر.
وفي رواية الحموي من الطريقين، إليه " وقائما " قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماء، وإن كان طالبا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع من أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب طاهرة لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو.
وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي، فإنه قيده بخوف الفوت ولم يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وذكر أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " له عن الأوزاعي قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال، لأن الحديث جاء " إن النصر لا يرفع ما دام الطلب".
قوله: (وقال الوليد) كذا ذكره في " كتاب السير " ورواه الطبري وابن عبد البر من وجه آخر عن الأوزاعي قال " قال شرحبيل بن السمط لأصحابه: لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الأشتر يعني النخعي فصلى على الأرض، فقال شرحبيل: مخالف خالف الله به " وأخرجه ابن أبي شيبة.
من طريق رجاء بن حيوة قال " كان ثابت بن السمط في خوف، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانا، فنزل الأشتر - يعني النخعي - فقال: مخالف خولف به " فلعل ثابتا كان مع أخيه شرحبيل في ذلك الوجه، وشرحبيل المذكور بضم المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة ثم ياء تحتانية ساكنة كندي هو الذي افتتح حمص ثم ولي إمرتها، وقد اختلف في صحبته، وليس له في البخاري غير هذا الموضع.
قوله: (إذا تخوف الفوت) زاد المستملي " في الوقت".
قوله: (واحتج الوليد) معناه أن الوليد قوي مذهب الأوزاعي في مسألة الطالب بهذه القصة، قال ابن بطال: لو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانا لكان بينا في الاستدلال، فإن لم يوجد ذلك فذكر ما حاصله أن وجه الاستدلال يكون بالقياس فكما ساغ لأولئك أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المفترض كذلك يسوغ للطالب ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء.
قال ابن المنير: والأبين عندي أن وجه الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضي ترك الصلاة أصلا كما جرى لبعضهم، أو الصلاة على الدواب كما وقع للآخرين، لأن النزول ينافي مقصود الجد في الوصول، فالأولون بنوا على أن النزول معصية لمعارضته للأمر الخاص بالإسراع، وكأن تأخيرهم لها لوجود المعارض، والآخرون جمعوا بين دليلي وجوب الإسراع ووجوب الصلاة في وقتها فصلوا ركبانا، فلو فرضنا أنهم نزلوا لكان ذلك مضادا للأمر بالإسراع، وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة.
انتهى.
وهذا الذي حاوله ابن المنير قد أشار إليه ابن بطال بقوله: لو وجد في بعض طرق الحديث الخ، فلم يستحسن الجزم في النقل بالاحتمال.
وأما قوله: لا يظن بهم المخالفة، فمعترض بمثله بأن يقال لا يظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة بغير توقيف، والأولى في هذا ما قاله ابن المرابط ووافقه الزين بن المنير أن وجه الاستدلال منه بطريق الأولوية، لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم يعنفوا مع كونهم فوتوا الوقت، فصلاة من لا يفوت الوقت بالإيماء - أو كيف ما يمكن - أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ
الشرح:
قوله: (حدثنا جويرية) هو بالجيم تصغير جارية، وهو عم عبد الله الراوي عنه.
قوله: (لا يصلين أحد العصر) في رواية مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ البخاري في هذا الحديث " الظهر " وسيأتي بيان الصواب من ذلك في كتاب المغازي مع بقية الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
(فائدة) : أخرج أبو داود في صلاة الطالب حديث عبيد الله بن أنيس إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى سفيان الهذلي قال " فرأيته وحضرت العصر فخشيت فوتها فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء " وإسناده حسن.
*3*باب التَّكْبِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ
@الشرح:
قوله: (باب التكبير) كذا للأكثر، وللكشميهني من الطريقين " التبكير " بتقديم الموحدة وهو أوجه.
قوله: (والصلاة عند الإغارة) بكسر الهمزة بعدها معجمة، وهي متعلقة بالصلاة وبالتكبير أيضا.
أورد فيه حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس ثم ركب، وقد تقدم في أوائل الصلاة في " باب ما يذكر في الفخذ " من طريق أخرى عن أنس وأوله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلى عندها صلاة الغداة " الحديث بطوله، وهو أتم سياقا مما هنا، وقوله "ويقولون: محمد والخميس " فيه حمل لرواية عبد العزيز بن صهيب على رواية ثابت، فقد تقدم في الباب المذكور أن عبد العزيز لم يسمع من أنس قوله " والخميس " وأنها في رواية ثابت عند مسلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مَا أَمْهَرَهَا قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا فَتَبَسَّمَ
الشرح:
قوله: (فصارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم) ظاهره أنها صارت لهما معا، وليس كذلك بل صارت لدحية أولا ثم صارت بعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم إيضاحه في الباب المذكور، وسيأتي بقية الكلام عليه في المغازي وفي النكاح إن شاء الله تعالى.
ووجه دخول هذه الترجمة في أبواب صلاة الخوف للإشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت كما شرطه من شرطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، أشار إلى ذلك الزين بن المنير.
ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعين المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو.
وأما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول، وعند كل حادث سرور، شكرا لله تعالى وتبرئة له من كل ما نسب إليه أعداؤه ولا سيما اليهود قبحهم الله تعالى.
(خاتمة) : اشتملت أبواب صلاة الخوف على ستة أحاديث مرفوعة موصولة، تكرر منها فيما مضى حديثان والأربعة خالصة وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث ابن عباس.
وفيها من الآثار عن الصحابة والتابعين ستة آثار، منها واحد موصول وهو أثر مجاهد، والله أعلم.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 2:33 am


*2*كِتَاب الْأَذَانِ


@بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الشرح:

(كتاب أبواب الأذان) الأذان لغة الإعلام، قال الله تعالى (وأذان من الله ورسوله) .

واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو الاستماع.

وشرعا الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.

قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدا.

ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام.

والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، واختلف أيما أفضل الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه.

واختلف أيضا في الجمع بينهما فقيل يكره، وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعا النهي عن ذلك لكن سنده ضعيف، وصح عن عمر " لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت " رواه سعيد بن منصور وغيره.

وقيل هو خلاف الأولى، وقيل يستحب وصححه النووي.

*3*باب بَدْءُ الْأَذَانِ

@وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ وَقَوْلُهُ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

الشرح:

قوله: (باب بدء الأذان) أي ابتدائه.

وسقط لفظ " باب " من رواية أبي ذر، وكذلك سقطت البسملة من رواية القابسي وغيره.

قوله: (وقول الله عز وجل وإذا ناديتم إلى الصلاة) الآية) يشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت يا محمد شيئا لم يكن فيما مضى، فنزلت (وإذا ناديتم إلى الصلاة) الآية.

قوله: (وقوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) يشير بذلك أيضا إلى الابتداء، لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة كما سيأتي في بابه.

واختلف في السنة التي فرض فيها: فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى، وقيل بل كان في السنة الثانية، وروي عن ابن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية.

أخرجه أبو الشيخ.

(تنبيه) : الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى واللام أن صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الانتهاء وفي الثانية معنى الاختصاص قاله الكرماني.

ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى أو العكس والله أعلم.

وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقا.

وقوله في آخره " يا بلال قم فناد بالصلاة " كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، وسياق حديثه يدل على ذلك كما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال حدثني عبد الله بن زيد، فذكر نحو حديث ابن عمر، وفي آخره " فبينما هم على ذلك أري عبد الله النداء " فذكر الرؤيا وفيها صفة الأذان لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير وإفراد الإقامة وتثنية " قد قامت الصلاة " وفي آخره قوله صلى الله عليه وسلم "إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، فقم مع بلال فألقها عليه فإنه أندى صوتا منك " وفيه مجيء عمر وقوله إنه رأى مثل ذلك، وقد أخرج الترمذي في ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد مع حديث عبد الله بن عمر، وإنما لم يخرجه البخاري لأنه على غير شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خزيمة عن الذهلي أنه ليس في طرقه أصح من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلا - ومنهم من وصله عن سعيد - عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادا.

ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضا رأى الأذان، ووقع في الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا، وعبارة الجيلي في شرح التنبيه أربعة عشر رجلا، وأنكره ابن الصلاح ثم النووي، ونقل مغلطاي أن في بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند واه قال: أول من أذن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء بلال فقال له: سبقك بهـا عمر.

(فائدتان) الأولى: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه الأذان فنزل به فعلمه بلالا.

وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك.

وللدار قطني في " الأطراف " صلى الله عليه وسلم من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة، وإسناده ضعيف أيضا.

ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعا: لما أسري بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت، وفيه من لا يعرف.

وللبزار وغيره من حديث علي قال: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها.

فذكر الحديث وفيه: إذ خرج ملك من وراء الحجاب فقال: الله أكبر، الله أكبر، وفي آخره: ثم أخذ الملك بيده فأم بأهل السماء.

وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود وهو متروك أيضا.

ويمكن على تقدير الصحة أن يحمل على تعدد الإسراء فيكون ذلك وقع بالمدينة.

وأما قول القرطبي: لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر لقوله في أوله: لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان، وكذا قول المحب الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام ففيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه.

والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث.

وقد جزم ابن المنذر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد.

انتهى.

وقد حاول السهيلي صلى الله عليه وسلم الجمع بينهما فتكلف وتعسف، والأخذ بما صح أولى، فقال بانيا على صحة صلى الله عليه وسلم الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه فوق سبع سموات وهو أقوى من الوحي، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد إعلامهم بالوقت فرأى الصحابي المنام فقصها فوافقت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم سمعه فقال " إنها لرؤيا حق " وعلم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، وتقوى ذلك بموافقة عمر لأن السكينة تنطق على لسانه، والحكمة أيضا في إعلام الناس به على غير لسانه صلى الله عليه وسلم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفحم لشأنه.

انتهى ملخصا.

والثاني: حسن بديع، ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها.

لكن قد يقال: فلم لا اقتصر على عمر؟ فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة، وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى لكنها مؤوله فإن لفظها " سبقك بها بلال " فيحمل المراد بالسبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد.

ومما كثر السؤال عنه هل باشر النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه؟ وقد وقع عند السهيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم أخرجه الترمذي من طريق تدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة ا ه.

وليس هو من حديث أبي هريرة وإنما هو من حديث يعلى بن مرة، وكذا جزم النووي بأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن مرة في السفر وعزاه للترمذي وقواه، ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي ولفظه " فأمر بلالا فأذن " فعرف أن في رواية الترمذي اختصارا وأن معنى قوله " أذن " أمر بلالا به كما يقال أعطى الخليفة العالم الفلاني ألفا، وإنما باشر العطاء غيره ونسب للخليفة لكونه آمرا به.

ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول عن عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم (وأذن في الناس بالحج) الآية.

قال: فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة.

(الفائدة الثانية) : قال الزين بن المنير: أعرض البخاري عن التصريح بحكم الأذان لعدم إفصاح الآثار الواردة فيه عن حكم معين، فأثبت مشروعيته وسلم من الاعتراض.

وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الاختلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره ولم ينقل أنه تركه ولا أمر بتركه ولا رخص في تركه كان ذلك بالواجبات أشبه.

انتهى.

وسيأتي بقية الكلام على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

@الحديث:

حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ

الشرح:

قوله: (حدثنا عبد الوارث) هو ابن سعيد، وخالد هو الحذاء كما ثبت في رواية كريمة، والإسناد كله بصريون.

قوله: (ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى) كذا ساقه عبد الوارث مختصرا، ورواية عبد الوهاب الآتية في الباب الذي بعده أوضح قليلا حيث قال " لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا " وأوضح من ذلك رواية روح بن عطاء عن خالد عند أبي الشيخ ولفظه " فقالوا لو اتخذنا ناقوسا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك للنصارى.

فقالوا: لو اتخذنا بوقا، فقال: ذاك لليهود.

فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: ذاك للمجوس " فعلى هذا ففي رواية عبد الوارث اختصار كأنه كان فيه: ذكروا النار والناقوس والبوق فذكروا اليهود والنصارى والمجوس واللف والنشر فيه معكوس، فالنار للمجوس والناقوس للنصارى والبوق لليهود.

وسيأتي في حديث ابن عمر التنصيص على أن البوق لليهود.

وقال الكرماني: يحتمل أن تكون النار والبوق جميعا لليهود جمعا بين حديثي أنس وابن عمر.

انتهى.

ورواية روح تغني عن هذا الاحتمال.

قوله: (فأمر بلال) هكذا في معظم الروايات على البناء للمفعول، وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محققي الطائفتين أنها تقتضيه، لأن الظاهر أن المراد بالأمر من له الأمر الشرعي الذي يلزم اتباعه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك هنا من حيث المعنى أن التقرير في العبادة إنما يؤخذ عن توقيف فيقوى جانب الرفع جدا.

وقد وقع في رواية روح بن عطاء المذكورة " فأمر بلالا " بالنصب وفاعل أمر هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بين في سياقه.

وأصرح من ذلك رواية النسائي وغيره عن قتيبة عن عبد الوهاب بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا " قال الحاكم: صرح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة.

قلت: ولم ينفرد به، فقد أخرجه أبو عوانة من طريق مروان المروزي عن قتيبة ويحيى بن معين كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى عند الدار قطني أيضا، ولم ينفرد به عبد الوهاب.

وقد رواه البلاذري من طريق ابن شهاب الحناط عن أبي قلابة: وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النداء إلى الصلاة ظاهر في أن الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره كما استدل به ابن المنذر وابن حبان، واستدل بورود الأمر به من قال بوجوب الأذان.

وتعقب بأن الأمر إذا ورد بصفة الأذان لا بنفسه، وأجيب بأنه إذا ثبت الأمر بالصفة لزم أن يكون الأصل مأمورا به، قاله ابن دقيق العيد.

وممن قال بوجوبه مطلقا الأوزاعي وداود وابن المنذر وهو ظاهر قول مالك في الموطأ وحكى عن محمد بن الحسن، وقيل واجب في الجمعة فقط وقيل فرض كفاية، والجمهور على أنه من السنن المؤكدة، وقد تقدم ذكر منشأ الخلاف في ذلك، وأخطأ من استدل على عدم وجوبه بالإجماع لما ذكرناه والله أعلم.

@الحديث:

حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ

الشرح:

قوله: (إن ابن عمر كان يقول) في رواية مسلم " عن عبد الله بن عمر أنه قال".

قوله: (حين قدموا المدينة) أي من مكة في الهجرة.

قوله: (فيتحينون) بحاء مهملة بعدها مثناة تحتانية ثم نون، أي يقدرون أحيانها ليأتوا إليها، والحين الوقت والزمان.

قوله: (ليس ينادى لها) بفتح الدال على البناء للمفعول، قال ابن مالك: فيه جواز استعمال ليس حرفا لا اسم لها ولا خبر، وقد أشار إليه سيبويه.

ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبر.

قلت: ورواية مسلم تؤيد ذلك، فإن لفظه " ليس ينادى بها أحد".

قوله: (فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم اتخذوا) لم يقع لي تعين المتكلمين في ذلك، واختصر الجواب في هذه الرواية، ووقع لابن ماجه من وجه آخر عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يجمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود.

ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى " وقد تقدمت رواية روح بن عطاء نحوه.

وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشيخ وعند أبي عمير بن أنس عن عمومته عن سعيد بن منصور.

قوله: (بل بوقا) أي بل اتخذوا بوقا، ووقع في بعض النسخ " بل قرنا " وهي رواية مسلم والنسائي.

والبوق والقرن معروفان، والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضا " الشبور " بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة.

قوله: (فقال عمر أو لا) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر كما في نظائره.

قال الطيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى، أي المقدرة وتقرير للجملة الثانية.

قوله: (رجلا) زاد الكشميهني " منكم".

قوله: (ينادى) قال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم بادر عمر فقال: أولا تبعثون رجلا ينادي - أي يؤذن - للرؤيا المذكورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قم يا بلال " فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه فصدقه فقال عمر.

قلت: وسياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لما قص رؤياه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ألقها على بلال فليؤذن بها، قال فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدل على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه.

والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك والله أعلم.

وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار.

قالوا: " اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقال: انصب راية عند حضور وقت الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا، فلم يعجبه " الحديث.

وفيه " ذكروا القنع - بضم القاف وسكون النون يعني البوق - وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم فأري الأذان، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما ثم أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما منعك أن تخبرنا؟ قال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله " ترجم له أبو داود " بدء الأذان " وقال أبو عمر بن عبد البر: روى قصة عبد الله ابن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة وهي من وجوه حسان وهذا أحسنها.

قلت: وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لما قص منامه فسمع عمر الأذان فجاء فقال قد رأيت، لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بل متراخيا عنه لقوله " ما منعك أن تخبرنا " أي عقب إخبار عبد الله فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرا عند قص عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذكر بها " فسمع عمر الصوت فخرج فقال " فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرا عند قص عبد الله، والله أعلم.

قوله: (فناد بالصلاة) في رواية الإسماعيلي " فأذن بالصلاة " قال عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع.

وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فحمل قوله " أذن " على الأذان المشروع، وطعن في صحة حديث ابن عمر وقال: عجبا لأبي عيسى كيف صححه.

والمعروف أن شرع الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد.

انتهى.

ولا تدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدمناه، وقد قال ابن مندة في حديث ابن عمر: إنه مجمع على صحته.

قوله: (يا بلال قم) قال عياض وغيره: فيه حجة لشرع الأذان قائما.

قلت: وكذا احتج ابن خزيمة وابن المنذر، وتعقبه النووي بأن المراد بقوله " قم " أي اذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان.

انتهى.

وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح.

ونقل عياض أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعدا لا يجوز، إلا أبا ثور ووافقه أبو الفرج المالكي.

وتعقب بأن الخلاف معروف عند الشافعية، وبأن المشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعدا صح، والصواب ما قال ابن المنذر أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة.

(فائدة) : كان اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة قوله " الصلاة جامعة " أخرجه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب.

وظن بعضهم أن بلالا حينئذ إنما أمر بالأذان المعهود فذكر مناسبة اختصاص بلال بذاك دون غيره لكونه كان لما عذب ليرجع عن الإسلام فيقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه، وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال بالأذان، إلا أن هذا الموضع ليس هو محلها.

وفي حديث ابن عمر دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون الاقتصار على الظواهر.

قاله ابن العربي، وعلى مراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة فتفوتهم أشغالهم، أو التأخير فيفوتهم وقت الصلاة، نظروا في ذلك.

وفيه مشروعية التشاور في الأمور المهمة وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده، وفيه منقبة ظاهرة لعمر.

وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بمقتضاها لينظر أيقر على ذلك أم لا، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأحكام وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " سبقك بذلك الوحي " وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام، وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على لسان غير النبي صلى الله عليه وسلم التنويه بعلو قدره على لسان غيره ليكون أفخم لشأنه، والله أعلم.

*3*باب الْأَذَانُ مَثْنَى مَثْنَى

@الشرح:

قوله: (باب الأذان مثنى) في رواية الكشميهني " مثنى مثنى " أي مرتين مرتين، ومثنى معدول عن اثنين اثنين وهو بغير تنوين، فتحمل رواية الكشميهني على التوكيد لأن الأول يفيد تثنية كل لفظ من ألفاظ الأذان والثاني يؤكد ذلك.

(فائدة) : ثبت لفظ هذه الترجمة في حديث لابن عمر مرفوع أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال فيه " مثنى مثنى " وهو عند أبي داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وغيره من هذا الوجه لكن بلفظ " مرتين مرتين".

@الحديث:

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ إِلَّا الْإِقَامَةَ

الشرح:

قوله: (عن سماك بن عطية) هو بصري ثقة، روى عن أيوب وهو من أقرانه، وقد روى حماد بن زيد عنهما جميعا وقال: مات سماك قبل أيوب، ورجال إسناده كلهم بصريون.

قوله: (أن يشفع) بفتح أوله وفتح الفاء أي يأتي بألفاظه شفعا.

قال الزبن بن المنير: وصف الأذان بأنه شفع يفسره قوله " مثنى مثنى " أي مرتين مرتين وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة فيحمل قوله " مثنى " على ما سواها، وكأنه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوله، لكن لمن قال بالتربيع أن يدعي نظير ما ادعاه لثبوت الخبر بذلك، وسيأتي في الإقامة توجيه يقتضي أن القائل به لا يحتاج إلى دعوى التخصيص.

قوله: (وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة) المراد بالمنفي غير المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفي خصوص قوله " قد قامت الصلاة " كما سيأتي ذلك صريحا.

وحصل من ذلك جناس تام.

(تنبيه) : ادعى ابن مندة أن قوله " إلا الإقامة " من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل ابن إبراهيم، وأشار إلى أن في رواية سماك بن عطية هذه إدراجا، وكذا قال أبو محمد الأصيلي: قوله " إلا الإقامة " هو من قول أيوب وليس من الحديث.

وفيما قالاه نظر، لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلا بالخبر مفسرا ولفظه " كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة، إلا قوله قد قامت الصلاة " وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده وكذا هو في مصنف عبد الرزاق، وللإسماعيلي من هذا الوجه " ويقول قد قامت الصلاة مرتين " والأصل أن ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل لأنه إنما يتحصل منها أن خالدا كان لا يذكر الزيادة وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس، فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتقبل، والله أعلم.

وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة، وأجاب بعض الشافعية بأن التثنية في تكبيرة الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد، قال النووي: ولهذا يستحب أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد.

قلت: وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره.

وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويظهر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوله على من قال بتثنيته، مع أن لفظ " الشفع " يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام ابن بطال.

وأما الترجيح في التشهدين فالأصح في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين ثم بالرسالة ثنتين ثم يرجع فيشهد كذلك، فهو وإن كان في العدد مربعا فهو في الصورة مثنى والله أعلم.

@الحديث:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ قَالَ ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ

الشرح:

قوله: (حدثني محمد وهو ابن سلام) كذا في رواية أبي ذر وأهمله الباقون.

قوله: (حدثني عبد الوهاب الثقفي) في رواية كريمة أخبرنا.

وفي رواية الأصيلي حدثنا وليس في رواية كريمة " الثقفي".

قوله: (حدثنا خالد) كذا لأبي ذر والأصيلي، ولغيرهما أخبرنا.

قوله: (قال لما كثر الناس، قال ذكروا) " قال " الثانية زائدة، ذكرت تأكيدا.

قوله: (أن يعلموا) بضم أوله من الإعلام.

وفي رواية كريمة بفتح أوله من العلم.

قوله: (أن يوروا نارا) أي يوقدوها، يقال ورى الزند إذا خرجت ناره، وأوريته إذا أخرجته.

ووقع في رواية مسلم " أن ينوروا نارا " أي يظهروا نورها، والناقوس خشبة تضرب بخشبة أصغر منها فيخرج منها صوت وهو من شعار النصارى.

قوله: (وأن يوتر الإقامة) احتج به من قال بإفراد قوله " قد قامت الصلاة " والحديث الذي قبله حجة عليه لما قدمناه، فإن احتج بعمل أهل المدينة عورض بعمل أهل مكة ومعهم الحديث الصحيح.

*3*باب الْإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ

@الشرح:

قوله: (باب الإقامة واحدة) قال الزين بن المنير: خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة فعدل عنه إلى قوله " واحدة " لأن لفظ الوتر غير منحصر في المرة فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه.

قلت: وإنما لم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه " الأذان مثنى والإقامة واحدة " وروى الدار قطني وحسنه في حديث لأبي محذورة " وأمره أن يقيم واحدة واحدة".

قوله: (إلا قوله قد قامت الصلاة) هو لفظ معمر عن أيوب كما تقدم، قيل واعترضه الإسماعيلي بأن إيراد حديث سماك بن عطية في هذا الباب أولى من إيراد حديث ابن علية، والجواب أن المصنف قصد رفع توهم من يتوهم أنه موقوف على أيوب لأنه أورده في مقام الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعا لم يحتج به.

@الحديث:

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الْإِقَامَةَ قَالَ إِسْمَاعِيلُ فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ إِلَّا الْإِقَامَةَ

الشرح:

قوله: (حدثنا خالد) هو الحذاء كما تقدم، والإسناد كله بصريون.

قوله: (قال إسماعيل) هو ابن إبراهيم المذكور في أول الإسناد وهو المعروف بابن علية، وليس هو معلقا.

قوله: (فذكرت) كذا للأكثر بحذف المفعول، وللكشميهني والأصيلي " فذكرته " أي حديث خالد، وهذا الحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثل الأذان.

وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أولا ثم نسخ بحديث أبي محذورة، يعني الذي رواه أصحاب السنن وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس فيكون ناسخا.

وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع والترجيع فكان يلزمهم القول به، وقد أنكر أحمد على من ادعى النسخ بحديث أبي محذورة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالا على إفراد الإقامة وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده كما رواه الدار قطني والحاكم.

وقال ابن عبد البر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن ربع التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجع في التشهد أو لم يرجع، أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا " قد قامت الصلاة " فالجميع جائز.

وعن ابن خزيمة إن ربع الأذان ورجع فيه ثنى الإقامة وإلا أفردها، وقيل لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله والله أعلم.

(فائدة) : قيل الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتلا والإقامة مسرعة، وكرر " قد قامت الصلاة " لأنها المقصودة من الإقامة بالذات.

قلت: توجيهه ظاهر، وأما قول الخطابي: لو سوى بينهما لاشتبه الأمر عند ذلك وصار لأن يفوت كثيرا من الناس صلاة الجماعة، ففيه نظر، لأن الأذان يستحب أن يكون على مكان عال لتشترك الأسماع كما تقدم، وقد تقدم الكلام على تثنية التكبير، وتؤخذ حكمة الترجيع مما تقدم، وإنما اختص بالتشهد لأنه أعظم ألفاظ الأذان، والله أعلم.

*3*باب فَضْلِ التَّأْذِينِ

@الشرح:

قوله: (باب فضل التأذين) راعى المصنف لفظ " التأذين " لوروده في حديث الباب.

وقال الزين ابن المنير: التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة، وحقيقة الأذان تعقل بدون ذلك، كذا قال.

والظاهر أن التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان لقوله في الحديث " حتى لا يسمع التأذين " وفي رواية لمسلم " حتى لا يسمع صوته " فالتقييد بالسماع لا يدل على فعل ولا على هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر.

@الحديث:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى

الشرح:

قوله: (إذا نودي للصلاة) وللنسائي عن قتيبة عن مالك " بالصلاة " وهي رواية لمسلم أيضا، ويمكن حملهما على معنى واحد.

قوله: (له ضراط) جملة اسمية وقعت حالا بدون واو لحصول الارتباط بالضمير.

وفي رواية الأصيلي " وله ضراط " وهي للمصنف من وجه آخر في بدء الخلق، قال عياض: يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره، ويقويه رواية لمسلم " له حصاص " بمهملات مضموم الأول فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو.

قال الطيبي: شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطا تقبيحا له.

(تنبيه) الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح كما سيأتي، ويحتمل أن المراد جنس الشيطان وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة.

قوله: (حتى لا يسمع التأذين) ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافا كما يفعله السفهاء، ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث، واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله " حتى لا يسمع " ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال " حتى يكون مكان الروحاء " وحكى الأعمش عن أبي سفيان راويه عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلا، هذه رواية قتيبة عن جرير عند مسلم، وأخرجه عن إسحاق عن جرير ولم يسق لفظه، ولفظ إسحاق في مسنده " حتى يكون بالروحاء، وهي ثلاثون ميلا من المدينة " فأدرجه في الخبر، والمعتمد رواية قتيبة، وسيأتي حديث أبي سعيد في " فضل رفع الصوت بالأذان " بعده.

قوله (قضي) بضم أوله، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويروى بفتح أوله على حذف الفاعل، والمراد المنادى، واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل، خلافا لمن شرط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت.

قوله: (إذا ثوب) بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة قيل هو من ثاب إذا رجع، وقيل من ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لإعلام غيره، قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابي والبيهقي وغيرهم، قال القرطبي: ثوب بالصلاة إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من ردد صوتا فهو مثوب، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة " فإذا سمع الإقامة ذهب " وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة " حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة " وحكى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وزعم أنه تفرد به، لكن في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدل على أن له سلفا في الجملة، ويحتمل أن يكون الذي تفرد به القول الخاص.

وقال الخطابي: لا يعرف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان " الصلاة خير من النوم " لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة، والله أعلم.

قوله: (أقبل) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة " فوسوس".

قوله: (أقبل حتى يخطر) بضم الطاء، قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن المتقنين بالكسر، وهو الوجه، ومعناه يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن المرور أي يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله، وضعف الحجري في نوادره الضم مطلقا وقال: هو يخطر بالكسر في كل شيء.

قوله: (بين المرء ونفسه) أي قلبه، وكذا هو للمصنف من وجه آخر في بدء الخلق، قال الباجي: المعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها.

قوله: (يقول: اذكر كذا اذكر كذا) وقع في رواية كريمة بواو العطف " واذكر كذا " وهي لمسلم، وللمصنف في صلاة السهو " اذكر كذا وكذا " زاد مسلم من رواية عبد ربه عن الأعرج " فهناه ومناه وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر".

قوله: (لما لم يكن يذكر) أي لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة.

وفي رواية لمسلم " لما لم يكن يذكر من قبل"، ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال.

قيل: خصه بما يعلم دون ما لا يعلم لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعم من ذلك فيذكره بما سبق له به علم ليشتغل باله به وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك، لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان.

قوله: (حتى يظل الرجل) كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة، ومعنى يظل في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا لكنها هنا بمعنى يصير أو يبقى، ووقع عند الأصيلي " يضل " بكسر الساقطة أي ينسى، ومنه قوله تعالى (أن تضل إحداهما) أو بفتحها، أي يخطئ ومنه قوله تعالى (لا يضل ربي ولا ينسى) والمشهور الأول.

قوله: (لا يدرى) وفي رواية في صلاة السهو " إن يدري " بكسر همزة إن وهي نافية بمعنى لا، وحكى ابن عبد البر عن الأكثر في الموطأ فتح الهمزة ووجهه بما تعقبه عليه جماعة.

وقال القرطبي: ليست رواية ال

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 2:41 am


واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبدول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار، مات أبو صعصعة في الجاهلية، وابنه عبد الرحمن صحابي، روى ابن شاهين في الصحابة من طريق قيس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن جده حديثا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي سياقه أن جده كان بدريا، وفيه نظر لأن أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم وإنما ذكروا أخاه قيس بن أبي صعصعة.
قوله: (أن أبا سعيد الخدري قال له) أي لعبد الله بن عبد الرحمن.
قوله: (تحب الغنم والبادية) أي لأجل الغنم لأن محبها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية وهي الصحراء التي لا عمارة فيها.
قوله: (في غنمك أو باديتك) يحتمل أن تكون " أو " شكا من الراوي، ويحتمل أن تكون للتنويع لأن الغنم قد لا تكون في البادية، ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم.
قوله: (فأذنت للصلاة) أي لأجل الصلاة، وللمصنف في بدء الخلق " بالصلاة " أي أعلمت بوقتها.
قوله: (فارفع) فيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان مقررا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين، واستدل به الرافعي للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية بناء على أن الأذان حق الوقت، وقيل لا يستحب بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة، ومنهم من فصل بين من يرجو جماعة أو لا.
قوله: (بالنداء) أي بالأذان.
قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن) أي غاية صوته، قال البيضاوي: غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته فلأن يشهد له من دنا منه وسمع مبادي صوته أولى.
قول (جن ولا إنس ولا شيء) ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العام بعد الخاص، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة " لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس"، ولأبي داود والنسائي من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ " المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس " ونحوه للنسائي وغيره من حديث البراء وصححه ابن السكن، فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب " ولا شيء " وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره، قال القرطبي: قوله " ولا شيء " المراد به الملائكة.
وتعقب بأنهم دخلوا في قوله جن لأنهم يستخفون عن الأبصار.
وقال غيره: المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات.
ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلا ولا شرعا.
قال ابن بزيزة، تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حي، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره؟ وغير ممتنع عقلا أن الله يخلق فيها الحياة والكلام.
وقد تقدم البحث في ذلك في قول النار " أكل بعضي بعضا " وسيأتي في الحديث الذي فيه " أن البقرة قالت إنما خلقت للحرث " وفي مسلم من حديث جابر ابن سمرة مرفوعا " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي " ا ه.
ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك: إن قوله هنا " ولا شيء " نظير قوله تعالى (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وتعقبه بأن الآية مختلف فيها، وما عرفت وجه هذا التعقب فإنهما سواء في الاحتمال ونقل الاختلاف، إلا أن يقول إن الآية لم يختلف في كونها على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث.
والله أعلم.
(فائدة) : السر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة، قاله الزين بن المنير.
وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة، وكما أن الله يفضح بالشهادة قوما فكذلك يكرم بالشهادة آخرين.
قوله: (إلا شهد له) للكشميهني إلا يشهد له، وتوجيههما واضح.
قوله: (قال أبو سعيد سمعته) قال الكرماني: أي هذا الكلام الأخير وهو قوله إنه لا يسمع الخ.
قلت: وقد أورد الرافعي هذا الحديث في الشرح بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد إنك رجل تحب الغنم " وساقه إلى آخره، وسبقه إلى ذلك الغزالي وإمامه والقاضي حسين وابن داود شارح المختصر وغيرهم، وتعقبه النووي، وأجاب ابن الرفعة عنهم بأنهم فهموا أن قول أبي سعيد " سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم " عائد على كل ما ذكر ا ه.
ولا يخفى بعده.
وقد رواه ابن خزيمة من رواية ابن عيينة ولفظه " قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يسمع " فذكره، ورواه يحيى القطان أيضا عن مالك بلفظ " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أذنت فارفع صوتك، فإنه لا يسمع " فذكره.
فالظاهر أن ذكر الغنم والبادية موقوف، والله أعلم.
وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو يتأذى به، وفيه أن حب الغنم والبادية ولا سيما عند نزول الفتنة من عمل السلف الصالح، وفيه جواز التبدي ومساكنة الأعراب ومشاركتهم في الأسباب بشرط حظ من العلم وأمن من غلبة الجفاء.
وفيه أن أذان الفذ مندوب إليه ولو كان في قفر ولو لم يرتج حضور من يصلي معه، لأنه إن فاته دعاء المصلين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم.
*3*باب مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنْ الدِّمَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب ما يحقن بالأذان من الدماء) قال الزين بن المنير: قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها استيفاء ثمرات الأذان، فالأولى فيها فضل التأذين لقصد الاجتماع للصلاة، والثانية فيها فضل أذان المنفرد لإيداع الشهادة له بذلك، والثالثة فيها حقن الدماء عند وجود الأذان.
قال: وإذا انتفت عن الأذان فائدة من هذه الفوائد لم يشرع إلا في حكايته عند سماعه، ولهذا عقبه بترجمة ما يقول إذا سمع المنادي ا ه.
كلامه ملخصا.
ووجه الاستدلال للترجمة من حديث الباب ظاهر، وباقي المتن من متعلقات الجهاد.
@الحديث:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ
الشرح:
الحديث قد أورده المصنف في الجهاد بهذا الإسناد وسياقه هناك أتم مما هنا، وسيأتي الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى.
وقد روى مسلم طرفه المتعلق بالأذان وسياقه أوضح، أخرجه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار".
قال الخطابي: فيه أن الأذان شعار الإسلام، وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه ا ه.
وهذا أحد أقوال العلماء كما تقدم، وهو أحد الأوجه في المذهب.
وأغرب ابن عبد البر فقال: لا أعلم فيه خلافا، وأن قول أصحابنا من نطق بالتشهد في الأذان حكم بإسلامه إلا إذا كان عيسويا فلا يرد عليه مطلق حديث الباب، لأن العيسوية طائفة من اليهود حدثت في آخر دولة بني أمية فاعترفوا بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إلى العرب فقط، وهم منسوبون إلى رجل يقال له أبو عيسى أحدث لهم ذلك.
(تنبيه) : وقع في سياق حديث الباب " لم يكن يغر بنا " واختلف في ضبطه، ففي رواية المستملي " يغر " من الإغارة مجزوم على أنه بدل من قوله يكن.
وفي رواية الكشميهني " يغد " بإسكان الغين وبالدال المهملة من الغدو.
وفي رواية كريمة " يغزو " بزاي بعدها واو من الغزو.
وفي رواية الأصيلي " يغير " كالأول لكن بإثبات الياء.
وفي رواية غيرهم بضم أوله وإسكان الغين من الإغراء، ورواية مسلم تشهد لرواية من رواه من الإغارة، والله أعلم.
*3*باب مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي
@الشرح:
قوله: (باب ما يقول إذا سماع المنادي) هذا لفظ رواية أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري في حديث الباب، وآثر المصنف عدم الجزم بحكم ذلك لقوة الخلاف فيه كما سيأتي.
ثم ظاهر صنيعه يقتضي ترجيح ما عليه الجمهور، وهو أن يقول مثل ما يقول من الأذان إلا الحيعلتين، لأن حديث أبي سعيد الذي بدأ به عام، وحديث معاوية الذي تلاه به يخصصه، والخاص مقدم على العام.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ
الشرح:
قوله: (عن عطاء بن زيد) في رواية ابن وهب عن مالك ويونس عن الزهري أن عطاء بن يزيد أخبره، أخرجه أبو عوانة.
(فائدة) : اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث، وعلى مالك أيضا، لكنه اختلاف لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وابن ماجه.
وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي: حديث مالك ومن تابعه أصح، ورواه يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد أخرجه مسدد في مسنده عنه.
وقال الدار قطني: إنه خطأ والصواب الرواية الأولى، وفيه اختلاف آخر دون ما ذكر لا نطيل به.
قوله: (إذا سمعتم) ظاهره اختصاص الإجابة بمن يسمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلا في الوقت وعلم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة، قاله النووي في شرح المهذب.
قوله: (فقولوا مثل ما يقول المؤذن) ادعى ابن وضاح أن قول " المؤذن " مدرج، وأن الحديث انتهى عند قوله " مثل ما يقول".
وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى، وقد اتفقت الروايات في الصحيحين والموطأ على إثباتها، ولم يصب صاحب العمدة في حذفها.
قوله: (ما يقول) قال الكرماني: قال " ما يقول " ولم يقل مثل ما قال ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها.
قلت: والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة " أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت " وأما أبو الفتح اليعمري فقال: ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوقة، يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الذي عند مسلم وغيره، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل.
قاله النووي في شرح المهذب بحثا.
وقد قالوه فيما إذا كان له عذر كالصلاة، وظاهر قوله مثل أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر أيضا وحديث معاوية الآتي يدلان على أنه يستثنى من ذلك " حي على الصلاة وحي على الفلاح " فيقول بدلهما " لا حول ولا قوة إلا بالله " كذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور.
وقال ابن المنذر يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا، وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما، قال: فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة، وهو وجه عند الحنابلة.
أجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظا وإسراعا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن ومن نفسه.
ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم " سمع الله لمن حمده " كما سيأتي في موضعه.
وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلا والفوز بالنعيم آجلا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته.
ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عيد الرزاق عن ابن جريج قال: حدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة فلا يقول شيئا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال " حي على الصلاة " قالوا " لا حول ولا قوة إلا بالله " وإذا قال " حي على الفلاح " قالوا " ما شاء الله".
انتهى.
وإلى هذا صار بعض الحنفية.
وروى ابن أبي شيبة مثله عن عثمان، وروى عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: سمعنا وأطعنا.
ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى، قيل لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل هما والتكبير، وقيل يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه وهو اختيار الطحاوي، وحكوا أيضا خلافا: هل يجيب في الترجيع أو لا، وفيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا.
قال النووي: لم أر فيه شيئا لأصحابنا.
وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب، وإجابة الأول أفضل، إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء لأنهما مشروعان.
وفي الحديث دليل على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل جهة، لأن قوله مثل ما يقول لا يقصد به رفع الصوت المطلوب من المؤذن، كذا قيل وفيه بحث، لأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك أن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع.
نعم لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول.
وأغرب ابن المنير فقال: حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة.
وتعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة فإذا وجدت الأذان، وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته صلى الله عليه وسلم ويوجد الأذان من دونها.
ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغة ولا شرعا.
واستدل به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة عملا بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة، وقيل يؤخر الإجابة حتى يفرغ لأن في الصلاة شغلا، وقيل يجيب إلا في الحيعلتين لأنهما كالخطاب للآدميين والباقي من ذكر الله فلا يمنع.
لكن قد يقال: من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع، لأنها من ذكر الله، قاله ابن دقيق العيد.
وفرق ابن عبد السلام في فتاويه بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها وإلا فيجيب، وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف، وهذا قاله بحثا، والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء، لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت كذا أطلقه كثير منهم، ونص الشافعي في الأم على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة، قالوا: إلا في كلمتي الإقامة فيقول " أقامها الله وأدامها " وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص وعدد من يسمعها محصور فلا يعسر أن يدعو بعضهم بعضا.
واستدل به على وجوب إجابة المؤذن، حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب، واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره " إنه صلى الله عليه وسلم سمع مؤذنا فلما كبر قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: خرج من النار " قال: فلما قال عليه الصلاة والسلام غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب.
وتعقب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون الرجل لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه في عموم من خوطب بذلك، قيل ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان لكن يرد هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ
الشرح:
قوله: (حدثنا هشام) هو الدستوائي ويحيى هو ابن أبي كثير.
قوله: (أنه سمع معاوية يوما فقال مثله - إلى قوله - وأشهد أن محمدا رسول الله) هكذا أورد المتن هنا مختصرا، وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن هشام ولفظه " كنا عند معاوية فنادى المنادي بالصلاة فقال مثل ما قال، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم " ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق أنبأنا وهب بن جرير حدثنا هشام عن يحيى نحوه.
قال يحيى: وحدثني بعض إخواننا " أنه لما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال: هكذا سمعت نبيكم يقول".
انتهى.
فأحال بقوله نحوه على الذي قبله، وقد عرفت أنه لم يسق لفظه كله، وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق عن هشام المذكور تاما، منها للإسماعيلي من طريق معاذ ابن هشام عن أبيه عن يحيى حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا عيسى بن طلحة قال " دخلنا على معاوية، فنادى مناد بالصلاة، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال معاوية الله أكبر الله أكبر.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله.
فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمدا رسول الله"
@الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ قَالَ يَحْيَى وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَقَالَ هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
الشرح:
قال يحيى فحدثني صاحب لنا " أنه لما قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال هكذا سمعنا نبيكم".
انتهى.
فاشتمل هذا السياق على فوائد: أحدها تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع له من محمد بن إبراهيم فأمن ما يخشى من تدليسه، ثانيها بيان ما اختصر من روايتي البخاري، ثالثها أن قوله في الرواية الأولى " أنه سمع معاوية يوما فقال مثله " فيه حذف تقديره أنه سمع معاوية يسمع المؤذن يوما فقال مثله، رابعها أن الزيادة في رواية وهب بن جرير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام له، خامسها أن قوله " قال يحيى " ليس تعليقا من البخاري كما زعمه بعضهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق.
وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالا أنه عنده بإسنادين، ثم إن إسحاق هذا لم ينسب وهو ابن راهويه، كذلك صرح به أبو نعيم في مستخرجه، وأخرجه من طريق عبد الله بن شيرويه عنه.
وأما المبهم الذي حدث يحيى به عن معاوية فلم أقف في شيء من الطرق على تعيينه، وحكى الكرماني عن غيره أن المراد به الأوزاعي، وفيه نظر، لأن الظاهر أن قائل ذلك ليحيى حدثه به عن معاوية، وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية؟ وقد غلب على ظني أنه علقمة ابن وقاص إن كان يحيى بن أبي كثير أدركه، وإلا فأحد ابنيه عبد الله بن علقمة أو عمرو بن علقمة، وإنما قلت ذلك لأنني جمعت طرقه عن معاوية فلم أجد هذه الزيادة في ذكر الحوقلة إلا من طريقين: أحدهما عن نهشل التميمي عن معاوية وهو في الطبراني بإسناد واه، والآخر عن علقمة بن وقاص عنه، وقد أخرجه النسائي واللفظ له، وابن خزيمة وغيرهما من طريق ابن جريج أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال " إني لعند معاوية إذ أذن مؤذن، فقال معاوية كما قال، حتى إذا قال حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك " ورواه ابن خزيمة أيضا من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده قال: كنت عند معاوية فذكر مثله، وأوضح سياقا منه، وتبين بهذه الرواية أن ذكر الحوقلة في جواب حي على الفلاح اختصر في حديث الباب، بخلاف ما تمسك به بعض من وقف مع ظاهره، وأن " إلى " في قوله في الطريق الأولى " فقال مثل قوله إلى أشهد أن محمدا رسول الله " بمعنى " مع " كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) .
(تنبيه) : أخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو حديث معاوية، وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في وصله وإرساله كما أشار إليه الدار قطني، ولم يخرج مسلم حديث معاوية لأن الزيادة المقصودة منه ليست على شرط الصحيح للمبهم الذي فيها، لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جدا.
وفي الباب أيضا عن الحارث بن نوفل الهاشمي وأبي رافع - وهما في الطبراني وغيره - وعن أنس في البزار وغيره، والله تعالى أعلم.
*3*باب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب الدعاء عند النداء) أي عند تمام النداء، وكأن المصنف لم يقيده بذلك اتباعا لإطلاق الحديث كما سيأتي البحث فيه.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
الشرح:
قوله: (حدثني علي بن عياش) بالياء الأخيرة والشين المعجمة وهو الحمصي من كبار شيوخ البخاري ولم يلقه من الأئمة الستة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في مسنده عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه، أخرجه الإسماعيلي من طريقه.
قوله: (عن محمد بن المنكدر) ذكر الترمذي أن شعيبا تفرد به عن ابن المنكدر فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه، ووقع في زوائد الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر.
قوله: (من قال حين يسمع النداء) أي الأذان، واللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير: من قال حين يسمع نداء المؤذن.
وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم بلفظ " قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة " ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان.
واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول، بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه.
وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ، واستدل به ابن بزيزة على عدم وجوب ذلك لظاهر إيراده، لكن لفظ الأمر في رواية مسلم قد يتمسك به من يدعي الوجوب، وبه قال الحنفية وابن وهب من المالكية وخالف الطحاوي أصحابه فوافق الجمهور.
قوله: (رب هذه الدعوة) بفتح الدال، زاد البيهقي من طريق محمد بن عون عن علي بن عياش " اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة " والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى (له دعوة الحق) وقيل لدعوة التوحيد " تامة " لأن الشركة نقص.
أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها فمعرض للفساد.
وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو " لا إله إلا الله".
وقال الطيبي: من أوله إلى قوله " محمد رسول الله " هي الدعوة التامة، والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله يقيمون الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء وبالقائمة الدائمة من قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله " والصلاة القائمة " بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ وهو أظهر.
قوله: (الوسيلة) هي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال توسلت أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم بلفظ " فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله " الحديث، ونحوه للبزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله فتكون كالقربة التي يتوسل بها.
قوله: (والفضيلة) أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرا للوسيلة.
قوله: (مقاما محمودا) أي يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ونصب على الظرفية، أي ابعثه يوم القيامة فأقمه مقاما محمودا، أو ضمن ابعثه معنى أقمه، أو على أنه مفعول به ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالا أي ابعثه ذا مقام محمود.
قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير وكأنه حكاية للفظ القرآن.
وقال الطيبي: إنما نكره لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل مقاما أي مقاما محمودا بكل لسان.
قلت: وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري فيه بالتعريف عند النسائي، وهي في صحيح ابن خزيمة وابن حبان أيضا، وفي الطحاوي والطبراني في الدعاء والبيهقي، وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووي.
قوله: (الذي وعدته) زاد في رواية البيهقي " إنك لا تخلف الميعاد " وقال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره، والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة، ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما " المقام المحمود " بالألف واللام فيصح وصفه بالموصول والله أعلم.
قال ابن الجوزي: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل إجلاسه على العرش، وقيل على الكرسي، وحكى كلا من القولين عن جماعة، وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو مشهور وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة.
ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعا " يبعث الله الناس، فيكسوني ربي حلة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول " فذلك المقام المحمود، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة.
ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث " حلت له شفاعتي " بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، والله أعلم.
قوله: (حلت له) أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه، يقال حل يحل بالضم إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم " حلت عليه".
ووقع في الطحاوي حديث ابن مسعود " وجبت له " ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة.
قوله (شفاعتي) استشكل بعضهم جعل ذلك ثوابا لقائل ذلك مع ما ثبت من أن الشفاعة للمذنبين، وأجيب بأن له صلى الله عليه وسلم شفاعات أخرى: كإدخال الجنة بغير حساب، وكرفع الدرجات فيعطى كل أحد ما يناسبه.
ونقل عياض عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصا مستحضرا إجلال النبي صلى الله عليه وسلم، لا من قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك، وهو تحكم غير مرضي، ولو كان أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه.
وقال المهلب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات لأنه حال رجاء الإجابة، والله أعلم.
*3*باب الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ
@وَيُذْكَرُ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الْأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ
الشرح:
قوله: (باب الاستهام في الأذان) أي الاقتراع، ومنه قوله تعالى (فساهم فكان من المدحضين) قال الخطابي وغيره: قيل له الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء فمن خرج سهمه غلب.
قوله: (ويذكر أن قوما اختلفوا) أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة قال " تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص، فأقرع بينهم.
وهذا منقطع.
وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح والطبري من طريقه عنه عن عبد الله ابن شبرمة عن شقيق - وهو أبو وائل - قال " افتتحنا القادسية صدر النهار، فتراجعنا وقد أصيب المؤذن " فذكره وزاد " فخرجت القرعة لرجل منهم فأذن".
(فائدة) : القادسية مكان بالعراق معروف، نسب إلى قادس رجل نزل به، وحكى الجوهري أن إبراهيم عليه السلام قدس على ذلك المكان فلذلك صار منزلا للحاج، وكانت به وقعة للمسلمين مشهورة مع الفرس وذلك في خلافة عمر سنة خمس عشرة، وكان سعد يومئذ الأمير على الناس.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا
الشرح:
قوله: (عن سمي) بضم أوله بلفظ التصغير.
قوله: (مولى أبي بكر) أي ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
قوله: (لو يعلم الناس) قال الطيبي: وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم.
قوله: (ما في النداء) أي الأذان، وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السراج.
قوله: (والصف الأول) زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة " من الخير والبركة " وقال الطيبي: أطلق مفعول يعلم وهو ما ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة وأنه مما لا يدخل تحت الوصف، والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة وإلا فقد بينت في الرواية الأخرى بالخير والبركة.
قوله: (ثم لم يجدوا) في رواية المستملي والحموي " ثم لا يجدون " وحكى الكرماني أن في بعض الروايات " ثم لا يجدوا " ووجهه بجواز حذف النون تخفيفا، ولم أقف على هذه الرواية.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 2:51 am


قوله: (إلا أن يستهموا) أي لم يجدوا شيئا من وجوه الأولوية، أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وأما في الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل فيقرع بينهم، إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين.
واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام لما فيه من المزية، وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة.
واستأنس بحديث لفظه " لتجالدوا عليه بالسيوف " لكن الذي فهمه البخاري منه أولى، ولذلك استشهد له بقصة سعد، ويدل عليه رواية لمسلم " لكانت قرعة".
قوله: (عليه) أي على ما ذكر ليشمل الأمرين الأذان والصف الأول، وبذلك يصح تبويب المصنف.
وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول لا على النداء، وهو حق الكلام، لأن الضمير يعود لأقرب مذكور.
ونازعه القرطبي وقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعا لا فائدة له، قال: والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم، ومثله قوله تعالى (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) أي جميع ذلك.
قلت: وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ " لاستهموا عليهما " فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف.
قوله: (التهجير) أي التبكير إلى الصلاة، قال الهروي: وحمله الخليل وغيره على ظاهره فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت، لأن التهجير مشتق من الهاجرة وهي شدة الحر نصف النهار وهو أول وقت الظهر، وإلى ذلك مال المصنف كمأ سيأتي، ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد لأنه أريد به الرفق، وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ما له من الفضل.
قوله: (لاستبقوا إليه) قال ابن أبي جمرة المراد بالاستباق معنى لا حسا، لأن المسابقة على الأقدام حسا تقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع منه.
انتهى.
وسيأتي الكلام على بقية الحديث في " باب فضل صلاة العشاء في الجماعة " قريبا، ويأتي الكلام على المراد بالصف الأول في أواخر أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى.
*3*باب الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ
@وَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَذَانِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ أَنْ يَضْحَكَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ
الشرح:
قوله: (باب الكلام في الأذان) أي في أثنائه بغير ألفاظه.
وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة، لكن الذي أورده فيه يشعر بأنه يختار الجواز، وحكى ابن المنذر الجواز مطلقا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة، وبه قال أحمد، وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة، وعن الثوري المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه خلاف الأولى، وعليه يدل كلام مالك والشافعي، وعن إسحاق بن راهويه يكره، إلا إن كان فيما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر لظاهر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وقد نازع في ذلك الداودي فقال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل.
قوله: (وتكلم سليمان بن صرد في أذانه) وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاري في التاريخ عنه وإسناده صحيح ولفظه " أنه كان يؤذن في العسكر فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه".
قوله: (وقال الحسن) لم أره موصولا، والذي أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طرق عنه جواز الكلام بغير قيد الضحك، قيل مطابقته للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكثر فتفسد الصلاة، ومن منع الكلام في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة، وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمد الضحك يبطل الصلاة ولو لم يظهر منه حرف، فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمده.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ
الشرح:
قوله: (حماد) هو ابن زيد، وعبد الحميد هو ابن دينار، وعبد الله بن الحارث هو البصري ابن عم ابن سيرين وزوج ابنته وهو تابعي صغير، ورواية الثلاثة عنه من باب رواية الأقران لأن الثلاثة من صغار التابعين، ورجال الإسناد كلهم بصريون، وقد جمعهم حماد كمسدد كما هنا، وكذلك رواه سليمان بن حرب عنه عند أبي عوانة وأبي نعيم في المستخرج، وكان حماد ربما اقتصر على بعضهم كما سيأتي قريبا في " باب هل يصلي الإمام بمن حضر " عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن حماد عن عبد الحميد وعن عاصم فرقهما، ورواه مسلم عن الربيع عن حماد عن أيوب وعاصم من طرق أخرى منها وهيب عن أيوب، وحكى عن وهيب أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث وفيه نظر، لأن في رواية سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب وعبد الحميد قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث كذلك أخرجه الإسماعيلي وغيره، ولمسدد فيه شيخ آخر وهو ابن علية كما سيأتي في كتاب الجمعة إن شاء الله.
قوله: (خطبنا) استدل به ابن الجوزي على أن الصلاة المذكورة كانت الجمعة، وفيه نظر.
نعم وقع التصريح بذلك في رواية ابن علية ولفظه " أن الجمعة عزمة".
قوله: (في يوم رزغ) بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين معجمة كذا للأكثر هنا، ولابن السكن والكشميهني وأبي الوقت بالدال المهملة بدل الزاي.
وقال القرطبي، إنها أشهر.
وقال: والصواب الفتح فإنه الاسم، وبالسكون المصدر.
انتهى.
وبالفتح رواية القابسي، قال صاحب المحكم: الرزغ الماء القليل في الثماد، وقيل إنه طين وحل، وفي العين: الردغة الوحل والرزغة أشد منها.
وفي الجمهرة والردغة والرزغة الطين القليل من مطر أو غيره.
(تنبيه) : وقع هنا يوم رزغ بالإضافة.
وفي رواية الحجبي الآتية في يوم ذي رزغ وهي أوضح.
وفي رواية ابن علية في يوم مطير.
قوله: (فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره) كذا فيه، وكأن هنا حذفا تقديره أراد أن يقولها فأمره، ويؤيده رواية ابن علية " إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة " وبوب عليه ابن خزيمة وتبعه ابن حبان ثم المحب الطبري حذف " حي على الصلاة في يوم المطر " وكأنه نظر إلى المعنى لأن حي على الصلاة والصلاة في الرحال وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك، وعند الشافعية وجه أنه يقول ذلك بعد الأذان، وآخر أنه يقوله بعد الحيعلتين، والذي يقتضيه الحديث ما تقدم.
وقوله "الصلاة في الرحال " بنصب الصلاة والتقدير صلوا الصلاة، والرحال جمع رحل وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه.
قال النووي: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان.
وفي حديث ابن عمر يعني الآتي في " باب الأذان للمسافر " أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان.
قال: ومن أصحابنا من يقول لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس.
انتهى.
وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقا إما في أثنائه وإما بعده، لا أنها بدل من حي على الصلاة، وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن نعيم ابن النحام قال " أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج.
فلما قال الصلاة خير من النوم قالها".
قوله: (فقال فعل هذا) كأنه فهم من نظرهم الإنكار.
وفي رواية الحجبي " كأنهم أنكروا ذلك " وفي رواية ابن علية " فكأن الناس استنكروا ذلك".
قوله: (من هو خير منه) وللكشميهني " منهم " وللحجبي " مني " يعني النبي صلى الله عليه وسلم، كذا في أصل الرواية، ومعني رواية الباب من هو خير من المؤذن، يعني فعله مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير من هذا المؤذن، وأما رواية الكشميهني ففيها نظر، ولعل من أذن كانوا جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد خير من المنكرين.
قوله: (وإنها) أي الجمعة كما تقدم (عزمة) بسكون الزاي ضد الرخصة، زاد ابن علية " وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين " وفي رواية الحجبي من طريق عاصم " إلى أؤثمكم " وهي ترجح رواية من روى " أحرجكم " بالحاء المهملة.
وفي رواية جرير عن عاصم عند ابن خزيمة " أن أخرج الناس وأكلفهم أن يحملوا الخبث من طرقهم إلى مسجدكم " وسيأتي الكلام على ما يتعلق بسقوط الجمعة بعذر المطر في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى.
ومطابقة الحديث للترجمة أنكرها الداودي فقال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور من جملة الأذان في ذلك المحل، وتعقب بأنه وإن ساغ ذكره في هذا المحل لكنه ليس من ألفاظ الأذان المعهود، وطريق بيان المطابقة أن هذا الكلام لما جازت زيادته في الأذان للحاجة إليه دل على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه.
*3*باب أَذَانِ الْأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ
@الشرح:
قوله: (باب أذان الأعمى) أي جوازه.
قوله: (إذا كان له من يخبره) أي بالوقت، لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة، وعلى هذا القيد يحمل ما روى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى، وأما ما نقله النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح فقد تعقبه السروجي بأنه غلط على أبي حنيفة، نعم في المحيط للحنفية أنه يكره.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ
الشرح:
قوله: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) هو القعنبي، قال الدار قطني: تفرد القعنبي بروايته إياه في الموطأ موصولا عن مالك، ولم يذكر غيره من رواة الموطأ فيه ابن عمر، ووافقه على وصله عن مالك - خارج الموطأ - عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق وروح بن عبادة وأبو قرة وكامل بن طلحة وآخرون، ووصله عن الزهري جماعة من حفاظ أصحابه.
قوله: (إن بلالا يؤذن بليل) فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرة، وزعم بعضهم أن ابتداء ذلك باجتهاد منه، وعلى تقدير صحته فقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فصار في حكم المأمور به، وسيأتي الكلام على تعيين الوقت الذي كان يؤذن فيه من الليل بعد باب.
قوله: (فكلوا) فيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك.
قوله: (ابن أم مكتوم) اسمه عمرو كما سيأتي موصولا في الصيام وفضائل القرآن، وقيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، ولا يمتنع أنه كان له اسمان، وهو قرشي عامري، أسلم قديما، والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسية في خلافة عمر فاستشهد بها، وقيل رجع إلى المدينة فمات، وهو الأعمى المذكور في سورة عبس، واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية.
وزعم بعضهم أنه ولد أعمى فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وكان رجلا أعمى) ظاهره أن فاعل قال هو ابن عمر، وبذلك جزم الشيخ الموفق في " المغني " لكن رواه الإسماعيلي عن أبي خليفة والطحاوي عن يزيد بن سنان كلاهما عن القعنبي فعينا أنه ابن شهاب، وكذلك رواه إسماعيل بن إسحاق ومعاذ بن المثنى وأبو مسلم الكجي الثلاثة عند الدار قطني، والخزاعي عند أبي الشيخ، وتمام عند أبي نعيم، وعتمان الدارمي عند البيهقي، كلهم عن القعنبي.
وعلى هذا ففي رواية البخاري إدراج.
ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله، وكذا شيخ شيخه، وقد رواه البيهقي من رواية الربيع بن سليمان عن ابن وهب عن يونس والليث جميعا عن ابن شهاب وفيه " قال سالم: وكان رجلا ضرير البصر " ففي هذا أن شيخ ابن شهاب قاله أيضا، وسيأتي في كتاب الصيام عن المصنف من وجه آخر عن ابن عمر ما يؤدي معناه، وسنذكر لفظه قريبا، فثبتت صحة وصله.
ولابن شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة، قال ابن عبد البر: هو حديث آخر لابن شهاب، وقد وافق ابن إسحاق معمرا فيه عن ابن شهاب.
قوله: (أصبحت أصبحت) أي دخلت في الصباح، هذا ظاهره، واستشكل لأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر، والإجماع على خلافه إلا من شذ كالأعمش.
وأجاب ابن حبيب وابن عبد البر والأصيلي وجماعة من الشراح بأن المراد قاربت الصباح ويعكر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها " ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر: أذن " وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية المصنف التي في الصيام " حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فقوله " إن بلالا يؤذن بليل " يشعر أن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلا منهما أذن قبل الوقت، وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال، وأقرب ما يقال فيه إن أذانه جعل علامة لتحريم الأكل والشرب، وكأنه كان له من يراعي الوقت بحيث يكون أذانه مقارنا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ، وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق، ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم " أصبحت " أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدا في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالملائكة، فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة، وقد روى أبو قرة من وجه آخر عن ابن عمر حديثا فيه " وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه".
وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وسيأتي بعد باب، واستحباب أذان واحد بعد واحد.
وأما أذان اثنين معا فمنع منه قوم، ويقال إن أول من أحدثه بنو أمية.
وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش، واستدل به على جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد، قال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض له.
انتهى.
ونص الشافعي على جوازه ولفظه: ولا يتضيق صلى الله عليه وسلم إن أذن أكثر من اثنين، وعلى جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت وفيه أوجه، واختلف فيه الترجيح، وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة، وعلى جواز شهادة الأعمى، وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات.
وعلى جواز العمل بخبر الواحد، وعلى أن ما بعد الفجر من حكم النهار، وعلى جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك فقال: يجب القضاء.
وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفا به وإن لم يشاهد الراوي، وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه.
وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
*3*باب الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ
@الشرح:
قوله: (باب الأذان في الفجر) قال الزين بن المنير: قدم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي، لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه.
وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر.
والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ
الشرح:
قوله: (كان إذا اعتكف المؤذن للصبح) هكذا وقع عند جمهور رواة البخاري وفيه نظر، وقد استشكله كثير من العلماء، ووجهه بعضهم كما سيأتي، والحديث في الموطأ عند جميع رواته بلفظ " كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح " وكذا رواه مسلم وغيره وهو الصواب، وقد أصلح في رواية ابن شبويه عن الفربري كذلك.
وفي رواية الهمداني " كان إذا أذن " بدل اعتكف، وهي أشبه بالرواية المصوبة.
ووقع في رواية النسفي عن البخاري بلفظ كان إذا اعتكف وأذن المؤذن وهو يقتضي أن صنيعه ذلك كان مختصا بحال اعتكافه، وليس كذلك، والظاهر أنه من إصلاحه.
وقد أطلق جماعة من الحفاظ القول بأن الوهم فيه من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري، ووجه ابن بطال وغيره بأن معنى " اعتكف المؤذن " أي لازم ارتقابه ونظره إلى أن يطلع الفجر ليؤذن عند أول إدراكه.
قالوا: وأصل العكوف لزوم الإقامة بمكان واحد، وتعقب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك من المؤذن لما يقتضيه مفهوم الشرط، وليس كذلك لمواظبته عليهما مطلقا، والحق أن لفظ " اعتكف " محرف من لفظ " سكت " وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ " كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر".
قوله: (وبدا الصبح) بغير همز أي ظهر، وأغرب الكرماني فصحح أنه بالنون المكسورة والهمزة بعد المد، وكأنه ظن أنه معطوف على قوله " للصبح " فيكون التقدير واعتكف لنداء الصبح، وليس كذلك فإن الحديث في جميع النسخ من الموطأ والبخاري ومسلم وغيرها بالباء الموحدة المفتوحة وبعد الدال ألف مقصورة والواو فيه واو الحال لا واو العطف، وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة، وسيأتي بقية الكلام عليه في أبواب التطوع إن شاء الله تعالى.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ
الشرح:
قوله: (عن يحيى) هو ابن أبي كثير.
قوله: (بين النداء والإقامة) قال الزين بن المنير: حديث عائشة أبعد في الاستدلال به للترجمة من حديث حفصة، لأن قولها " بين النداء والإقامة " لا يستلزم كون الأذان بعد الفجر.
ثم أجاب عن ذلك بما محصله: إنها بالركعتين ركعتي الفجر، وهما لا يصليان إلا بعد الفجر، فإذا صلاهما بعد الأذان استلزم أن يكون الأذان وقع بعد الفجر.
انتهى.
وهو مع ما فيه من التكلف غير سالم من الانتقاد.
والذي عندي أن المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به، وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين من وجه آخر عن عائشة ولفظه " كان إذا سكت المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر".
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ
الشرح:
قوله: (عن عبد الله بن دينار) هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث، قال ابن عبد البر: لم يختلف عليه فيه، واعترض ابن التيمي فقال: هذا الحديث لا يدل على الترجمة، لجعله غاية الأكل ابتداء أذان ابن أم مكتوم، فدل على أن أذانه كان يقع قبل الفجر بقليل.
وجوابه ما تقدم تقريره في الباب الذي قبله.
وقال الزين بن المنير: الاستدلال بحديث ابن عمر أوجه من غيره، فإن قوله " حتى ينادي ابن أم مكتوم " يقتضي أنه ينادي حين يطلع الفجر، لأنه لو كان ينادي قبله لكان كبلال ينادي بليل.
(تنبيه) : قال ابن منده حديث عبد الله بن دينار مجمع على صحته، رواه جماعة من أصحابه عنه، ورواه عنه شعبة فاختلف عليه فيه: رواه يزيد بن هارون عنه على الشك أن بلالا كما هو المشهور، أو " أن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال".
قال: ولشعبة فيه إسناد آخر، فإنه رواه أيضا عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة فذكره على الشك أيضا، أخرجه أحمد عن غندر عنه، ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازما بالأول، ورواه أبو الوليد عنه جازما بالثاني، وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرحمن، وادعى ابن عبد البر وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب وأن الصواب حديث الباب، وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه وهو قوله " إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد " وأخرجه أحمد، وجاء عن عائشة أيضا أنها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول إنه غلط، أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد " قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر " قال: وكانت عائشة تقول: غلط ابن عمر.
انتهى.
وقد جمع خزيمة والضبعي بين الحديثين بما حاصله: أنه يحتمل أن يكون الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئا ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني.
وجزم ابن حبان بذلك ولم يبده احتمالا، وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره، وقيل: لم يكن نوبا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان: فإن بلالا كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني النجار قالت " كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة، فإذا رأى الفجر تمطأ ثم أذن " أخرجه أبو داود وإسناده حسن، ورواية حميد عن أنس " أن سائلا سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن حين طلع الفجر " الحديث أخرجه النسائي وإسناده صحيح، ثم أردف بابن أم مكتوم وكان يؤذن بليل واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها، ثم في آخر الأمر أخر ابن أم مكتوم لضعفه ووكل به من يراعي له الفجر، واستقر أدان بلال بليل، وكان سبب ذلك ما روي أنه ربما كان أخطأ الفجر فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فيقول " ألا إن العبد نام " يعني أن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر، وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولا مرفوعا ورجاله ثقات حفاظ، لكن اتفق أئمة الحديث على ابن المديني وأحمد ابن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدار قطني على أن حمادا أخطأ في رفعه، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادا انفرد برفعه، ومع ذلك فقد وجد له متابع، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زربي وهو بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب فرواه عن أيوب موصولا لكن سعيد ضعيف.
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضا، لكنه أعضله فلم يذكر نافعا ولا ابن عمر.
وله طريق أخرى عن نافع عند الدار قطني وغيره اختلف في رفعها ووقفها أيضا، وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيد وغيره عن حميد بن هلال وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنس، وهذه طرق يقوي بعضها بعضا قوة ظاهرة، فلهذا والله أعلم استقر أن بلالا يؤذن الأذان الأول، وسنذكر اختلافهم في تعيين الوقت المراد من قوله " يؤذن بليل " في الباب الذي بعد هذا.
*3*باب الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ
@الشرح:
قوله: (باب الأذان قبل الفجر) أي ما حكمه؟ هل يشرع أو لا؟ وإذا شرع هل يكتفى به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ وإلى مشروعيته مطلقا ذهب الجمهور.
وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مطلقا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وقال به الغزالي في الإحياء، وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء، وتعقب بحديث الباب، وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل، وعلى التنزل فمحله فيما إذا لم يرد نطق بخلافه، وهنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة بما يشعر بعدم الاكتفاء، وكأن هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثهما في هذا الباب عقب حديث ابن مسعود، نعم حديث زياد بن الحارث عند أبي داود يدل على الاكتفاء، فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه، إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام، لكن في إسناده ضعف.
وأيضا فهي واقعة عين وكانت في سفر، ومن ثم قال القرطبي: إنه مذهب واضح، غير أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه.
انتهى.
فلم يرده إلا بالعمل على قاعدة المالكية.
وادعى بعض الحنفية - كما حكاه السروجي منهم - أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرا أو تسحيرا كما يقع للناس اليوم، وهذا مردود، لكن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعا، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعي مقدم، ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين.
وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس.
وادعى ابن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة وفيه نظر.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ
الشرح:
قوله: (زهير) هو ابن معاوية الجعفي.
قوله: (عن أبي عثمان) في رواية ابن خزيمة من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه " حدثنا أبو عثمان " ولم أر هذا الحديث من حديث ابن مسعود في شيء من الطرق إلا من رواية أبي عثمان عنه، ولا من رواية أبي عثمان إلا من رواية سليمان التيمي عنه.
واشتهر عن سليمان، وله شاهد في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب.
قوله: (أحدكم أو أحد منكم) شك من الراوي وكلاهما يفيد العموم وإن اختلفت الحيثية.
قوله: (من سحوره) بفتح أوله اسم لما يؤكل في السحر، ويجوز الضم وهو اسم الفعل.
قوله: (ليرجع) بفتح الياء وكسر الجيم المخففة يستعمل هذا لازما ومتعديا، يقال رجع زيد ورجعت زيدا ولا يقال في المتعدي بالتثقيل.
فعلى هذا من رواه بالضم والتثقيل أخطأ فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد، وليس مرادنا هنا، وإنما معناه يرد القائم - أي المتهجد - إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطا، أو يكون له حاجة إلى الصيام فيتسحر، ويوقظ النائم ليتأهب لها بالغسل ونحوه، وتمسك الطحاوي بحديث ابن مسعود هذا لمذهبه فقال: فقد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذكر لا للصلاة.
وتعقب بأن قوله " لا للصلاة " زيادة في الخبر، وليس فيه حصر فيما ذكر، فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت، ليس إعلاما بالوقت، فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاما بأنه دخل أو قارب أن يدخل، وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه، والصبح يأتي غالبا عقب نوم فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت، والله أعلم.
قوله: (وليس أن يقول الفجر) فيه إطلاق القول على الفعل أي يظهر، وكذا قوله: (وقال بأصابعه ورفعها) أي أشار.
وفي رواية الكشميهني.
" بإصبعيه ورفعهما".
قوله: (إلى فوق) بالضم على البناء، وكذا (أسفل) لنية المضاف إليه دون لفظه نحو (لله الأمر من قبل ومن بعد) .
قوله: (وقال زهير) أي الراوي، وهي أيضا بمعنى أشار، وكأنه جمع بين إصبعيه ثم فرقهما ليحكي صفة الفجر الصادق لأنه يطلع معترضا ثم يعم الأفق ذاهبا يمينا وشمالا، بخلاف الفجر الكاذب وهو الذي تسميه العرب " ذنب السرحان " فإنه يظهر في أعلى السماء ثم ينخفض، وإلى ذلك أشار بقوله رفع وطأطأ رأسه.
وفي رواية الإسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان " فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا، ولكن الفجر هكذا " فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقرونا بالإشارة الدالة على المراد، وبهذا اختلفت عبارة الرواة، وأخصر ما وقع فيها رواية جرير عن سليمان عند مسلم " وليس الفجر المعترض ولكن المستطيل".
@الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ح و حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ
الشرح:
قوله: (حدثني إسحاق) لم أره منسوبا، وتردد فيه الجياني، وهو عندي ابن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه كما جزم به المزي، ويدل عليه تعبيره بقوله " أخبرنا " فإنه لا يقول قط حدثنا بخلاف إسحاق ابن منصور وإسحاق نن نصر، وأما ما وقع بخط الدمياطي أنه الواسطي ثم فسره بأنه ابن شاهين فليس بصواب لأنه لا يعرف له عن أبي أسامة شيء، لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ ابن شاهين أحد من أهل الكوفة.
قوله: (قال عبيد الله حدثنا) فاعل قال أبو أسامة، وعبيد الله قائل حدثنا، فالتقدير حدثنا عبيد الله.
قوله: (عن نافع) هو معطوف على " عن القاسم بن محمد".
والحاصل أنه أخرج الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين: الأول ذكر له فيه إسناد بن نافع عن ابن عمر والقاسم عن عائشة، وأما الثاني فاقتصر فيه على الإسناد الثاني.
قوله: (حتى يؤذن) في رواية الكشميهني " حتى ينادي"، وقد أورده في الصيام بلفظ " يؤذن " وزاد في آخره " فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر " قال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا، وفي هذا تقييد لما أطلق في الروايات الآخرى من قوله " إن بلالا يؤذن بليل"، ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلم يدرك القصة المذكورة، لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن غياث، وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث قالت " ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا " وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري " قال القاسم " أي في روايته عن عائشة.
وقد وقع عند مسلم في رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مثل هذه الزيادة، وفيها نظر أوضحته في كتاب " المدرج " وثبتت الزيادة أيضا في حديث أنيسة الذي تقدمت الإشارة إليه، وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور، وهو أحد الأوجه في المذهب واختاره السبكي في شرح المنهاج وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي وقطع به البغوي، وكلام ابن دقيق العيد يشعر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يرجح هذا بأن قوله " إن بلالا ينادي بليل " خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبها محتملا لأن يكون عند طلوع الفجر فبين صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر.
انتهى.
ويقويه أيضا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لإدراك الصبح في أول وقتها، وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال: قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل فأخبر ابن أم مكتوم فيتأهب بالطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر.
وهذا - مع وضوح مخالفته لسياق الحديث - يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل.
ووراء ذلك أقوال أخرى معروفة في الفقهيات.
واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان وقتا واحدا وهو طلوع الفجر فيخطئه بلال ويصيبه ابن أم مكتوم.
وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادرا.
وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته، والله أعلم.
*3*باب كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِرُ الْإِقَامَةَ
@الشرح:
قوله: (باب كم بين الأذان والإقامة) أما " باب " فهو في روايتنا بلا تنوين و " كم " استفهامية ومميزها محذوف وتقديره ساعة أو صلاة أو نحو ذلك، ولعله أشار بذلك إلى ما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال " اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته " أخرجه الترمذي والحاكم لكن إسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وكلها واهية، فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت.
وقال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين، ولم يختلف العلماء في التطوع بين الأذان والإقامة إلا في المغرب كما سيأتي.
ووقع هنا في رواية نسبت للكشميهني " ومن انتظر الإقامة " وهو خطأ فإن هذا اللفظ ترجمة تلي هذه.
@الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ ثَلَاثًا لِمَنْ شَاءَ
الشرح:
قوله: (حدثنا إسحاق الواسطي) هو ابن شاهين، ويحتمل أن يكون هو الذي عناه الدمياطي ونقلناه عنه في الذي مضى، لكني رأيته كما نقلته أولا بخط القطب الحلبي، وقد روى البخاري عن إسحاق بن وهب العلاف وهو واسطي أيضا لكن ليست له رواية عن خالد وهو ابن عبد الله الطحان، والجريري سعيد بن أياس وهو بضم الجيم كما تقدم في المقدمة، ووقع مسمى في رواية وهب بن بقية عن خالد عند الإسماعيلي وهي إحدى فوائد المستخرجات، وهو معدود فيمن اختلط، واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه وخالد منهم، لكن أخرجه الإسماعيلي من رواية يزيد بن زريع وعبد الأعلى وابن علية وهم ممن سمع منه قبل اختلاطه، وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضا، وهو عند مسلم من طريق عبد الأعلى أيضا، وقد قال العجلي إنه من أصحهم سماعا من الجريري، فإنه سمع منه قبل اختلاطه بثمان سنين، ولم ينفرد به مع ذلك الجريري بل تابعه عليه كهمس بن الحسن عن ابن بريدة، وسيأتي عند المصنف بعد باب.
وفي رواية يزيد ابن زريع من الفوائد أيضا تسمية ابن بريدة عبد الله والتصريح بتحديثه للجريري.
قوله: (بين كل أذانين) أي أذان وإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخير ناطق بالتخيير لقوله " لمن شاء"، وأجرى المصنف الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد، وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم القمرين للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت، ولا مانع من حمل قوله " أذانين " على ظاهره لأنه يكون التقدير بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة.
قوله: (صلاة) أي وقت صلاة، أو المراد صلاة نافلة، أو نكرت لكونها

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 3:38 am



*3*باب الِاسْتِسْقَاءِ وَخُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@الشرح:
(باب الاستسقاء وخروج النبي صلى الله عليه وسلم) كذا للمستملي دون البسملة، وسقط ما قبل باب من رواية الحموي والكشميهني، وللأصيلي كتاب الاستسقاء فقط، وثبتت البسملة في رواية ابن شبويه.
والاستسقاء لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو الغير، وشرعا طلبه من الله عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ
الشرح:
قوله: (عن عبد الله بن أبي بكر) أي ابن محمد بن عمرو بن حزم قاضي المدينة، وسيأتي في " باب تحويل الرداء " التصريح بسماع عبد الله له من عباد.
قوله: (عن عمه) هو عبد الله بن زيد بن عاصم، كما سيأتي صريحا في الباب المذكور وسياقه أتم.
قوله: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم) أي إلى المصلى كما سيأتي التصريح به أيضا فيه، ويأتي الكلام فيه على كيفية تحويل الرداء وزاد فيه " وصلى ركعتين".
وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع، وإن خطب لهم فحسن.
ولم يعرف الصلاة، هذا هو المشهور عنه.
ونقل أبو بكر الرازي عنه التخيير بين الفعل والترك، وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء، والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضا أنه لا يستحب الخروج، وكأنه أشتبه عليه بقوله في الصلاة.
*3*باب دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ
@الشرح:
قوله: (باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلها سنين كسني يوسف) أورد فيه حديث أبي هريرة في الدعاء في القنوت للمؤمنين، والدعاء على الكافرين، وفيه معنى الترجمة.
ووجه إدخاله في أبواب الاستسقاء التنبيه على أنه كما شرع الدعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين لما فيه من نفع الفريقين بإضعاف عدو المؤمنين ورقة قلوبهم ليذلوا للمؤمنين.
وقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم برفع القحط، كما في الحديث الثاني.
ويمكن أن يقال: إن المراد أن مشروعية الدعاء على الكافرين في الصلاة تقتضي مشروعية الدعاء للمؤمنين فيها، فثبت بذلك صلاة الاستسقاء خلافا لمن أنكرها.
والمراد بسني يوسف ما وقع في زمانه عليه السلام من القحط في السنين السبع كما وقع في التنزيل، وقد بين ذلك في الحديث الثاني حيث قال " سبعا كسبع يوسف " وأضيفت إليه لكونه الذي أنذر بها، أو لكونه الذي قام بأمور الناس فيها.
@الحديث:
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ هَذَا كُلُّهُ فِي الصُّبْحِ
الشرح:
قوله: (حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن) هو الحزامي بالمهملة والزاي لا المخزوي، وهما مدنيان من طبقة واحدة لكن الحزامي معروف بالرواية عن أبي الزناد دون المخزومي، وقد بينه ابن معين والنسائي، لكنه لم ينفرد بهذا الحديث فسيأتي في الجهاد من رواية الثوري، وفي أحاديث الأنبياء من رواية شعيب، وأخرجه الإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة كلهم عن أبي الزناد.
قوله: (اللهم اجعلها سنين) في الرواية الماضية في " باب يهوى بالتكبير من صفة الصلاة ": " اللهم اجعلها علهم " والضمير في قوله " اجعلها " يعود على المدة التي تقع فيها الشدة المعبر عنها بالوطأة، وزاد بعد قوله فيها كسني يوسف " وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له " وسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفي في تفسير آل عمران إن شاء الله تعالى.
قوله: (وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: غفار غفر الله لها الخ) هذا حديث آخر، وهو عند المصنف بالإسناد المذكور وكأنه سمعه هكذا فأورده كما سمعه.
وقد أخرجه أحمد عن قتيبة كما أخرجه البخاري، ويحتمل أن يكون له تعلق بالترجمة من جهة أن الدعاء على المشركين بالقحط ينبغي أن يخص بمن كان محاربا دون من كان مسالما.
قوله: (غفار غفر الله لها) فيه الدعاء بما يشتق من الاسم كأن يقول لأحمد: أحمد الله عاقبتك، ولعلى: أعلاك الله.
وهو من جناس الاشتقاق، ولا يختص بالدعاء بل يأتي مثله في الخبر، ومنه قوله تعالى (وأسلمت مع سليمان) وسيأتي في المغازي حديث " عصية عصت الله ورسوله " وإنما اختصت القبيلتان بهذا الدعاء لأن غفارا أسلموا قديما، وأسلم سالموا النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيان ذلك في أوائل المناقب إن شاء الله تعالى.
قوله: (قال ابن أبي الزناد عن أبيه: هذا كله في الصبح) يعني أن عبد الرحمن بن أبي الزناد روى هذا الحديث عن أبيه بهذا الإسناد، فبين أن الدعاء المذكور كان في الصبح، وقد تقدم بعض بيان الاختلاف في ذلك في أثناء صفة الصلاة.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا قَالَ اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فَالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ مَضَتْ الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّومِ
الشرح:
قوله: (كنا عند عبد الله) يعني ابن مسعود، وسيأتي في تفسير الدخان سبب تحديث عبد الله بن مسعود بهذا الحديث.
قوله: (لما رأى من الناس إدبارا) أي من الإسلام، وسيأتي في تفسير الدخان أن قريشا لما أبطئوا عن الإسـلام.
قوله: (فأخذتهم سنة) بفتح المهملة بعدها نون خفيفة أي أصابهم القحط، وقوله "حصت " بفتح الحاء والصاد المهملتين أي استأصلت النبات حتى خلت الأرض منه.
قوله: (حتى أكلنا) في رواية المستملي والحموي " حتى أكلوا " وهو الوجه، وكذا قوله " ينظر أحدكم " عند الأكثر " ينظر أحدهم " وهو الصواب.
وسيأتي بقية الكلام عليه بعد تسعة أبواب.
*3*باب سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا
@الشرح:
قوله: (باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا) قال ابن رشيد: لو أدخل تحت هذه الترجمة حديث ابن مسعود الذي قبله لكان أوضح مما ذكر.
انتهى.
ويظهر لي أنه لما كان من سأل قد يكون مسلما وقد يكون مشركا وقد يكون من الفريقين، وكان في حديث ابن مسعود المذكور أن الذي سأل قد يكون مشركا، ناسب أن يذكر في الذي بعده ما يدل على ما إذا كان الطلب من الفريقين كما سأبينه، ولذلك ذكر لفظ الترجمة عاما لقوله " سؤال الناس " وذلك أن المصنف أورد في هذا الباب تمثل ابن عمر بشعر أبي طالب وقول أنس " إن عمر كان إذا قحطوا استسقى بالعباس " وقد اعترضه الإسماعيلي فقال: حديث ابن عمر خارج عن الترجمة، إذ ليس فيه أن أحدا سأله أن يستسقى له ولا في قصة العباس التي أوردها أيضا.
وأجاب ابن المنير عن حديث ابن عمر بأن المناسبة تؤخذ من قوله فيه " يستسقى الغمام " لأن فاعله محذوف وهم الناس، وعن حديث أنس بأن في قول عمر " كنا نتوسل إليك بنبيك " دلالة على أن للإمام مدخلا في الاستسقاء.
وتعقب بأنه لا يلزم من كون فاعل " يستسقى " هو الناس أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقى لهم كما في الترجمة، وكذا ليس في قول عمر أنهم كانوا يتوسلون به دلالة على أنهم سألوه أن يستسقى لهم، إذ يحتمل أن يكونوا في الحالين طلبوا السقيا من الله مستشفعين به صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن رشيد: يحتمل أن يكون أراد بالترجمة الاستدلال بطريق الأولى لأنهم إذا كانوا يسألون الله به فيسقيهم فأحرى أن يقدموه للسؤال.
انتهى.
وهو حسن ويمكن أن يكون أراد من حديث ابن عمر سياق الطريق الثانية عنه، وأن يبين أن الطريق الأولى مختصرة منها، وذلك أن لفظ الثانية " ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى فدل ذلك على أنه هو الذي باشر الطلب صلى الله عليه وسلم، وأن ابن عمر أشار إلى قصة وقعت في الإسلام حضرها هو لا مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب.
وقد علم من بقية الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم إنما استسقى إجابة لسؤال من سأله في ذلك كما في حديث ابن مسعود الماضي وفي حديث أنس الآتي وغيرهما من الأحاديث، وأوضح من ذلك ما أخرجه البيهقي في " الدلائل " من رواية مسلم الملائي عن أنس قال " جاء رجل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يغط.
ثم أنشده شعرا يقول فيه: وليس لنـا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فقال " اللهم اسقنا " الحديث وفيه " ثم قال صلى الله عليه وسلم: لو كان أبو طالب حيا لقرت عيناه.
من ينشدنا قوله؟ فقام علي فقال: يا رسول الله، كأنك أردت قوله " وأبيض يستسقى الغمام بوجهه " الأبيات، فظهرت بذلك مناسبة حديث ابن عمر للترجمة، وإسناد حديث أنس وإن كان فيه ضعف لكنه يصلح للمتابعة، وقد ذكره ابن هشام في زوائده في السيرة تعليقا عمن يثق به.
وقوله "يئط " بفتح أوله وكسر الهمزة وكذا " يغط " بالمعجمة، والأطيط صوت البعير المثقل، والغطيط صوت النائم كذلك، وكني بذلك عن شدة الجوع، لأنهما إنما يقعان غالبا عند الشبع.
وأما حديث أنس عن عمر فأشار به أيضا إلى ما ورد في بعض طرقه، وهو عند الإسماعيلي من رواية محمد بن المثنى عن الأنصاري بإسناد البخاري إلى أنس قال " كانوا إذا قحطوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا به، فيستسقى لهم فيسقون فلما كان في إمارة عمر " فذكر الحديث.
وقد أشار إلى ذلك الإسماعيلي فقال: هذا الذي رويته يحتمل المعنى الذي ترجمه، بخلاف ما أورده هو: قلت: وليس ذلك بمبتدع، لما عرف بالاستقراء من عادته من الاكتفاء بالإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي يورده.
وقد روى عبد الرزاق من حديث ابن عباس " أن عمر استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فأستسق، فقام العباس " فذكر الحديث، فتبين بهذا أن في القصة المذكورة أن العباس كان مسئولا وأنه ينزل منزلة الإمام إذا أمره الإمام بذلك.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري - وكان خازن عمر - قال " أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر " الحديث.
وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، وظهر بهذا كله مناسبة الترجمة لأصل هذه القصة أيضا والله الموفق.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ
الشرح:
قوله: (يتمثل) أي ينشد شعر غيره.
قوله: (وأبيض) بفتح الضاد وهو مجرور برب مقدرة أو منصوب بإضمار أعني أو أخص، والراجح أنه بالنصب عطفا على قوله " سيدا " في البيت الذي قبله.
قوله: (ثمال) بكسر المثلثة وتخفيف الميم هو العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي، قد أطلق على كل من ذلك.
وقوله "عصمة للأرامل " أي يمنعهم مما يضرهم، والأرامل جمع أرملة وهي الفقيرة التي لا زوج لها، وقد يستعمل في الرجل أيضا مجازا، ومن ثم لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال.
وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب ذكرها ابن إسحاق في السيرة بطولها، وهي أكثر من ثمانين بيتا، قالها لما تمالأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم ونفـروا عنه من يريد الإسلام، أولها: ولمـا رأيت القـوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العـرا والوسائل وقد جاهرونا بالعـداوة والأذى وقد طاوعوا أمر العـدو المزايل يقول فيها: أعبد مناف أنتم خـير قومكم فلا تشركوا في أمركم كل واغل فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم تكونوا كما كانت أحاديث وائـل يقول فيها: أعوذ برب الناس من كل طاعن علينـا بسـوء أو ملح ببـاطل وثور ومن أرسى ثبيرا مـكانه وراق لـبر في حـراء ونازل وبالبيت حق البيت من بطن مكة وبالله أن الله ليس بغـافل يقول فيها: كذبتم وبيت الله نبزى محمـدا ولمـا نطاعن حـوله ونناضل ونسـلمه حتى نصرع حـوله ونذهل عن أبنائنـا والحـلائل يقول فيهـا: وما ترك قـوم لا أبالك سيدا يحوط الذمار بين بكر بن وائل وأبيض يستسقى الغمام بوجهـه ثمـال اليتـامى عصمة للأرامل يلوذ به الهـلاك من آل هـاشم فهم عنـده في نعمـة وفواضل قال السهيلي: فإن قيل كيف قال أبو طالب " يستسقى الغمام بوجهه " ولم يره قط استسقى، إنما كان ذلك منه بعد الهجرة! وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي صلى الله عليه وسلم معه غلام.
انتهى.
ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه وإن لم يشاهد وقوعه، وسيأتي في الكلام على حديث ابن مسعود ما يشعر بأن سؤال أبي سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء وقع بمكة.
وذكر ابن التين أن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرا أو غيره من شأنه، وفيه نظر لما تقدم عن ابن إسحاق أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث، ومعرفة أبي طالب بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت في كثير مـن الأخبار، وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلما.
ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءا جمع فيه شعر أبي طالب وزعم في أوله أنه كان مسلما وأنه مات على الإسلام وأن الحشوية تزعم أنه مات على الكفر وأنهم لذلك يستجيزون لعنه، ثم بالغ في سبهم والرد عليهم، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه.
وقد بينت فساد ذلك كله في ترجمة أبي طالب من كتاب الإصابة، وسيأتي بعضه في ترجمة أبي طالب مـن كتاب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (وقال عمر بن حمزة) أي ابن عبد الله بن عمر، وسالم شيخه هو عمه، وعمر مختلف في الاحتجاج به وكذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المذكور في الطريق الموصولة، فاعتضدت إحدى الطريقين بالأخرى، وهو من أمثلة أحد قسمي الصحيح كما تقرر في علوم الحديث، وطريق عمر المعلقة وصلها أحمد وابن ماجة والإسماعيلي من رواية أبي عقيل عبد الله بن عقيل الثقفي عنه، وعقيل فيهما بفتح العين.
قوله: (يستسقى) بفتح أوله زاد ابن ماجة في روايته " على المنبر " وفي روايته أيضا " في المدينة".
قوله: (يجيش) بفتح أوله وكسر الجيم وآخره معجمة يقال: جاش الوادي إذا زخر بالماء، وجاشت القدر إذا غلت، وجاش الشيء إذا تحرك.
وهو كناية عن كثرة المطر.
قوله: (كل ميزاب) بكسر الميم وبالزاي معروف، وهو ما يسيل منه الماء مـن موضع عال.
ووقع في رواية الحموي " حتى يجيش لك " بتقديم اللام على الكاف وهو تصحيف.
@الحديث:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنَّى عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا قَالَ فَيُسْقَوْنَ
الشرح:
قوله: (حدثني الحسن بن محمد) هو الزعفراني والأنصاري شيخه يروي عنه البخاري كثيرا وربما أدخل بينهما واسطة كهذا الموضـع، ووهم من زعم أن البخاري أخرج هذا الحديث عن الأنصاري نفسه.
قوله: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا) بضم القاف وكسر المهملة أي أصابهم القحط، وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال " اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث.
فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس " وأخرج أيضا من طريق داود عن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال " استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب " فذكر الحديث وفيه " فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله " وفيه " فما برحوا حتى سقاهم الله " وأخرجه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال " عن أبيه " بدل ابن عمر، فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان، وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة، وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جدا من عدم المطر، وقد تقدم من رواية الإسماعيلي رفع حديث أنس المذكور في قصة عمر والعباس، وكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق محمد بن المثنى بالإسناد المذكور.
ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
*3*باب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب تحويل الرداء في الاستسقاء) ترجم لمشروعيته خلافا لمن نفاه، ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته كما سيأتي.
@الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فَقَلَبَ رِدَاءَهُ
الشرح:
قوله: (حدثنا إسحاق) هو ابن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وأخرجه من طريقه.
قوله: (عن محمد بن أبي بكر) أي ابن محمد بن عمرو بن حزم، وهو أخو عبد الله بن أبي بكر المذكور في الطريق الثانية من هذا الباب، وقد حدث به عن عباد أبوهما أبو بكر بن محمد بن عمرو كما سيأتي بعد خمسة عشر بابا.
قوله: (استسقى فقلب رداءه) ذكر الواقدي أن طول ردائه صلى الله عليه وسلم كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين.
ووقع في " شرح الأحكام لابن بزيزة " ذرع الرداء كالذي ذكره الواقدي في فرع الإزار، والأول أولى.
قال الزين بن المنير: ترجم بلفظ التحويل، والذي وقع في الطريقين اللذين ساقهما لفظ القلب، وكأنه أراد أنهما بمعنى واحد.
انتهى.
ولم تتفق الرواة في الطريق الثانية على لفظ القلب، فإن رواية أبي ذر " حول " وكذا هو في أول حديث في الاستسقاء، وكذلك أخرجه مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، وقد وقع بيان المراد من ذلك في " باب الاستسقاء بالمصلى " في زيادة سفيان عن المسعودي عن أبي بكر ابن محمد، ولفظه " قلب رداءه جعل اليمين على الشمال " وزاد فيه ابن ماجة وابن خزيمة من هذا الوجه " والشمال على اليمين " والمسعودي ليس من شرط الكتاب وإنما ذكر زيادته استطرادا، وسيأتي بيان كون زيادته موصولة أو معلقة في الباب المذكور إن شاء الله تعالى.
وله شاهد أخرجه أبو داود من طريق الزبيدي عن الزهري عن عباد بلفظ " فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن " وله من طريق عمارة بن غزية عن عباد " استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه " وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف، وزعم القرطبي كغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في " الأم " ما ذكرته.
والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي حنيفة وبعض المالكية لا يستحب شيء من ذلك، واستحب الجمهور أيضا أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عباد في هذا الحديث بلفظ " وحول الناس معه " وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده.
واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.
ثم إن ظاهر قوله " فقلب رداءه " أن التحويل وقع بعد فراغ الاستسقاء، وليس كذلك، بل المعنى فقلب رداءه في أثناء الاستسقاء.
وقد بينه مالك في روايته المذكورة ولفظه " حول رداءه حين استقبل القبلة " ولمسلم من رواية يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد " وإنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه " وأصله للمصنف كما سيأتي بعد أبواب، وله من رواية الزهري عن عباد " فقام فدعا الله قائما، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه"، فعرف بذلك أن التحويل وقع في أثناء الخطبة عند إرادة الدعاء.
واختلف في حكمة هذا التحويل: فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه.
قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك.
وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الدار قطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر، ورجح الدار قطني إرساله.
وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
وقال بعضهم: إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبَاهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ هُوَ صَاحِبُ الْأَذَانِ وَلَكِنَّهُ وَهْمٌ لِأَنَّ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ مَازِنُ الْأَنْصَارِ
الشرح:
قوله: (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة.
قوله: (قال عبد الله بن أبي بكر) أي قال قال، ويجوز أن يكون ابن عيينة حذف الصيغة مرة، وجرت عادتهم بحذف إحداهما من الخط، وفي حذفها من اللفظ بحث.
ووقع عند الحموي والمستملي بلفظ " عن عبد الله " وصرح ابن خزيمة في روايته بتحديث عبد الله به لابن عيينة.
قوله: (أنه سمع عباد بن تميم يحدث أباه) الضمير في قوله " أباه " يعود على عبد الله بن أبي بكر لا على عباد، وضبطه الكرماني بضم الهمزة وراء بدل الموحدة، أي أظنه.
ولم أر ذلك في شيء من الروايات التي اتصلت لنا.
ومقتضاه أن الراوي لم يجزم بأن رواية عباد له عن عمه.
ووقع في بعض النسخ من ابن ماجة عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن أبيه عن عبد الله بن زيد، وقوله "عن أبيه " زيادة وهي وهم، والصواب ما وقع في النسخ المعتمدة من ابن ماجة عن محمد بن الصباح، وكذا لابن خزيمة عن عبد الجبار بن العلاء كلاهما عن سفيان قال " حدثنا المسعودي ويحيى هو ابن سعيد عن أبي بكر أي ابن محمد بن عمرو بن حزم، قال سفيان فقلت لعبد الله - أي ابن أبي بكر - حديث حدثناه يحيى والمسعودي عن أبيك عن عباد بن تميم، فقال عبد الله بن أبي بكر: " سمعته أنا من عباد يحدث أبي عن عبد الله بن زيد ابن أبي بكر " فذكر الحديث 0 قوله: (خرج إلى المصلى فاستسقى) في رواية الزهري المذكورة " فخرج بالناس يستسقى"، ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا صفته صلى الله عليه وسلم حال الذهاب إلى المصلى وعلى وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت " شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحط المطر، فأمر بمنبر فوضـع له بالمصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر " الحديث.
وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن " خرج النبي صلى الله عليه وسلم متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فرقى المنبر " وفي حديث أبي الدرداء عند البزار والطبراني " قحط المطر، فسألنا نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقى لنا، فغدا نبي الله صلى الله عليه وسلم " الحديث.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهارية كالعيد، وإلا فلو كانت تصلي بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل.
ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلي في وقت الكراهة، وأفاد ابن حبان أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
قوله: (فاستقبل القبلة وحول رداءه) تقدم ما فيه قريبا.
قوله: (وصلى ركعتين) في رواية يحيى بن سعيد المذكورة عند ابن خزيمة " وصلى بالناس ركعتين " وفي رواية الزهري الآتية في " باب كيف حول ظهره ": " ثم صلى لنا ركعتين واستدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث عائشة وابن عباس المذكورين، لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدا بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجة حيث قال " فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة صلى الله عليه وسلم " والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني، وعن أحـمد رواية كذلك، ورواية " يخير"، ولم يقـع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدار قطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بسبـح وهل أتاك، وفي إسناده مقال، لكن أصله في السنن بلفظ " ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد " فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما.
ونقل الفاكهي شيخ شيوخنا عن الشافعي استحباب التكبير حال الخروج إليها كما في العيد، وهو غلط منه عليه، ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة فلذلك وقع الاختلاف.
وأما قول ابن بطال: إن رواية أبي بكر بن محمد دالة على تقديم الصلاة على الخطبة وهو أضبط من ولديه عبد الله ومحمد فليس ذلك بالبين من سياق البخاري ولا مسلم والله أعلم.
وقال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتها بالعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
وقد ترجم المصنف لهذا الحديث أيضا " الدعاء في الاستسقاء قائما واستقبال القبلة فيه " وحمله ابن العربي على حال الصلاة ثم قال: يحتمل أن يكون ذلك خاصا بدعاء الاستسقاء، ولا يخفى ما فيه، وقد ترجم له المصنف في الدعوات بالدعاء مستقبل القبلة من غير قيد بالاستسقاء، وكأنه ألحقه به، لأن الأصل عدم الاختصاص: وترجم أيضا لكونها ركعتين وهو إجماع عند من قال بها، ولكونها في المصلى، وقد استثنى الخفاف من الشافعية مسجد مكة كالعيد، وبالجهر بالقراءة في الاستسقاء، وبتحويل الظهر إلى الناس عند الدعاء وهو من لازم استقبال القبلة.
قوله: (قال أبو عبد الله) هو المصنف، وقوله: (كان ابن عيينة الخ) يحتمل أن يكون تعليقا، ويحتمل أن يكون سمع ذلك من شيخه علي بن عبد الله المذكور، ويرجح الثاني أن الإسماعيلي أخرجه عن جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد فقال: عن عبد الله بن زيد الذي أرى النداء، وكذا أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان، وتعقبه بأن ابن عيينة غلط فيه.
قوله: (لأن هذا) يعني راوي حديث الاستسقاء (عبد الله) أي هو عبد الله (ابن زيد بن عاصم) فالتقدير لأن هذا أي عبد الله بن زيد هو عبد الله بن زيد بن عاصم.
قوله: (مازن الأنصار) احتراز عن مازن تميم، وهو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، أو مازن قيس وهو مازن بن منصور بن الحارث بن خصفة بمعجمة ثم مهملة مفتوحتين ابن قيس بن عيلان، ومازن ابن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ومازن ضبة وهو مازن بن كعب بن ربيعة بن ثعلبة بن سعد ابن ضبة، ومازن شيبان وهو مازن بن ذهل بن ثعلبة بن شيبان وغيرهم.
قال الرشاطي: مازن في القبائل كثير، والمازن في اللغة بيض النمل وقد حذف البخاري مقابله والتقدير: وذاك أي عبد الله بن زيد رائي الأذان عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وقد اتفقا في الاسم واسم الأب والنسبة إلى الأنصاري ثم إلى الخزرج والصحبة والرواية، وافترقا في الجد والبطن الذي من الخزرج لأن حفيد عاصم من مازن وحفيد عبد ربه من بلحارث ابن الخزرج، والله أعلم.
*3*باب الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
@الشرح:
قوله: (باب الاستسقاء في المسجد الجامع) أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء لأن الملحوظ في الخروج المبالغة في اجتماع الناس، وذلك حاصل في المسجد الأعظم بناء على المعهود في ذلك الزمان من عدم تعدد الجامع، بخلاف ما حدث في هذه الأعصار في بلاد مصر والشام والله المستعان.
وقد ترجم له المصنف بعد ذلك " من اكتفى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء " وترجم له أيضا " الاستسقاء في خطبة الجمعة " فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، ومدار الطرق الثلاثة على شريك: فالأولى عن أبي ضمرة، والثانية عن مالك، والثالثة عن إسماعيل بن جعفر ثلاثتهم عن شريك.
وأخرجه أيضا من طرق أخرى عن أنس سنشير إليها عند النقل لزوائدها إن شاء الله تعالى.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا قَالَ أَنَسُ وَلَا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةً وَلَا شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالْآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شَرِيكٌ فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ لَا أَدْرِي
الشرح:
قوله: (أن رجلا) لم أقف على تسميته في حديث أنس، وروى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور وسأذكر بعض سياقه بعد قليل، وروى البيهقي في الدلائل من طريق مرسلة ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ولكن رواه ابن ماجة من طريق شرحبيل بن السمط أنه " قال لكعب بن مرة: يا كعب حدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحذر، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق الله عز وجل، فرفع يديه فقال: اللهم اسقنا " الحديث.
ففي هذا أنه غير كعب، وسيأتي بعد أبواب في هذه القصة " فأتاه أبو سفيان " ومن ثم زعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب، وهو وهم لأنه جاء في واقعة أخرى كما سنوضحه إن شاء الله تعالى في " باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين " وقد تقدم في الجمعة من رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس " أصاب الناس سنة - أي جدب - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قام أعرابي " وسيأتي من رواية يحيى بن سعيد عن أنس " أتى رجل أعرابي من أهل البدو " وأما قوله في رواية ثابت الآتية في " باب الدعاء إذا كثر المطر " عن أنس " فقام الناس فصاحوا " فلا يعارض ذلك، لأنه يحتمل أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وقد وقع في رواية ثابت أيضا عند أحمد " إذ قال بعض أهل المسجد " وهي ترجح الاحتمال الأول.
قوله: (من باب كان وجاه المنبر) بكسر واو وجاه ويجوز ضمها أي مواجهة، ووقع في شرح ابن التين أن معناه مستدبر القبلة، وهو وهم، وكأنه ظن أن الباب المذكور كان مقابل ظهر المنبر، وليس الأمر كذلك.
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر " من باب كان نحو دار القضاء " وفسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن عمر، وذكر عمر بن شبة في " أخبار المدينة " عن أبي غسان المدني: سمعت ابن أبي فديك عن عمه كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعاها عند وفاته في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تسمى دار القضاء.
قال ابن أبي فديك سمعت عمي يقول: إن كانت لتسمى دار قضاء الدين.
قال وأخبرني عمي أن الخوخة الشارعة في دار القضاء غربي المسجد هي خوخة أبو بكر الصديق التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبقى في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر " وقد صارت بعد ذلك إلى مروان وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال إنها دار الإمارة فلا يكون غلطا كما قال صاحب المطالع وغيره، وجاء في تسميتها دار القضاء قول آخر رواه عمر بن شبة في " أحبار المدينة " عن أبي غسان المدني أيضا عن عبد العزيز بن عمران عن راشد بن حفص عن أم الحكم بنت عبد الله عن عمتها سهلة بنت عاصم قالت: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف وإنما سميت دار القضاء لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى حتى قضي الأمر فيها فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان.
قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيرها السفاح رحبة للمسجد.
وزاد أحمد في رواية ثابت عن أنس " إني لقائم عند المنبر " فأفاد بذلك قوة ضبطه للقصة لقربه، ومن ثم لم يرد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته.
قوله: (قائم يخطب) زاد في رواية قتادة في الأدب " بالمدينة".[/font:cee

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 3:41 am


وفي رواية حميد عند ابن خزيمة " واحتبس الركبان " وفي رواية مالك عن شريك " تهدمت البيوت " وفي رواية إسحاق الآتية " هدم البناء وغرق المال".
قوله: (فادع الله يمسكها) يجوز في يمسكها الضم والسكون، وللكشميهني هنا " أن يمسكها " والضمير يعود على الأمطار أو على السحاب أو على السماء، والعرب تطلق على المطر سماء، ووقع في رواية سعيد عن شريك " أن يمسك عنا الماء " وفي رواية أحمد من طريق ثابت " أن يرفعها عنا " وفي رواية قتادة في الأدب " فادع ربك أن يحبسها عنا.
فضحك " وفي رواية ثابت " فتبسم " زاد في رواية حميد " لسرعة ملال ابن آدم".
قوله: (فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه) تقدم الكلام عليه قريبا.
قوله: (اللهم حوالينا) بفتح اللام وفيه حذف تقديره اجعل أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
قوله: (ولا علينا) فيه بيان للمراد بقوله " حوالينا " لأنها تشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله " ولا علينا".
قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليست الواو مخلصة للعطف ولكنها للتعليل، وهو كقولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودا لعينه ولكن لكونه مانعا عن الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك أنفا اهـ.
قوله: (اللهم على الآكام) فيه بيان المراد بقوله " حوالينا " والإكام بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد: جمع أكمة بفتحات، قال ابن البرقي: هو التراب المجتمـع.
وقال الداودي: هي أكبر من الكدية.
وقال القزاز: هي التي من حجر واحد وهو قول الخليل.
وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل الجبل الصغير، وقيل ما ارتفـع من الأرض.
وقال الثعالبي: الأكمة أعلى من الرابية وقيل دونها.
قوله: (والظراب) بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ظرب بكسر الراء وقد تسكن.
وقال القزاز: هو الجبل المنبسط ليس بالعالي.
وقال الجوهري: الرابية الصغيرة.
قوله: (والأودية) في رواية مالك " بطون الأودية " والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم تسمـع أفعلة جمـع فاعل إلا الأودية جمـع واد وفيه نظر، وزاد مالك في روايته ورءوس الجبال.
قوله: (فانقطعت) أي السـماء أو السحابة الماطرة، والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة.
وفي رواية مالك " فانجابت عن المدينة انجياب الثوب " أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه.
وفي رواية سعيد عن شريك " فما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئا " والمراد بقوله " ما نرى منه شيئا " أي في المدينة، ولمسلم في رواية حفص " فلقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا حين تطوى " والملا بضم الميم والقصر وقد يمد جمـع ملاءة وهو ثوب معروف.
وفي رواية قتادة عند المصنف " فلقد رأيت السحاب ينقطع يمينا وشمالا يمطرون - أي أهل النواحي - ولا يمطر أهل المدينة " وله في الأدب " فجعل السحاب يتصدع عن المدينة - وزاد فيه - يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته " وله في رواية ثابت عن أنس " فتكشطت - أي تكشفت - فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وأنها لمثل الإكليل صلى الله عليه وسلم " ولأحمد من هذا الوجه " فتقور ما فوق رءوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل " والإكليل بكسر الهمزة وسكون الكاف كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك كالتاج.
وفي رواية إسحاق عن أنس " فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة " والجوبة بفتح الجيم ثم الموحدة وهي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا الفرجة في السحاب.
وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس، وضبطها الزين بن المنير تبعا لغيره بنون بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذ ظهرت في خلال السحاب.
لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صحف.
وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضا " وسال الوادي - وادي قناة - شهرا، وقناة بفتح القاف والنون الخفيفة علم على أرض ذات مزارع بناحية أحد، وواديها أحد أودية المدينة المشهورة قاله الحازمي.
وذكر محمد بن الحسن المخزومي في " أخبار المدينة " بإسناد له أن أول من سماه وادي قناة تبـع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام.
وفي رواية له أن تبعا بعث رائدا ينظر إلى مزارع المدينة فقال: نظرت فإذا قناة حب ولا تبن، والجرف حب وتبن، والحرار - يعني جمع حرة بمهملتين - لا حب ولا تبن اهـ.
وتقدم في الجمعة من هذا الوجه " وسال الوادي قناة " وأعرب بالضم على البدل على أن قناة اسم الوادي ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره.
وقرأت بخط الرضى الشاطبي قال: الفقهاء تقوله بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات، وليس كذلك اهـ.
وهذا الذي ذكره قد جزم به بعض الشراح وقال: هو على التشبيه.
أي سال مثل القناة.
وقوله في الرواية المذكورة " إلا حدث بالجود " هو بفتح الجيم المطر الغزير، وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة، فقد يشكل بأنه يستلزم أن قول السائل " هلكت الأموال وانقطعت السبل " لم يرتفـع الإهلاك ولا القطع وهو خلاف مطلوبه، ويمكن الجواب بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الإكام والظراب وبطون الأودية لا في الطرق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تكنها وترعى فيها بحيث لا يضرها المطر فيزول الإشكال.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تنقطع بالمطر، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس، " كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم " وسؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك، ومن أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه فترجى الإجابة عنده، وفيه تكرار الدعاء ثلاثا، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل فيه ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدل على أنه نواها مع الجمعة، وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء وانتهاء في الاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة، وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وبقاء النفع، ويستنبط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة.
وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل وإن كان مقام الأفضل التفويض صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بما وقع لهم من الجدب، وأخر السؤال في ذلك تفويضا لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بيانا للجواز وتقرير السنة في هذه العبادة الخاصة، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة نفع الله به.
وفيه جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجبا من أحوال الناس، وجواز الصياح في المسجد بسبب الحاجة المقتضية لذلك.
وفيه اليمين لتأكيد الكلام، ويحتمل أن يكون ذلك جرى على لسان أنس بغير قصد اليمين، واستدل به على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء لا تشرع فيه صلاة، فأما الأول فقال به الشافعي وكرهه سفيان الثوري، وأما الثاني فقال به أبو حنيفة كما تقدم، وتعقب بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد بينت في واقعة أخرى كما تقدم، واستدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء قاله ابن بطال، وتعقب بما سيأتي في رواية يحيى بن سعيد " ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون " وقد استدل به المصنف في الدعوات على رفع اليدين في كل دعاء.
وفي الباب عدة أحاديث جمعها المنذري في جزء مفرد وأورد منها النووي في صفة الصلاة في شرح المهذب قدر ثلاثين حديثا، وسنذكر وجه الجمع بينها وبين قول أنس " كان لا يرفع يديه إلا في الاستسقاء " بعد أربعة عشر بابا إن شاء الله تعالى.
وفيه جواز الدعاء بالاستصـحاء للحاجة، وقد ترجم له البخاري بعد ذلك.
*3*باب الِاسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ
@الشرح:
قوله: (باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة) أورد فيه حديث أنس المذكور من طريق إسماعيل بن جعفر عن شريك المذكور، وقد تقدمت فوائده في الذي قبله قوله فيه " يوم الجمعة " في رواية كريمة " يوم جمعة " بالتنكير.
*3*باب الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ
@الشرح:
قوله: (باب الاستسقاء على المنبر) أورد فيه الحديث المذكور أيضا من رواية قتادة عن أنس، وقد تقدمت فوائده أيضا.
*3*باب مَنْ اكْتَفَى بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء) أورد فيه الحديث المذكور أيضا من طريق مالك عن شريك وقد تقدم ما فيه أيضا، وقوله فيه " فدعا فمطرنا " في رواية الأصيلي " فادع الله " بدل فدعا، وكل من اللفظين مقدر فيما لم يذكر فيه، وفيه تعقب على من استدل به لمن يقول: لا تشرع الصلاة للاستسقاء، لأن الظاهر ما تضمنته الترجمة.
*3*باب الدُّعَاءِ إِذَا تَقَطَّعَتْ السُّبُلُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ
@الشرح:
قوله: (باب الدعاء إذا انقطعت السبل من كثرة المطر) أورد فيه الحديث المذكور أيضا من طريق أخرى عن مالك، وقد تقدم ما فيه.
ومراده بقوله " من كثرة المطر " أي وسائر ما ذكر في الحديث مما يشرع الاستصحاء عند وجوده، وظاهره أن الدعاء بذلك متوقف على سبق السقيا، وكلام الشافعي في " الأم " يوافقه وزاد: أنه لا يسن الخروج للاستصحاء ولا الصلاة ولا تحويل الرداء، بل يدعي بذلك في خطبة الجمعة أو في أعقاب الصلاة، وفي هذا تعقب على من قال من الشافعية إنه ليس قول الدعاء المذكور في أثناء خطبة الاستسقاء لأنه لم ترد به السنة.
*3*باب مَا قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
@الشرح:
قوله: (باب ما قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحول رداءه الخ) إنما عبر عنه بلفظ " قيل " مع صحة الخبر لأن الذي قال في الحديث " ولم يذكر أنه حول رداءه " يحتمل أن يكون هو الراوي عن أنس أو من دونه فلأجل هذا التردد لم يجزم بالحكم، وأيضا فسكوت الراوي عن ذلك لا يقتضي نفي الوقوع.
وأما تقييده بقوله " يوم الجمعة " فليبين أن قوله فيما مضى " باب تحويل الرداء في الاستسقاء " أي الذي يقام في المصلى.
وهذا السياق الذي أورده المصنف لهذا الحديث في هذا الباب مختصر جدا، وسيأتي مطولا من الوجه المذكور بعد اثني عشر بابا، وفيه " يخطب على المنبر يوم الجمعة".
*3*باب إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الْإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدَّهُمْ
@الشرح:
قوله: (باب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقى ثم لم يردهم) أورد فيه الحديث المذكور من وجه آخر عن مالك أيضا، قال الزين بن المنير: تقدم له " باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا " والفرق بين الترجمتين أن الأولى لبيان ما على الناس أن يفعلوه إذا احتاجوا إلى الاستسقاء، والثانية لبيان ما على الإمام من إجابة سـؤالهم.
*3*باب إِذَا اسْتَشْفَعَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْقَحْطِ
@الشرح:
قوله: (باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط) قال الزين بن المنير: ظاهر هذه الترجمة منع أهل الذمة من الاستبداد بالاستسقاء، كذا قال، ولا يظهر وجه المنع من هذا اللفظ.
واستشكل بعض شيوخنا مطابقة حديث ابن مسعود للترجمة، لأن الاستشفاع إنما وقع عقب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بالقحط، ثم سئل أن يدعو برفع ذلك ففعل، فنظيره أن يكون إمام المسلمين هو الذي دعا على الكفار بالجدب فأجيب، فجاءه الكفار يسألونه الدعاء بالسقيا.
انتهـى.
ومحصلة أن الترجمة أعم من الحديث، ويمكن أن يقال، هي مطابقة لما وردت فيه، ويلحق بها بقية الصور، إذ لا يظهر الفرق بين ما إذا استشفعوا بسبب دعائه أو بابتلاء الله لهم بذلك، فإن الجامع بينهما ظهور الخضوع منهم والذلة للمؤمنين في التماسهم منهم الدعاء لهم، وذلك من مطالب الشرع.
ويحتمل أن يكون ما ذكره شيخنا هو السبب في حذف المصنف جواب " إذا " من الترجمة ويكون التقدير في الجواب مثلا: أجابهم مطلقا، أو أجابهم بشرط أن يكون هو الذي دعا عليهم، أو لم يجبهم إلى ذلك أصلا.
ولا دلالة فيما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة على مشروعية ذلك لغيره، إذ الظاهر أن ذلك من خصائصه لاطلاعه على المصلحة في ذلك بخلاف من بعده من الأئمة، ولعله حذف جواب " إذا " لوجود هذه الاحتمالات.
ويمكن أن يقال: إذا رجا إمام المسلمين رجوعهم عن الباطل أو وجود نفع عام للمسلمين شرع دعاؤه لهم والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ إِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَئُوا عَنْ الْإِسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ جِئْتَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ فَقَرَأَ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَزَادَ أَسْبَاطٌ عَنْ مَنْصُورٍ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُقُوا الْغَيْثَ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ الْمَطَرِ قَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَانْحَدَرَتْ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ
الشرح:
قوله: (عن مسروق قال: أتيت ابن مسعود) سيأتي في تفسير الروم بالإسناد المذكور في أوله " بينما رجل يحدث في كندة فقال يجيء دخان يوم القيامة " فذكر القصة وفيها " ففزعنا فأتيت ابن مسعود " الحـديث.
قوله: (فقال: إن قريشا أبطئوا) سيأتي في الطريق المذكورة إنكار ابن مسعود لما قاله القاص المذكور، وسنذكر في تفسير سورة الدخان ما وقع لنا في تسمية القاص المذكور وأقوال العلماء في المراد بقوله تعالى (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) مع بقية شرح هذا الحديث، ونقتصر في هذا الباب على ما يتعلق بالاستسقاء ابتداء وانتهاء.
قوله: (فدعا عليهم) تقدم في أوائل الاستسقاء صفة ما دعا به عليهم وهو قوله " اللهم سبعا كسبع يوسف " وهو منصوب بفعل تقديره أسألك، أو سلط عليهم.
وسيأتي في تفسير سورة يوسف بلفظ " اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف " وفي سورة الدخان " اللهم أعني عليهم الخ " وأفاد الدمياطي أن ابتداء دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بذلك كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور الذي تقدمت قصته في الطهارة وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بذلك بعدها بالمدينة في القنوت كما تقدم أوائل الاستسقاء من حديث أبي هريرة، ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مرارا، والله أعلم.
قوله: (فجاءه أبو سفيان) يعني الأموي والد معاوية، والظاهر أن مجيئه كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود " ثم عادوا، فذلك قوله: (يوم نبطش البطشة الكبرى) يوم بدر " ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر، وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك فلذلك قال " وأبيض يستسقى الغمام بوجهه " البيت، لكن سيأتي بعد هذا بقليل ما يدل على أن القصة المذكورة وقعت بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل جدا والله المستعان.
قوله: (جئت تأمر بصلة الرحم) يعني والذين هلكوا بدعائك من ذوي رحمك فينبغي أن تصل رحمك بالدعاء لهم، ولم يقـع في هذا السياق التصريح بأنه دعا لهم، وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة "ص" بلفظ " فكشف عنهم ثم عادوا " وفي سورة الدخان من وجه آخر بلفظ " فاستسقى لهم فسقوا " ونحوه في رواية أسباط المعلقة.
قوله: (بدخان مبين الآية) سقط قوله الآية لغير أبي ذر، وسيأتي ذكر بقية اختلاف الرواية في تفسير سورة الدخان.
قوله: (يوم نبطش البطشة الكبرى) زاد الأصيلي بقية الآية.
قوله: (وزاد أسباط) هو ابن نصر، ووهم من زعم أنه أسباط بن محمد.
قوله: (عن منصور) يعني بإسناده المذكور قبله إلى ابن مسعود وقد وصله الجوزقي والبيهقي من رواية علي بن ثابت عن أسباط بن نصر عن منصور وهو ابن المعتمر عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود قال " لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدبارا " فذكر نحو الذي قبله وزاد " فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث " الحديث.
وقد أشاروا بقولهم " بعثت رحمة " إلى قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .
قوله: (فسقوا الناس حولهم) كذا في جميع الروايات في الصحيح بضم السين والقاف وهو على لغة بني الحارث.
وفي رواية البيهقي المذكورة " فأسقى الناس حولهم " وزاد بعد هذا " فقال - يعني ابن مسعود - لقد مرت آية الدخان وهو الجوع الخ " وقد تعقب الداودي وغيره هذه الزيادة ونسبوا أسباط بن نصر إلى الغلط في قوله " وشكا الناس كثرة المطر الخ " وزعموا أنه أدخل حديثا في حديث، وأن الحديث الذي فيه شكوى كثرة المطر وقوله " اللهم حوالينا ولا علينا " لم يكن في قصة قريش وإنما هو في القصة التي رواها أنس، وليس هذا التعقب عندي بجيد إذ لا مانع أن يقـع ذلك مرتين، والدليل على أن أسباط بن نصر لم يغلط ما سيأتي في تفسير الدخان من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى في هذا الحديث " فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت.
قال: لمضر؟ إنك لجريء.
فاستسقى فسقوا " اهـ.
والقائل " فقيل " يظهر لي أنه أبو سفيان لما ثبت في كثير من طرق هذا الحديث في الصحيحين " فجاءه أبو سفيان " ثم وجدت في الدلائل للبيهقي من طريق شبابة عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم عن أبي الجعد عن شرحبيل بن السمط عن كعب بن مرة - أو مرة بن كعب - قال " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك فإنهم قد هلكوا " ورواه أحمد وابن ماجة من رواية الأعمش عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد عن كعب بن مرة ولم يشك، فأبهم أبا سفيان قال " جاءه رجل فقال استسق الله لمضر، فقال: إنك لجريء، ألمضر؟ قال: يا رسول الله استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك، فرفع يديه فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا مريئا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار، قال فأجيبوا، فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر فقالوا: قد تهدمت البيوت، فرفع يديه وقال: " اللهم حوالينا ولا علينا، فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا " فظهر بذلك أن هذا الرجل المبهم المقول له " إنك لجريء " هو أبو سفيان، لكن يظهر لي أن فاعل " قال يا رسول الله استنصرت الله الخ " هو كعب ابن مرة راوي هذا الخبر لما أخرجه أحمد أيضا والحاكم من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة بهذا الإسناد إلى كعب قال " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر.
فأتيته فقلت: يا رسول الله، إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا " الحديث، فعلى هذا كأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا، فكلمه أبو سفيان بشيء وكعب بشيء، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله إنك لجريء، ومن قوله " فقال: اللهم حوالينا ولا علينا " وغير ذلك.
وظهر بذلك أن أسباط بن نصر لم يغلط في الزيادة المذكورة ولم ينتقل من حديث إلى حديث، وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع في المدينة بقوله " استنصرت الله فنصرك " لأن كلا منهما كان بالمدينة بعد الهجرة، لكن لا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصة مع قصة أنس، بل قصة أنس واقعة أخرى لأن في رواية أنس " فلم يزل على المنبر حتى مطروا " وفي هذه " فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا " والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك فهما قصتان وقع في كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء ثم طلب الدعاء بالاستصحاء، وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله " استنصرت الله فنصرك " على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم.
وإني ليكثر تعجبي من كثرة إقدام الدمياطي على تغليط ما في الصحيح بمجرد التوهم، مع إمكان التصويب بمزيد التأمـل، والتنقيب عن الطرق، وجمع ما ورد في الباب من اختلاف الألفاظ، فلله الحمد على ما علم وأنعم.
*3*باب الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا
@الشرح:
قوله: (باب الدعاء إذا كثر المطر: حوالينا ولا علينا) كان التقدير أن يقول حوالينا، وتكلف له الكرماني إعرابا آخر، وأورد فيه حديث أنس من طريق ثابت عنه، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى، إنما اختار لهذه الترجمة رواية ثابت لقوله فيها " وما تمطر بالمدينة قطرة " لأن ذلك أبلغ في انكشاف المطر، وهذه اللفظة لم تقـع إلا في هذه الرواية، وقوله فيها " وانكشطت " كذا للأكثر، ولكريمة " فكشطت " على البناء للمجهول.
*3*باب الدُّعَاءِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَائِمًا
@الشرح:
قوله: (باب الدعاء في الاستسقاء قائما) أي في الخطبة وغيرها، قال ابن بطال: الحكمة فيه كونه حال خشوع وإنابة فيناسبه القيام.
وقال غيره: القيام شعار الاعتناء والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء فناسبه القيام، ويحتمل أن يكون قام ليراه الناس فيقتدوا بما يصنع.
@الحديث:
وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَاسْتَسْقَى فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاسْتَغْفَرَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح:
قوله: (وقال لنا أبو نعيم) قال الكرماني تبعا لغيره: الفرق بين " قال لنا " و " حدثنا " أن القول يستعمل فيما يسمـع من الشيخ في مقام المذاكرة، والتحديث فيما يسمـع في مقام التحمل اهـ.
لكن ليس استعمال البخاري لذلك منحصرا في المذاكرة فإنه يستعمله فيما يكون ظاهره الوقف، وفيما يصلح للمتابعات، لتخلص صيغة التحديث لما وضـع الكتاب لأجله من الأصول المرفوعة.
والدليل على ذلك وجود كثير من الأحاديث التي عبر فيها في الجامع بصيغة القول معبرا فيها بصيغة التحديث في تصانيفه الخارجة عن الجامع.
قوله: (عن زهير) هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي، وأبو إسحاق هو السبيعي.
قوله: (خرج عبد الله بن يزيد الأنصاري) يعني إلى الصحراء يستسقى، وذلك حيث كان أميرا على الكوفة من جهة عبد الله بن الزبير في سنة أربع وستين قبل غلبة المختار بن أبي عبيد عليها، ذكر ذلك ابن سعد وغيره، وقد روى هذا الحديث قبيصة عن الثوري عن أبي إسحاق قال " بعث ابن الزبير إلى عبد الله ابن يزيد الخطمي أن استسق بالناس، فخرج وخرج الناس معه وفيهم زيد بن أرقم والبراء بن عازب " أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه وخالفه عبد الرزاق عن الثوري فقال فيه " إن ابن الزبير خرج يستسقى بالناس " الحديث، وقوله إن ابن الزبير هو الذي فعل ذلك وهم، وإنما الذي فعله هو عبد الله بن يزيد بأمر ابن الزبير، وقد وافق قبيصة عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري على ذلك.
قوله: (فقام بهم) في رواية أبي الوقت وأبي ذر " لهم".
قوله: (فاستشقى) في رواية أبي الوقت " فاستغفر".
(فائدة) : أورد الحميدي في " الجمـع " هذا الحديث فيما انفرد به البخاري ووهم في ذلك، وسببه أن رواية مسلم وقعت في المغازي ضمن حديث لزيد بن أرقم.
قوله: (ثم صلى ركعتين) ظاهره أنه أخر الصلاة عن الخطبة، وصرح بذلك الثوري في رواية وخالفه شعبة فقال في روايته عن أبي إسحاق " أن عبد الله بن يزيد خرج يستسقى بالناس فصلى ركعتين ثم استسقى " أخرجه مسلم، وقد تقدم في أوائل الاستسقاء ذكر الاختلاف في ذلك وأن الجمهور ذهبوا إلى تقديم الصلاة، وممن اختار تقديم الخطبة ابن المنذر، وصرح الشيخ أبو حامد وغيره بأن هذا الخلاف في الاستحباب لا في الجواز.
قوله: (ولم يؤذن ولم يقم) قال ابن بطال: اجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء والله أعلم.
قوله: (قال أبو إسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النبي صلى الله عليه وسلم) كذا للأكثر، وللحموي وحده " وروى عبد الله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم " ثم وجدته كذلك في نسخة الصغاني، فإن كانت روايته محفوظة احتمل أن يكون المراد أنه روى هذا الحديث بعينه، والأظهر أن مراده أنه روى في الجملة فيوافق قوله رأى لأن كلا منهما يثبت له الصحبة، أما سماع هذا الحديث فلا.
وقوله "قال أبو إسحاق " هو موصول، وقد رواه الإسماعيلي من رواية أحمد بن يونس وعلى بن الجعدي عن زهير وصرحا باتصاله إلى أبي إسحاق، وكـأن السر في إيراد هذا الموقوف هنا كونه يفسر المراد بقوله في الرواية المرفوعة بعده " فدعا الله قائما " أي كان على رجليه لا على المنبر، والله أعلم.
*3*باب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء) أي في صلاتها، ونقل ابن بطال أيضا الإجماع عليه.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ
الشرح:
قوله: (ثم صلى ركعتين يجهر) في رواية كريمة والأصيلي " جهر " بلفظ الماضي.
*3*باب كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ
@الشرح:
قوله: (باب كيف حول النبي صلى الله عليه وسلم ظهره إلى الناس) أورد فيه الحديث المذكور وفيه " فحول إلى الناس ظهره " وقد استشكل لأن الترجمة لكيفية التحويل والحديث دال على وقوع التحويل فقط، وأجاب الكرماني بأن معناه حوله حال كونه داعيا، وحمل الزين بن المنير قوله " كيف " على الاستفهام فقال: لما كان التحويل المذكور لم يتبين كونه من ناحية اليمين أو اليسار احتاج إلى الاستفهام عنه اهـ، والظاهر أنه لما لم يتبين من الخبر ذلك كأنه يقول هو على التخيير، لكن المستفاد من خارج أنه التفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمن في شأنه كله، ثم إن محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعـاء.
@الحديث:
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ
الشرح:
قوله: (ثم حول رداءه) ظاهره أن الاستقبال وقع سابقا لتحويل الرداء، وهو ظاهر كلام الشافعي، ووقع في كلام كثير من الشافعية أنه يحوله حال الاستقبال، والفرق بين تحويل الظهر والاستقبال أنه في ابتداء التحويل وأوسطه يكون منحرفا حتى يبلغ الانحراف غايته فيصير مستقبلا.
*3*باب صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ
@الشرح:
قوله: (باب صلاة الاستسقاء ركعتين) هو مجرور على البدل من صلاة المجرور بالإضافة، والتقدير صلاة ركعتين في الاستسقاء، أو هو عطف بيان أو منصوب بمقدر، وقد تقدم حديث الباب في " باب تحويل الرداء " وقوله فيه " عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم " في رواية أبي الوقت " سمع النبي صلى الله عليه وسلم".
*3*باب الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْمُصَلَّى
@الشرح:
قوله: (باب الاستسقاء في المصلى) هذه الترجمة أخص من الترجمة المتقدمة أول الأبواب وهي " باب الخروج إلى الاستسقاء " لأنه أعم من أن يكون إلى المصلى، ووقع في رواية هذا الباب تعيين الخروج إلى الاستسقاء إلى المصلى، بخلاف تلك فناسب كل رواية ترجمتها.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ قَالَ سُفْيَانُ فَأَخْبَرَنِي المَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ
الشرح:
قوله: (قال سفيان) هو ابن عيينة، وهو متصل بالإسناد الأول، ووهم من زعم أنه معلق كالمزي حيث علم على المسعودي في التهذيب علامة التعليق، فإنه عند ابن ماجة من وجه آخر عن سفيان عن المسعودي، وكذا قول ابن القطان لا ندري عمن أخذه البخاري قال: ولهذا لا يعد أحد المسعودي في رجاله، وقد تعقبه ابن آلموا بأن الظاهر أنه أخذه عن عبد الله بن محمد شيخه فيه، ولا يلزم من كونهم لم يعدوا المسعودي في رحاله أن لا يكون وصل هذا الموضع عنه لأنه لم يقصد الرواية عنه، وإنما ذكر الزيادة التي زادها استطرادا، وهو كما قال.
قوله: (عن أبي بكر) يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم بإسناده وهو عن عباد بن تميم عن عمه، وزعم ابن القطان أيضا أنه لا يدري عمن أخذ أبو بكر هذه الزيادة اهـ.
وقد بين ذلك ما أخرجه ابن ماجة وابن خزيمة من طريق سفيان بن عيينة وفيه بيان كون أبي بكر رواها عن عباد بن تميم عن عمه، وكذا أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة مبينا.
قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدل على أن الصلاة قبل الخطبة لأنه ذكر أنه صلى قبل قلب ردائه، قال: وهو أضبط للقصة من ولده عبد الله بن أبي بكر حيث ذكر الخطبة قبل الصلاة.
*3*باب اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@الشرح:
قوله: (باب استقبال القبلة في الاستسقاء) أي في أثناء الخطبة التي تقع من أجله في المصلى.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنِيٌّ وَالْأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ
الشرح:
قوله: (حدثنا محمد) بين أبو ذر في روايته أنه ابن سلام.
قوله: (حدثنا عبد الوهاب) هو ابن عبد المجيد الثقفي.
قوله: (خرج إلى المصلى يصلي) في رواية المستملي " يدعو".
قوله: (وأنه لما دعا أو أراد أن يدعو) الشك من الراوي ويحتمل أنه يحيى بن سعيد فقد رواه السراج من طريق يحيى بن أيوب عنه بالشك أيضا ورواه مسلم من رواية سليمان بن بلال عنه فلم يشك كما تقدم في " باب تحويل الرداء " وكأنه كان يشك فيه تارة ويجزم به أخرى، وتقدم الكلام على بقية فوائده هناك.
قوله: (قال أبو عبد الله) هو المصنف.
قوله: (عبد الله بن زيد هذا مازني) يعني راوي حديث الاستسقاء، والأول كوفي وهو ابن يزيد، كذا وقعت هذه الزيادة في رواية الكشميهني وحده هنا، وأليق المواضـع بها " باب الدعاء في الاستسقاء قائما " فإن فيه عن عبد الله بن يزيد حديثا وعن عبد الله بن زيد حديثا، فيحسن بيان تغايرهما حيث ذكرا جميعا، وأما هذا الباب فليس فيه لعبد الله بن يزيد ذكر، ولعل هذا من تصرف الكشميهني وكأنه رآه في ورقة مفردة فكتبه في هذا الموضع احتياطا، ويمكن أن يكون قوله " والأول " أي الذي مضى في " باب الدعاء في الاستسقاء " هو ابن يزيد بزيادة الياء في أول اسم أبيه.
*3*باب رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الْإِمَامِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
@قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَاشِيَةُ هَلَكَ الْعِيَالُ هَلَكَ النَّاسُ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ يَدْعُو وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ قَالَ فَمَا خَرَجْنَا مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى مُطِرْنَا فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَشِقَ الْمُسَافِرُ وَمُنِعَ الطَّرِيقُ وَقَالَ الْأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَشَرِيكٍ سَمِعَا أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ
الشرح:
قوله: (باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء) تضمنت هذه الترجمة الرد على من زعم أنه يكتفي بدعاء الإمام في الاستسقاء، وقد أشرنا إليه قريبا.
قوله: (وقال أيوب بن سليمان) أي ابن بلال، وهو من شيوخ البخاري، إلا أنه ذكر هذه الطريق عنه بصيغة التعلق، وقد وصلها الإسماعيلي وأبو نعيم والبيهقي من طريق أبي إسماعيل الترمذي عن أيوب، وقد تقدم الكلام على بقية المتن في " باب تحويل الرداء".
قوله: (فأتى الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بشق المسافر) كذا للأكثر بفتح الموحدة وكسر المعجمة بعدها قاف، واختلف في معناه فوقع في البخاري بشق أي مل، وحكى الخطابي أنه وقع فيه بشق اشتد أي اشتد عليه الضرر.
وقال الخطابي: بشق ليس بشيء، وإنما هو " لثق " يعني بلام ومثلثة بدل الموحدة والشين يقال: لثق الطريق أي صار ذا وحل ولثق الثوب إذا أصابه ندى المطر.
قلت وهو رواية أبي إسماعيل التي ذكرناها.
قال الخطابي: ويحتمل أن يكون مشق بالميم بدل الموحدة أي صارت الطريق زلقة، ومنه مشق الخط والميم والباء متقاربتان.
وقال ابن بطال: لم أجد لبشق في اللغة معنى.
وفي نوادر اللحياني: نشق بالنون أي نشب، انتهى.
وفي النون والقاف من مجمل اللغة لابن فارس وكذا في الصحاح: نشق الظبي في الحبالة أي علق فيها، ورجل نشق إذا كان ممن يدخل في أمور لا يتخلص منها.
ومقتضى كلام هؤلاء أن الذي وقع في رواية البخاري تصحيف، وليس كذلك بل له وجه في اللغة لا كما قالوا، ففي " المنضد " لكراع بشق بفتح الموحدة تأخر ولم يتقدم، فعلى هذا فمعنى بشق هنا ضعف عن السفر وعجز عنه كضعف الباشق وعجزه عن الصيد لأنه ينفر الصيد ولا يصيد.
وقال أبو موسى في ذيل الغريبين صلى الله عليه وسلم الباشق طائر معروف، فلو اشتق منه فعل فقيل بشق لما امتنع، قال: ويقال بشق الثوب وبشكه قطعه في خقة، فعلى هذا يكون معنى بشق أي قطع به من السير، انتهـى كلامه.
وأما ما وقع في بعض الروايات بثق بموحدة ومثلثة فلم أره في شيء مما اتصل بنا، وهو تصحيف، فإن البثق الانفجار ولا معنى له هنا.
قوله: (وقال الأويسي) هو عبد العزيز بن عبد الله، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير المدني أخو إسماعيل.
وهذا التعليق ثبت هنا للمستملي وثبت لأبي الوقت وكريمة في آخر الباب الذي بعده، وسقط للباقين رأسا لأنه مذكور عند الجميع في كتاب الدعوات، وقد وصله أبو نعيم في المستخرج كما سيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
*3*باب رَفْعِ الْإِمَامِ يَدَهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ
[color:6cbb=g

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 3:48 am


[b]كتاب الإيمان من


فتح الباري


شرح صحيح البخاري



للحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي




فصل (1) .
قال البخاري : الإيمان قول وفعل .
قال زين الدين ابن رجب رحمه الله .
وأكثر العلماء قالوا : هو قول وعمل . وهذا كله إجماع من السلف وعلماء أهل الحديث . وقد حكى الشافعي إجماع الصحابة والتابعين عليه وحكى أبو ثور الإجماع عليه أيضا .
وقال الأوزراعي : كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل وحكاه غير واحد من سلف العلماء عن أهل السنة والجماعة . وممن حكى ذلك عن أهل السنة والجماعة : الفضيل بن عياض ، ووكيع بن الجراح .
وممن روي عنه أن الإيمان قول وعمل : الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وعطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد(2) ، وإسـحاق ، وأبي عبيد ، وأبي ثور وغيرهم حتى قال كثير منهم : إن الرقبة المؤمنة لا تجزىء في الكفارة حتى يؤخذ منها الإقرار وهو الصلاة والصيام ، منهم الشعبي ، والنخعي ، وأحمد في رواية . وخالف في ذلك طوائف من علماء أهل الكوفة والبصرة وغيرهم ، وأخرجوا الأعمال من الإيمان وقالوا : الإيمان : المعرفة مع القول .
وحدث بعدهم من يقول : الإيمان : المعرفة خاصة ، ومن يقول : الإيمان : القول خاصة .
والبخاري عبر عنه بأنه : قول وفعل . والفعل : من الناس من يقول : هو مرادف للعمل . ومنهم من يقول : هو أعم من العمل . فمن هؤلاء من قال : الفعل يدخل فيه القول وعمل الخوارج ، والعمل لا يدخل فيه القول على الإطلاق . ويشهد لهذا : قول عبيد بن عمير : ليس الإيمان بالتمني ، ولكن الإيمان قول يفعل ، وعمل يعمل . خرجه الخلال(3) .
ومنهم من قال : العمل : ما يحتاج إلى علاج ومشقة ، والفعل : أعم من ذلك . ومنهم من قال : العمل : ما يحصل منه تأثير في المعمول كعمل الطين آجرا ، والفعل أعم من ذلك . ومنهم من قال: العمل أشرف من الفعل ، فلا يطلق العمل إلا على ما فيه شرف ورفعة بخلاف الفعل ، فإن مقلوب عمل : لمع ، ومعناه ظهر وأشرف .
وهذا فيه نظر ، فإن عمل السيئات يسمى أعمالا كما قال تعالي ) مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ( [ النساء : 123] وقال ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا( [ غافر: 40] ولو قيل عكس هذا لكان متوجها ، فإن الله تعالى إنما ( 177- أ / ف) يضيف إلى نفسه الفعل كقوله تعالى ) وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا( [ إبراهيم : 45] ، ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَاد( [ الفجر : 6] ) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ( ، ) إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء( [ الحج : 18] .
وإنما أضاف العمل إلى يديه كما قال ) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا( [ يس : 71] وليس المراد هنا الصفة الذاتية – بغير إشكال – وإلا استوى خلق الأنعام وخلق آدم عليه السلام . واشتق سبحانه لنفسه أسماء من الفعل دون العمل ، قال تعالى ) إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ( [ هود : 107] .
ثم قال البخاري – رحمه الله : ويزيد وينقص . قال الله عز وجل ) لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ( [ الفتح: 4 ] ) وَزِدْنَاهُمْ هُدًى( [ الكهف : 13] ، ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ( [ مريم : 76] ، )وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ( [ محمد : 17] ، ) وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا( [ المدثر : 31] ، وقوله عز وجل ) أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا( [ التوبة : 124] وقوله ) فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً( [ آل عمران : 173] ، وقوله ) وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا( [ الأحزاب: 22] .
زيادة الإيمان ونقصانه قول جمهور العلماء . وقد روى هذا الكلام عن طائفة من الصحابة كأبي الدرداء وأبي هريرة ، وابن عباس ([2]) وغيرهم من الصحابة . وروي معناه عن علي ، وابن مسعود – أيضا - ، وعن مجاهد ، وغيره من التابعين . وتوقف بعضهم في نقصه ، فقال : يزيد ولا يقال: ينقص ([3]) وروي ذلك عن مالك ، والمشهور عنه كقول الجماعة([4]) . وعن ابن المبارك قال : الإيمان يتفاضل([5]) . ، وهو معنى الزيادة والنقص . وقد تلا البخاري الآيات التي ذكر فيها زيادة الإيمان وقد استدل بها على زيادة الإيمان أئمة السلف قديما ، منهم : عطاء بن أبي رباح فمن بعده . وتلا البخاري – أيضا – الآيات التي ذكر فيها زيادة الهدى ، فإن المراد بالهدى هنا : فعل الطاعات كما قال تعالى بعد وصف المتقين بالإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم وبالإيمان بما أنزل إلى محمد و إلى من قبله باليقين بالآخرة ثم قال ) أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ( [ البقرة : 5 ] ، فسمى ذلك كله هدى ، فمن زادت طاعته فقد زاد هداه .
ولما كان الإيمان يدخل فيه المعرفة بالقلب والقول والعمل كله كانت زيادته بزيادة الأعمال ونقصانه بنقصانها . وقد صرح بذلك كثير من السلف فقالوا : يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . فأما زيادة الإيمان بزيادة القول ونقصانه بنقصانه : فهو كالعمل بالجوارح – أيضا - ، فإن من زاد ذكره لله وتلاوته لكتابه زاد إيمانه ، ومن ترك الذكر الواجب بلسانه نقص إيمانه .
و أما المعرفة بالقلب : فهل تزيد وتنقص ؟ على قولين : أحدهما : أنها لا تزيد ولا تنقص . قال يعقوب بن بختان([6]) : سألت أبا عبد الله – يعني أحمد بن حنبل – عن المعرفة والقول : يزيد وينقص ؟ قال : لا ، قد جئنا بالقول والمعرفة وبقي العمل . ذكره أبو الخلال في كتاب " السنة ([7]) " ومراده بالقول : التلفظ بالشهادتين خاصة . وهذا قول طوائف من الفقهاء والمتكلمين . و القول الثاني : أن المعرفة تزيد وتنقص .
قال المروذي : قلت لأحمد في معرفة الله بالقلب تتفاضل فيه ؟ قال : نعم ، قلت : ويزيد ؟ قال : نعم .
ذكره الخلال عنه ([8]) ، وأبو بكر عبد العزيز في كتاب "السنة " - أيضا - ، عنه وهو الذي ذكره القاضي أبو يعلي من أصحابنا في كتاب " الإيمان ، وكذلك ذكره أبو عبد الله بن حامد . وحكى القاضي – في " المعتمد " – وابن عقيل في المسألة روايتان ([9]) عن أحمد ، وتأولا رواية أنه لا يزيد ولا ينقص . وتفسر زيادة المعرفة بمعنيين :
أحدهما : زيادة المعرفة بتفاصيل أسماء الله وصفاته وأفعاله وأسماء الملائكة والنبيين والكتب المنزلة عليهم وتفاصيل اليوم الآخر . وهذا ظاهر لا يقبل نزاعا .
والثاني : زيادة المعرفة بالوحدانية بزيادة معرفة أدلتها (177- ب/ف) ، فإن أدلتها لا تحصر ، إذ كل ذرة من الكون فيها دلالة على وجود الخالق ووحدانيته ، فمن كثرت معرفته بهذه الأدلة زادت معرفته على من ليس كذلك . وكذلك المعرفة بالنبوات واليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الغيب الذي يجب الإيمان به ، ومن هنا فرق النبي صلي الله عليه وسلم بين مقام الإيمان ومقام الإحسان ، وجعل مقام الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه ، والمراد : أن ينور قلبه بنور الإيمان حتى يصير الغيب عنده مشهودا بقلبه كالعيان ([10]).
وقد ذكر محمد بن نصر المروزي في " كتابه " أن التصديق يتفاوت وحكاه عن الحسن ، والعلماء ([11]) وهذا يشعر إجماع عنده .
ومما يدل على ذلك أيضا _ : ما روى ابن وهب : أنا عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي هانيء الخولاني ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق ، فسلوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم " .
خرجه الحاكم ([12]) ، وقال : صحيحالإسناد ([13]) .
ثم قال البخاري رحمه الله : والحب في الله والبغض في الله من الإيمان .
و هذا يدل عليه : قول النبي صلي الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان([14]) وذكر منهن:" أن يحب المرء لا يحبه إلا لله " . وإذا كان الحب في الله والبغض في الله زاد الإيمان بزيادة ذلك ونقص بنقصانه.
قال البخاري : وكتب عمر بن عبد العزيز إلي عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع ([15]) وحدودا وسننا، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن مت فما أنا على صحبتكم بحريص . هذا الأثر : خرجه أبو بكر الخلال في كتاب " السنة " ([16]) من رواية جرير بن حازم : حدثني عيسى بن عاصم ، عن عدي بن عدي – وهو يومئذ أمير([17]) على أرمينية – قال : كتب إلي عمر بن عبد العزيز : سلام عليك أما بعد ، فإن للإيمان شرائع وحدودا وسننا ، من استكملها استكمل الإيمان ، فإن أعش فيكم أبينها لكم حتى تعملوا بها – إن شاء الله ، وإن مت فوالله ما أنا على صحبتكم بحريص .
قال البخاري : وقال إبراهيم عليه السلام ([18]) ) وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي(
وقد فسرها سعيد بن جبير بالازدياد من الإيمان ، فإنه قال له : ) أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ( [ البقرة : 260] فطلب زيادة في إيمانه ، فإنه طلب أن ينتقل من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين وهي أعلى وأكمل .
و في " المسند " " ([19]) عن ابن عباس ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " ليس الخبر كالمعاينة " .
قال البخاري : وقال معاذ : اجلس بنا نؤمن ساعة.
هذا الأثر : رواه سفيان الثوري والأعمش ومسعر – كلهم - ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال قال: قال معاذ بن جبل لرجل : اجلس نؤمن ساعة – يعني نذكر الله ([20]) .
وقد روي مثله عن طائفة من الصحابة ، فروى زبيد ، عن زر بن حبيش قال : كان عمر بن الخطاب يقول لأصحابه : هلموا نزداد إيمانا ، فيذكرون الله . وروى أبو جعفر الخطمي ، عن أبيه ، عن جده عمير بن حبيب بن حماسة " ([21]) - وهو من الصحابة – أنه قال : إن الإيمان يزيد وينقص ، قالوا : وما زيادته ونقصانه ؟ قال : إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه ([22]) .
فزيادة الإيمان بالذكر من وجهين :
أحدهما : أنه يجدد من الإيمان والتصديق (178-أ/ف) في القلب ما درس منه بالغفلة كما قال بن مسعود : الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع . و في " المسند " ([23]) عن أبي هريرة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " جددوا إيمانكم " قالوا : كيف نجدد إيماننا ؟ قال : " قولوا : لا إله إلا الله " .
والثاني : أن الذكر نفسه من خصال الإيمان ، فيزداد الإيمان بكثرة الذكر ، فإن جمهور أهل السنة على أن الطاعات كلها من الإيمان فرضها ونفلها ، وإنما أخرج النوافل من الإيمان قليل منهم .
قال البخاري : وقال ابن مسعود : اليقين : الإيمان كله .
هذا الأثر : رواه الأعمش ، عن أبي ظبيان ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ([24]) . واليقين : هو العلم الحاصل للقلب بعد النظر والاستدلال ، فيوجب قوة التصديق حتى ينفي الريب ويوجب طمأنينة القلب بالإيمان وسكونه وارتياحه به، وقد جعله ابن مسعود الإيمان كله . وكذا قال الشعبي – أيضا .
وهذا مما يتعلق به من يقول : إن الإيمان مجرد التصديق ([25]) ، حيث جعل اليقين : الإيمان كله ، فحصره في اليقين ، ولكن لم يرد ابن مسعود أن ينفي الأعمال من الإيمان ، إنما مراده : أن اليقين هو أصل الإيمان كله ، فإذا أيقن القلب بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر انبعثت الجوارح كلها للاستعداد للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة فنشأ ذلك كله عن اليقين .
قال الحسن البصري : ما طلبت الجنة إلا باليقين ولا هرب من النار إلا باليقين ، ولا أديت الفرائض إلا باليقين ، ولا صبر على الحق إلا باليقين ([26]) . وقال سفيان الثوري : لو أن اليقين وقع في القلب كما ينبغي لطارت القلوب اشتياقا إلى الجنة وخوفا من النار ([27]) .
ويذكر عن لقمان قال : العمل لا يستطاع إلا باليقين ، ومن يضعف يقينه يضعف عمله ([28]). قال عبد الله بن عكيم : سمعت ابن مسعود يقول في دعائه : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفهما .
قال البخاري : وقال ابن عمر : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في الصدر .
قال زين الدين ابن رجب : هذا الأثر لم أقف عليه إلى الآن في غير كتاب البخاري ([29]) ، وقد روي معناه مرفوعا. وموقوفا على أبي الدرداء . فخرج الترمذي ، وابن ماجه من حديث عطية السعدي ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس " ([30]) وفي إسناده بعض مقال . وروى ابن ابي الدنيا بإسناد منقطع ، عن أبي الدرداء قال : تمام التقوى : أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، حجابا بينه وبين الحرام ([31]).
و إنما ذكر البخاري هذا الأثر في الباب ، لأن خصال التقوى هي خصال الإيمان ، وقد صح عن مجاهد أن أبا ذر سأل النبي صلي الله عليه وسلم عن الإيمان فقرأ : ) لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ ( [ البقرة : 177] إلى آخر الآية .
وهذا مرسل . وقد روي من وجه آخر ، وفيه انقطاع – أيضا . قال البخاري : وقال مجاهد : ) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ( : أوصيناك وإياه يا محمد ([32]) دينا واحدا ([33]) .
روى ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ( [ الشورى : 13]قال : وصاك به وأنبياءه كلهم دينا واحدا ([34]).

ومعنى ذلك : أن دين الأنبياء كلهم دين واحد وهو الإسلام العام المشتمل على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وعلى توحيد الله وإخلاص الدين له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما قال تعالى : ) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( [ البينة : 4 ، 5 ] .

والدين : هو الإسلام – كما صرح به في مواضع أخر - ، وإذا أطلق الإسلام دخل فيه الإيمان وبالعكس . وقد استدل على أن الأعمال تدخل في الإيمان بهذه الآية ، وهي قوله : ) وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ( طوائف من الأئمة ، منهم الشافعي ، وأحمد ([35]) ، والحميدي ([36]) ، وقال الشافعي : ليسعليهم أحج من هذه الآية ([37]) .
واستدل الأوزاعي ([38]) بقوله تعالى ) شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ( إلى قوله ) أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا ( ( الشورى : 13) ، وقال : الدين : الإيمان والعمل ، واستدل بقوله تعالى ) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ( ( التوبة : 11) . وقد ذكر الخلال في كتاب " السنة " أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظهم بالأسانيد إليهم .
قال البخاري : وقال ابن عباس : ) شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ( [ المائدة : 48] سبيلا وسنة .
وهذا من رواية أبي إسحاق ، عن التيمي ، وعن ابن عباس شرعة ومنهاجا : سبيلا وسنة ([39]).
ومعنى قول ابن عباس : أن المنهاج هو السنة ، وهو الطريق الواسعة المسلوكة المداوم عليها ، والشرعة : هي السبيل والطريق الموصل إليها ، فهي كالمدخل إليها كمشرعة الماء وهي المكان الذي يورد الماء منه ، ويقال : شرع فلان في كذا إذا ابتدأ فيه ، وأنهج البلاء في الثوب إذا اتسع فيه . وبذلك فرق طائفة من المفسرين وأهل اللغة بين الشريعة والمنهاج ، منهم الزجاج وغيره .

1-فصل ([40])
قال الله تعالى ([41])) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ([ الفرقان : 77] قال البخاري : ومعنى الدعاء في اللغة الإيمان .
اعلم أن أصل الدعاء في اللغة : الطلب ، فهو استدعاء لما يطلبه الداعي ويؤثر حصوله ، فتارة يكون الدعاء بالسؤال من الله عز وجل والابتهال إليه كقول الداعي : اللهم اغفر لي ، اللهم ارحمني ، وتارة يكون بالإتيان بالأسباب التي تقتضي حصول المطالب وهو الاشتغال بطاعة الله وذكره وما يجب من عبده أن يفعله وهذا هو حقيقة الإيمان .
وفي " السنن الأربعة" عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " إن الدعاء هو العبادة " ([42])ثم قرأ : ) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ( [ غافر : 60 ].
فما استجلب العبد من الله ما يحب واستدفع منه ما يكره بأعظم من اشتغاله بطاعة الله وعبادته وذكره وهو حقيقة الإيمان ، فإن الله يدفع عن الذين آمنوا .
وفي الترمذي " عن أبي سعيد عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " يقول الرب عز وجل : من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " ([43]) . وقال بعض التابعين : لو أطعتم الله ما عصاكم ، يعني : ما منعكم شيئا تطلبونه منه . وكان سفيان يقول : الدعاء ترك الذنوب – يعني : الاشتغال بالطاعة عن المعصية . وأما قوله تعالى ) مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ([ الفرقان : 77 ] فيه للمفسرين قولان : أحدهما : أن المراد : لولا دعاؤكم إياه ، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة – كما ذكرنا .
والثاني : لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته كما في قوله تعالى ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( [ الذاريات: 56] . أي : لأدعوهم إلى عبادتي . (179-أ /ف) .
وإنما اختلف المفسرون في ذلك ، لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة وإلى المفعول أخرى .






(1) اعتاد بن رجب – رحمه الله تعالى – في " كتاب الإيمان " أن يضع كلمة "فصل " بدلا من " باب" وأحيانا يذكر " فصل " ولا يذكر اسم "الترجمة " ، مثل ذلك : باب (4) " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " ، وباب (6) " إطعام الطعام من الإيمان " وباب (7) " من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ، وغير ذلك من الأمثلة ، وأحيانا يذكر كلمة " فصل " ويعقبها بكلمة "باب" ويذكر الترجمة كاملة مثل باب (113) ، وأحيانا يذكر الترجمة داخل الشرح راجع باب (15) ، لذلك وجب التنبيه . .
(2) راجع جل هذه الأقوال في " الشريعة " للآجري (ص : 120-132) .
(3) في " السنة " (1212) وفيه ابن لهيعة .
([2]) " الشريعة " ( ص : 111) .
([3]) انظر " السنة " للخلال 976- 979 .
([4]) " السنة " للخلال : (1014) ، و"الشريعة " (ص:118) .
([5]) السنة " للخلال _ (1018) .
([6]) هو يعقوب بن إسحاق بن بختان . له ترجمة في : طبقات الحنابلة " (1/415) .
([7]) (1007) .
([8]) في " السنة " ، (1004) .
([9]) كذا ، والجادة " روايتين "
([10]) ) وسيحيل المصنف – رحمه الله تعالى – على هذا الوضع ( ص : 90،172) عند شرحه للحديث رقم : 020) ، (44) .
([11]) " تعظيم قدر الصلاة " ( 2/760-761) .
([12]) " المستدرك " (1/4) .
([13]) عبارة الحاكم عقب الحديث : " هذا حديث لم يخرج في الصحيحين ورواته مصريون ثقات ... "
([14]) سيأتي ( 16)
([15]) وضع في " ف" علامتي لحق بعد كلمتي " شرائع " ، و: " حدودا " ، وفي الهامش : "وسننا " والموافق لـ " اليونينية " وضعها بعد " حدودا " كما أثبتناه .
([16]) (1162) ، وكذا (1553) ، وانظر " المصنف " لابن أبي شيبة (11/48-49) .
([17]) طمس حرف الألف من كلمة " أمير " في "ف".
([18]) في رواية الأصيلي كما في فرع اليونينية " : صلى الله عليه وسلم قاله القسطلاني في " إرشاد السماري" (1/88).
([19]) " المسند " (1/271) .
([20]) أخرجه ابن ابي شيبة في " مصنفه " (11/25-26) ، من طريق الأعمش ، عن جامع ، به ، وأبو عبيد في كتابه " الإيمان " (رقم /20) من طريق سفيان ، عن جامع ، به ، والخلال في " السنة " (1121) من طريق الأعمش ، ومسعر ، عن جامع به .
([21]) كذا في " ف" بالحاء المهملة ، ولم يعجم السين ولم يضع عليها علامة الإهمال فلعله أراد " حماشة " وفي كلا الحالتين خطأ وصوابه : " خماشة " بضم الخاء المعجمة ، كذلك قال ابن ماكولا في " إكماله " (3/192) وقال : " ومن قال فيه : حماشة – بحاء مهملة – فقد غلط " ، وذكره بالمعجمة : الدار قطني في " والمؤتلف والمختلف"، (2/922) ، وجاء في " التاريخ الكبير "( 06/531) بالمعجمة ، وفي " الجرح " (6/375) بالمهملة ، وقال : ويقال : " ابن خباشة " (كذا ) ، وذكر الخلاف في اسمه: ذهبي العصر الشيخ المعلمي في تعليقه على " الإكمال " (6/284-285) ، ثم قال : " .. هذا والمراجع مختلفة في حباشة وخماشة ولا أرى داعيا لبيان ذلك " ووقع في " الإكمال " في ضبط " خماشة " قال : بضم الخاء والميم .
([22]) ابن أبي شيبة في " مصنفه " (11/139) وابن سعد (4/381) وذكر الاختلاف في اسمه .
([23]) (2/359) .
([24]) أخرجه البيهقي في " الزهد " (ص/361) مرفوعا ، ثم أورد الموقوف : وقال : " هذا هو الصواب موقوف " وأخرجه الخطيب مرفوعا في " التاريخ " (13/226) ، " وأشار" في " الحلية " )5/34) إلي إعلاله ورجح الحافظ وقفه في " التغليق " (2/21-22) .
([25]) أشار إلى هذا الموضع وما قبله (ص94) عند شرحه للحديث رقم : (22) .
([26]) " اليقين " لابن أبي الدنيا (ص: 102) .
([27]) " الحلية " (7/17) .
([28]) " اليقين " لابن أبي الدنيا (ص: 116) .
([29]) وكذا قال الحافظ في " تغيلق التعليق " (2/24) .
([30]) الترمذي (2451) ، وابن ماجه (4215) .
([31]) انظره في " الزهد " لابن المبارك (ص:19) من زوائد نعيم ، وراجع " توضيح المشتبه " (3/442) .
([32]) في " اليونينية " : " يا محمد وإياه " .
([33]) نقل ابن حجر في " الفتح " (2/48) عن شيخه البلقيني أنه قال : " وقع في أصل " الصحيح " في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قل من تعرض لبيانه ، وذلك أن لفظه : وقال مجاهد : شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدا . والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه . كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في " تفاسيرهم " ، وبه يستقيم الكلام " ا.هـ ورد على هذا الزعم القسطلاني في " إرشاد الساري " (1/89) فراجعه . وراجع رد العيني – كعادته – على الحافظ في " العمدة " (1/132) وأخيرا " انتقاص الاعتراض " للحافظ (1/20 –21) .
([34]) أخرجه الطبري في " تفسيره " (25/10) .
([35]) " السنة " للخلال (1036) .
([36]) " السنة " للخلال (1027) .
([37]) " السنة " للخلال (1038) .
([38]) " السنة " للخلال (1025) .
([39]) أخرجه عبد الرزاق في " تفسيره : (1/187) ، والطبري في " تفسيره " (6/175) – من طريق سفيان وغيره عن أبي إسحاق .
([40]) باب " دعاؤكم إيمانكم " .
([41]) في " اليونينية " : " لقوله عز وجل " .
([42]) أبو داود (1479) ، والنسائي في " الكبرى (6/450) ، والترمذي (2969، 3247، 3372) ، وابن ماجه (3828) من طريق ذر ، عن يسيع ، عن النعمان به ، وقد تفرد به ذر كما نص عليه الترمذي وغيره ، واستشكل البخاري سماع يسيع من النعمان في " التاريخ " (8/425) .
([43]) الترمذي (2926) ، وانظره في " الموضوعات " (3/166) ، و " للآلي " (2/343) .
[/b]


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 3:53 am


فصل

خرج البخاري من حديث :
8- عكرمة بن خالد عن ابن عمر ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان " . وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمس أركان ، وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان .
ومعنى قوله صلي الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " : أن الإسلام مثله كبنيان ، وهذه الخمس : دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان . وقد روي في لفظ :" بني الإسلام على خمس دعائم " . خرجه محمد بن نصر المروزي ([1]).
وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه ، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده . وأما هذه الخمس ، فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك (إن ) ([2]) زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان ، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما . وأما زوال الأربع البواقي : فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها؟ أم لا يزول بذلك ؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها فيزول بترك الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة .
وفي ذلمك اختلاف مشهور ، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد ([3]) وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة .
وحكاه إسحاق بن راهويه ([4]) إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة . وكذلك قال سفيان بن عيينه : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال : معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر : هو كفر . وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلي الله عليه وسلم ولم يعملوا بشرائعه . وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال : الصلاة فريضة ولا أصلي ، فقالا : هو كافر . وكذا قال الإمام أحمد .
ونقل حرب عن إسحاق قال : غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوما يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره ، يرجى أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر ، فهؤلاء الذين لا شك فيهم – يعني في أنهم مرجئة . وظاهر هذا : أنه يكفر بترك هذه الفرائض .
وروى يعقوب الأشعري ، عن ليث ، عن سعيد بن جبير قال : من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر ، ومن أفطر يوما في رمضان (179-ب/ف ) فقد كفر ، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر ، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر([5]).
ويروى عن الحكم بن عتيبة نحوه ، وحكى رواية عن أحمد – اختارها أبو بكر من أصحابه -، وعن عبد الملك بن حبيب المالكي مثله ، وهو قول أبي بكر الحميدي ([6]).
وروي عن ابن عباس التكفير ببعض هذه الأركان دون بعض ، فروى مؤمل ، عن حماد بن زيد ، عن عمرو بن مالك النكري ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس – ولا أحسبه إلا رفعه – قال : " عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، و إقام الصلاة ، وصوم رمضان ، من ترك منها واحدة فهو بها كافر حلال الدم ، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ، وتجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ([7]) . ورواه قتيبة عن حماد بن زيد فوقفه واختصره ولم يتمه . ورواه سعيد بن زيد – أخو حماد – عن عمرو بن مالك ورفعه ، وقال : " من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ، ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله " ولم يزد على ذلك .
والأظهر : وقفه على ابن عباس ، فقد جعل ابن عباس ترك هذه الأركان كفرا ، لكن بعضها كفرا يبيح الدم وبعضها لا يبيحه ، وهذا يدل على أن الكفر بعضه ينقل عن الملة وبعضه لا ينقل .
وأكثر أهل الحديث على أن ترك الصلاة كفر دون غيرها من الأركان كذلك حكاه محمد بن نصر المروزي ([8]) وغيره عنهم . وممن قال بذلك : ابن المبارك ، وأحمد – في المشهور عنه - ، وإسحاق ، وحكى عليه إجماع أهل العلم – كما سبق – وقال أيوب : ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه . وقال عبد الله بن شقيق : كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة .
خرجه الترمذي ([9]) .
وقد روي عن علي وسعد وابن مسعود وغيرهم قالوا : من ترك الصلاة فقد كفر . وقال عمر : لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ([10]) .
وفي صحيح مسلم " عن جابر عن النبي صلي الله عليه وسلم قال " " بين الرجل وبين الشرك والكفر : ترك الصلاة " ([11]).
وخرج النسائي والترمذي وابن ماجه من حديث بريدة ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال " العهد الذي بيننا وبينهم : الصلاة ، فمن تركها فقد كفر " ([12]) .وصححه الترمذي وغيره . و من خالف في ذلك جعل الكفر هنا غير ناقل عن الملة كما في قوله تعالى ) وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ( [ المائدة : 44] .
فأما بقية خصال الإسلام والإيمان فلا يخرج العبد بتركها من الإسلام عند أهل السنة والجماعة . وإنما خالف في ذلك الخوارج ونحوهم من أهل البدع .
قال حذيفة : الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والحج سهم ، ورمضان سهم ، والجهاد سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، وقد خاب من لا سهم له . وروي مرفوعا، والموقوف أصح ([13]).
فسائر خصال الإسلام الزائدة على أركانه الخمسة ودعائمه إذا زال منها شيء نقص البنيان ولم ينهدم أصل البنيان بذلك النقص .
وقد ضرب الله ورسوله مثل الإيمان (180-أ /ف) والإسلام بالنخلة . قال الله تعالى : ) ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهاَ ( [ إبراهيم : 23-24] .
فالكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد وهي أساس الإسلام ، وهي جارة على لسان المؤمن وثبوت أصلها هو ثبوت التصديق بها في قلب المؤمن ، وارتفاع فرعها في السماء هو علو هذه الكلمة وبسوقها وأنها تحرق ([14]) الحجب ولا تتناهى دون العرش ، وإتيانها أكلها كل حين : هو ما يرفع بسببها للمؤمن كل حين من القول الطيب والعمل الصالح، فهو ثمرتها . وجعل النبي صلي الله عليه وسلم مثل المؤمن أو المسلم كمثل النخلة ([15]).
وقال طاوس : مثل ( الإسلام ) ([16]) كشجرة أصلها الشهادة ، وساقها كذا وكذا ، وورقها كذا وكذا، وثمرها : الورع ، ولا خير في شجرة لا ثمر لها ، ولا خير في إنسان لا ورع فيه ([17]). ومعلوم أن ما دخل في مسمى الشجرة والنخلة من فروعها وأغصانها وورقها وثمرها إذا ذهب شيء منه لم يذهب عن الشجرة اسمها ، ولكن يقال : هي شجرة ناقصة ، وغيرها أكمل منها ، فإن قطع أصلها وسقطت لم تبق شجرة ، وإنما تصير حطبا ، فكذلك الإيمان والإسلام إذا زال منه بعض ما يدخل في مسماه مع بقاء أركان بنيانه لا يزول به اسم الإسلام والإيمان بالكلية ، وإن كان قد سلب الاسم عنه لنقصه بخلاف ما انهدمت أركانه وبنيانه فإنه يزول مسماه بالكلية ، والله أعلم

[size=21]1- فصل

في ([18]) أمور الإيمان
قال البخاري :
وقول الله عز وجل ) لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ( إلى قوله ) وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( [ البقرة : 177] وأمور الإيمان : خصاله وشعبه المتعددة .
واستدل البخاري بقوله تعالى ) وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى ([19]) الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( [ البقرة : 177] .
وقد سأل أبو ذر النبي صلي الله عليه وسلم عن الإيمان ، فتلا عليه هذه الآية ([20]).
وهذا يدل على أن الخصال المذكورة فيها هي خصال الإيمان المطلق ، فإذا أطلق الإيمان دخل فيه كل ما ذكر في هذه الآية ، كما سأل السائل عن الإيمان ، فتلا عليه النبي صلي الله عليه وسلم هذه الآية .
وإذا قرن الإيمان بالعمل فقد يكون من باب عطف الخاص على العام ، وقد يكون المراد بالإيمان – حينئذ- : التصديق بالقلب ، وبالعمل : عمل الجوارح كما ذكر في هذه الآية الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ، ثم عطف عليه أعمال الجوارح .
وخرج البخاري من حديث :
9- سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ([21])، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان " .
وخرجه مسلم من هذا الوجه ، ولفظه : " بضع وسبعون " ([22]) وخرجه مسلم – أيضا – من رواية جرير ، عن سهيل ، عن عبد الله بن دينار (180-ب / ف) ، وبه قال في حديثه : " بضع وسبعون – أو بضع وستون " ([23]) – بالشك - ، وهذا الشك من سهيل ، كذا جاء مصرحا به في " صحيح ابن حبان " ([24]) وغيره . وخرجه مسلم – أيضا _ من حديث ابن الهاد ، عن عبد الله بن دينار ، به وقال في حديثه : " الإيمان سبعون – أو اثنان وسبعون – بابا" ([25]) . ورواه ابن عجلان ، عن عبد الله بن دينار وقال : " ستون 0 أو سبعون " . وروي عنه أنه قال في حديثه: " ستون أو سبعون " أو بضع واحد من العددين ([26]) . وروي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه بهذا اللفظ – أيضا ([27]) .
وروي عنه بلفظ آخر وهو : " الإيمان تسعة – أو سبعة _ وسبعون شعبة " . وخرجه الترمذي من رواية عمارة بن غزية وقال فيه : " الإيمان أربعة وسبعون بابا " ([28]) . وقد روي عن عمارة بن غزية ، عن سهيل عن أبيه ([29]) . وسهيل لم يسمع من أبيه ، وإنما رواه عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ([30]) . فمدار الحديث على عبد الله بن دينار ، لا يصح عن غيره .
وقد ذكر العقيلي أن أصحاب عبد الله بن دينار على ثلاث طبقات : أثبات : كمالك وشعبة وسفيان بن عيينه ومشايخ : كسهيل ويزيد بن الهاد وابن عجلان ، قال : وفي رواياتهم عن عبد الله بن دينار اضطراب ، وقال : إن هذا الحديث لم يتابع هؤلاء المشايخ عليه أحد من الأثبات عن عبد الله بن دينار ، ولا تابع عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح عليه أحد ، والطبقة الثالثة : الضعفاء ، فيرون عن عبد الله بن دينار المناكير ، إلا أن الحمل فيها عليهم ([31]) .
قلت : فد رواه عن عبد الله بن دينار : سليمان بن بلال ، وهو ثقة ثبت ، وقد خرج حديثه في " الصحيحين ". وأما الاختلاف في لفظ الحديث : فالأظهر أنه من الرواة كما جاء التصريح في بعضه بأنه شك من سهيل بن أبي صالح . وزعم بعض الناس أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يذكر هذا العدد بحسب ما ينزل من خصال الإيمان ، فكلما نزلت خصلة منها ضمها إلى ما تقدم وزادها عليها . وفي ذلك نظر .
وقد ورد في بعض روايات " صحيح مسلم " عد بعض هذه الخصال ، ولفظه : " أعلاها : قول لا إله إلا الله ، وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " ([32]) . فأشار إلى أن خصال الإيمان منها قول باللسان ، ومنها ما هو عمل بالجوارح ومنها ما هو قائم بالقلب ، ولم يزد في شيء من هذه الروايات على هذه الخصال .
وقد انتدب لعدها طائفة من العلماء كالحليمي ([33]) والبيهقي وابن شاهين وغيرهم ، فذكروا أن كل ما ورد تسميته إيمانا في الكتاب والسنة من الأقوال والأعمال وبلغ بها بعضهم سبع وسبعين ، وبعضهم تسعا وسبعين . و في القطع على أن ذلك هو مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الخصال عسر ([34]) كذا قاله ابن الصلاح وهو كما قال . وتبويب البخاري على خصال الإيمان والإسلام والدين من أوله إلى آخره وما خرج فيه من الأحاديث وما (181-أ/ف) استشهد به من الآيات والآثار الموقوفة إذا عدت خصاله وأضيف إليه أضداد ما ذكره في أبواب خصال النفاق والكفر بلغ ذلك فوق السبعين – أيضا – والله أعلم . وقد تكلم الراغب في كتاب " الذريعة " ([35]) له على حصرها في هذا العدد ذكره ابن عبد البر ([36]) وغيره . فإن قيل : فأهل الحديث والسنة عندهم أن كل طاعة فهي داخلة في الإيمان ، سواء كانت من أعمال الجوارح أو القلوب أو من الأقوال ، وسواء في ذلك الفرائض والنوافل ، هذا قول الجمهور الأعظم منهم وحينئذ فهذا لا ينحصر في بضع وسبعين ، بل يزيد على ذلك زيادة كثيرة ، بل هي غير منحصرة . قيل : يمكن أن يجاب عن هذا بأجوبة :
أحدها : أن يقال : إن عد خصال الإيمان عند قول النبي صلى الله عليه وسلم كان منحصرا في هذا العدد ثم حدثت زيادة فيه بعد ذلك حتى كملت خصال الإيمان في آخر حياة النبي صلي الله عليه وسلم .
والثاني : أن تكون خصال الإيمان كلها تنحصر في بضع وسبعين نوعا ، وإن كان أفراد كل نوع تتعد كثيرا ، وربما كان بعضها لا ينحصر . وهذا أشبه . وإن كان الموقوف على ذلك يعسر أو يتعذر .
والثالث : أن ذكر السبعين على وجه التكثير للعدد ، لا على وجه الحصر كما في قوله تعالى ) إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ( [ التوبة : 80 ] والمراد تكثير التعداد من غير حصوله هذا في العدد ([37]) ، ويكون ذكره للبضع يشعر بذلك كأنه يقول : هو يزيد على السبعين المقتضية لتكثير العدد وتضعيفه . و هذا ذكره أهل الحديث من المتقدمين ، وفيه نظر .
والرابع : أن هذه البضع وسبعين هي أشرف خصال الإيمان وأعلاها وهو الذي تدعو إليه الحاجة منها . قال ابن حامد من أصحابنا . والبضع في اللغة : من الثلاث إلى التسع ، هذا هو المشهور ، ومن قال : ما بين اثنين إلى عشر فالظاهر إنما أراد ذلك ولم يدخل الاثنين والعشر في العدد . وقيل من أربع إلى تسع . وقيل : مابين الثلاث والعشر . والظاهر أنه هو الذي قبله باعتبار إخراج الثلاث والعشر منه . وكذا قال بعضهم : ما بين الثلاث إلى ما دون العشرة، وعلى هذا فلا يستعمل في الثلاث ولا في العشر ، والله أعلم . ([38]) .
2-فصل ([39])
خرج البخاري من حديث :
10- الشعبي ، عن عبد الله بن عمرو ([40])عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر : من هجر ما نهى الله عنه "
خرجه من رواية شعبة ، عن عبد الله بن أبي السفر وإسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي عن عبد الله . ثم قال : وقال معاوية : حدثنا داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلي الله عليه وسلم وقال عبد الأعلى ، عن (181- ب/ف ) داود ، عن عامر ، عن عبد الله ([41]).
مقصود البخاري بهذا : أن شعبة روى الحديث معنعنا إسناده كله . وداود بن أبي هند عن الشعبي واختلف عليه فيه ، فقال عبد الأعلى : عن داود كذلك ، وقال أبو معاوية : عن داود ، عن عامر قال : سمعت عبد الله ، فذكر في حديثه تصريح الشعبي بالسماع له من عبد الله بن عمرو . وإنما احتاج إلى هذا ، لأن البخاري لا يرى أن الإسناد يتصل بدون ثبوت لقي الرواة بعضهم لبعض وخصوصا إذا روى بعض أهل بلد عن بعض أهل بلد ناء عنه ، فإن أئمة أهل الحديث مازالوا يستدلون على عدم السماع بتباعد الرواة ، كما قالوا في رواية سعيد بن المسيب عن أبي الدرداء وما أشبه ذلك ([42]) . وهذا الحديث قد رواه الشعبي – وهو من أهل الكوفة - ، عن عبد الله بن عمرو – وهو حجازي – نزل مصر ولم يسكن العراق ، فاحتاج أن يذكر ما يدل على سماعه منه ، وقد كان عبد الله بن عمرو قدم مع معاوية الكوفة عام الجماعة فسمع أهل الكوفة كأبي وائل ، وزر بن حبيش ، والشعبي . وإنما خرج مسلم هذا الحديث من رواية المصريين ، عن عبد الله بن عمرو : من رواية يزيد بن حبيب ، عن أبي الخير سمع عبد الله بن عمرو يقول : أن رجلا سأل النبي صلي الله عليه وسلم : أي المسلمين خير ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " ([43]) . وهذا اللفظ يخالف لفظ رواية البخاري .
وأما رواية " المسلم " فيقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام ، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب ، فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة ، فإن أذى المسلم حرام باللسان وباليد ، فأذى اليد : الفعل ، وأذى اللسان القول .
والظاهر : أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وصف بهذا في هذا الحديث لأن السائل كان مسلما قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله عز وجل ، وإنما يجهل دخول هذا القدر الواجب من حقوق العباد في الإسلام ، فبين له النبي صلي الله عليه وسلم ما جهله .
ويشبه هذا : أن النبي صلي الله عليه وسلم لما خطب في حجة الوداع وبين للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأتبع ذلك بقوله : " سأخبركم من المسلم : من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمؤمن : من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم " . خرجه ابن حبان في " صحيحه " من حديث فضالة بن عبيد ([44]) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يجمع لنم قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في " مسند الإمام أحمد " عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله ! ما الإسلام ؟ قال : " أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك " ([45]) .
وفيه – أيضا - ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال له : أسألك بوجه الله بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : " بالإسلام قال قلت : وما آية الإسلام ؟ ( 128 – أ / ف ) قال : " أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وكل مسلم على مسلم محرم " ، وذكر الحديث وقال فيه : قلت : يا رسول الله ! هذا ديننا ؟ قال : " هذا دينكم " ([46]) . وخرجه النسائي بمعناه ([47]) . وقوله" والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه " . فأصل الهجرة : هجران الشر ومباعدته لطلب ([48]) الخير ومحبته والرغبة([49]) فيه.
والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام رغبة في تعلم الإسلام والعمل به ، وإذا كان كذلك فأصل الهجرة : أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة : هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك : هجران بلد الشرك مع القدرة عليه .

4- فصل ([50])

خرج البخاري من حديث :
11- بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده ([51]) أبي بردة عن أبيه أبي موسى ([52]) قالوا : يا رسول الله ! أي الإسلام أفضل ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " .
وخرجه مسلم ([53]) - أيضا - ، وخرج – أيضا – من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي المسلمين خير ؟ قال : " من سلم المسلمون من لسانه ويده " – كما تقدم ذكره ([54]) . فعلى هذه الرواية : أي المسلمين خير ؟ وفي رواية أبي موسى : أي الإسلام أفضل ؟ . قال ابن رجب : والذي ظهر لي في الفرق بين " خير " أن لفظ " أفضل " إنما تستعمل في شيئين اشتركا في غير فضل ، وامتاز أحدهما عن الآخر بفضل اختص به ، فهذا الممتاز قد شارك ذاك في الفضل واختص عنه بفضل زائد فهو ذاك . وأما لفظه " خير " فتستعمل في شيئين : في كل منهما نوع من الخير أرجح مما في الآخر سواء كان لزيادة عليه في ذاته أو في نفعه أو غير ذلك ، وإن اختلف جنساهما فترجيح أحدهما على الآخر يكون بلفظة خير ، فيقال مثلا : النفع المتعدي خير من النفع القاصر ، وإن كان جنسهما مختلفا ويقال : زيد أفضل من عمرو ، إذا اشتركوا في علم أو دين ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما على الآخر بزيادة . وإن استعمل في النوع الأول لفظة " أفضل " مع اختلاف الجنسين ، فقد يكون المراد : أن ثواب أحدهما أفضل من ثواب الآخر وأزيد منه ، فقد وقع الاشتراك في الثواب وامتاز أحدهما بزيادة منه – وحينئذ – فمن سلم المسلمون من لسانه ويده إسلامه أفضل من إسلام غيره ممن ليس كذلك ، لاشتراكهما في الإتيان بحقوق الله في الإسلام من الشهادتين و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك ، وامتاز أحدهما بالقيام بحقوق المسلمين ، فصار هذا الإسلام أفضل من ذاك . و أما المسلم : فيقال : هذا أفضل من ذاك لأن إسلامه أفضل من إسلامه ويقال : هو خير من ذاك لترجيح خيره على خير غيره وزيادته عليه .
6 – فصل ([55])
خرج البخاري ومسلم من حديث :
12- يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير ؟ قال : ( 182- ب /ف ) " تطعم ([56]) الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " .
وخرجه مسلم أيضا ([57]) . جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث خير الإسلام : إطعام الطعام وإفشاء السلام . وفي " المسند " ([58]) عن عمرو بن عبسة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما الإسلام ؟ قال : " لين الكلام وإطعام الطعام " .
ومراده : الإسلام التام الكامل . وهذه الدرجة في الإسلام فضل ، وليست واجبة ، إنما هي إحسان . وأما سلامة المسلمين من اللسان واليد فواجبة إذا كانت من غير حق ، فإن كانت السلامة من حق كان – أيضا – فضلا .
وقد جمع الله تعالى بين الأفضال بالنداء وترك الأذى في وصف المتقين في قوله : ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( [ آل عمران : 134] فهذا إحسان وفضل وهو بذل النداء واحتمال الأذى .
وجمع في الحديث بين إطعام الطعام وإفشاء السلام ، لأنه به يجتمع الإحسان بالقول والفعل وهو أكمل الإحسان، وإنما كان هذا خير الإسلام بعد الإتيان بفرائض الإسلام وواجباته ، فمن أتى بفرائض الإسلام ثم ارتقى إلى درجة الإحسان إلى الناس كان خيرا ممن لم يرتق إلى هذه الدرجة وأفضل – أيضا - ، وليس المراد أن من اقتصر على هذه الدرجة فهو خير من غيره مطلقا ولا أن إطعام الطعام ولين الكلام خير من أركان الإسلام ومبانيه الخمس ، فإن إطعام الطعام والسلام لا يكونان من الإسلام إلا بالنسبة إلى من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .
وقد زعم الحكيمي ([59]) وغيره أنه قال : خير الأشياء كذا ، والمراد تفضيله من وجه دون وجه وفي وقت دون وقت أو لشخص دون شخص ، ولا يراد تفضيله على الأشياء كلها ، أو أن يكون المراد : إنه من خير الأشياء ، لا خير مطلقا . وهذا فيه نظر ، وهو مخالف للظاهر ، ولو كان هذا حقا لما احتيج إلى تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : يا خير البرية ، فقال : " ذاك إبراهيم " ([60]) . وقد تأوله الأئمة ، فقال الإمام أحمد : هو على وجه التواضع . ولكن هذا يقرب من قول من تأول " أفضل " بمعنى " فاضل " وقال : إن " أفعل " لا تقتضي المشاركة . وهذا غير مطرد عند البصريين ، ويتأول ما ورد منه وحكى عن الكوفيين أنه مطرد لا يحتاج إلى تأويل . وقوله " وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " هذا أفضل أنواع إفشاء السلام . وفي " المسند " عن ابن مسعود مرفوعا : " إن من أشراط الساعة " السلام بالمعرفة " ([61]) .
ويخرج من عموم ذلك : من لا يجوز بداءته بالسلام كأهل الكتاب عند جمهور العلماء .

7- فصل ([62])

خرج البخاري ومسلم ([63]) من حديث :
13- قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ([64])
لما نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه دل على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته ، فإن الإيمان لا ينفي إلا بانتفاء بعض واجباته ، كما قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"([65]). الحديث
وإنما يحب الرجل لأخيه ما يحب لنفسه إذا سلم من الحسد والغل والغش والحقد ، وذلك واجب كما قال النبي (183-أ/ ف ) صلى الله عليه وسلم : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا " ([66]) ، فالمؤمن أخو المؤمن يحب له ما يحب لنفسه ويحزنه ما يحزنه كما قال صلى الله عليه وسلم :
" مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر " ([67]) فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلة من دين أو غيره أحب أن يكون لأخيه نظيرها من غير أن تزول عنه كما قال ابن عباس : إني لأمر بالآية من القرآن فأفهمها فأود أن الناس كلهم فهموا منها ما أفهم . وقال الشافعي : وددت أن الناس كلهم تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء . فأما حب التفرد عن الناس بفعل ديني أو دنيوي : فهو مذموم ، قال الله تعالى : ) تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا( ( القصص : 83) ، وقد قال علي وغيره : هو أن لا يحب أن يكون نعله خيرا من نعل غيره ولا ثوبه خيرا من ثوبه ([68]) وفي الحديث المشهور في " السنن " : " من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار ([69]) . وأما الحديث الذي فيه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أحب الجمال ، وما أحب أن يفوقني أحد بشراك أو بشسع نعلي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ليس ذلك من الكبر" ([70]) ، فإنما فيه أنه أحب أن لا يعلو عليه أحد ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس ، بل يصدق هذا أن يكون مساويا لأعلاهم فما حصل بذلك محبة العلو عليه والانفراد عنهم ، فإن حصل لأحد فضيلة خصصه الله بها عن غيره فأخبر بها على وجه الشكر ، لا على وجه الفخر كان حسنا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول شافع ولا فخر " ([71]) . وقال ابن مسعود : لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته .
8-فصل ([72])
خرج البخاري ومسلم ([73]) من حديث :
14- أبي هريرة ([74]) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده " .
وخرج البخاري ومسلم ([75]) - أيضا – من حديث :
15- أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " .
محبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل ، وقد قرنها الله بها ، وتوعد من قدم عليها شيء من الأمور المحبوبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك ، فقال تعالى : ) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ ( [ التوبة : 24] .
و لما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال : " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك " فقال عمر : والله أنت الآن أحب إلي من نفسي ، قال : " الآن يا عمر " . ([76]) فيجب تقديم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم (183- ب /ف ) على النفوس والأولاد والأقارب والأهلين والأموال والمساكين ، وغير ذلك مما يحبه الناس غاية المحبة ، وإنما تتم المحبة بالطاعة كما قال تعالى : ) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ( [ آل عمران : 31 ] وسئل بعضهم عن المحبة ، فقال : الموافقة في جميع الأحوال. فعلامة تقديم محبة الرسول على محبة كـل مخلوق : أنه إذا تعارض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره وداع آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة ، فإن قدم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي : كان دليلا على صحة محبته للرسول وتقديمها على كل شيء ، وإن قدم على طاعته وامتثال أوامره شيئا من هذه الأشياء المحبوبة طبعا : دل ذلك على عدم إتيانه بالإيمان التام الواجب عليه . وكذلك القول في تعارض محبة الله ومحبة داعي الهوى والنفس ، فإن محبة الرسول تبع لمحبة مرسله عز وجل . هذا كله في امتثال الواجبات وترك المحرمات . فإن تعارض داعي النفس ومندوبات الشريعة ، فإن بلغت المحبة على تقديم المندوبات على دواعي النفس كان ذلك علامة كمال الإيمان وبلوغه إلى درجة المقربين والمحبوبين المتقربين بالنوافل بعد الفرائض ، وإن لم تبلغ هذه المحبة إلى الدرجة فهي درجة المقتصدين أصحاب اليمين الذين كملت محبتهم ولم يزيدوا عليها






([1]) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 1/ 419) .
([2]) ما بين المعقوفين طمس في "ف " ولم يظهر منه إلا حرف " ن " ولعلها كما أثبتناها .
([3]) راجع " المسائل والرسائل عن الإمام أحمد في العقيدة " (2/36، 48 ،51) .
([4]) " تعظيم قدر الصلاة " ( 2/929- 931) .
([5]) " تعظيم قدر الصلاة " (2/889) ، اخرج الجزء الخاص بالصلاة .
([6]) راجع آخر " المسند " له (2/ 547) .
([7]) أبو يعلى في " مسنده " (4/ 236) .
([8]) " تعظيم قدر الصلاة " ، (2/ 925-936) .
([9]) (2622).
([10]) أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ( 11/25) ، وعبد الرزاق (3/125) ، والآجري في " الشريعة " (34) والمروزي في " تعظيم قدر الصلاة " (2/892) . انظر "علل الدار قطني " (2/209-212) .
([11]) مسلم ( 82) ، ولم يخرج البخاري هذا المتن ! .
([12]) النسائي (1/231) ، والترمذي (2621) ، وابن ماجه (1079) .
([13]) رواه أبو إسحاق واختلف عنه ، فرواه حبيب بن حبيب ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، واستنكره عليه أبو حاتم وأبو زرعة كما في " العلل " (2/146) وابن عدي في "الكامل " ( 2/415) والبيهقي في " شعب الإيمان " (6/95) وغيرهم . وحبيب هذا قال فيه أبو زرعة : " واهي الحديث " كما في " الجرح " (3/309) ورواه يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق ، عن صلة ، عن حذيفة مرفوعا. واستنكروا عليه رفعه إذ خالفه شعبة فرواه موقوفا عند الطاليسي (413) والبزار في " مسنده " (7/330) وغيرهما ، وقال أبو داود الطياليسي : " وذكروا أن غير شعبة يرفعه " ا.هـ وقد صحح الوقف كل من : أبي حاتم وأبي ذرعة الرازيان في " العلل " (2/146) والبزار في " مسنده " وقال : " لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق " ا.هـ . وقد استغرب الدار قطني في " الأفراد " الرفع وقال : " رفعه يزيد بن عطاء ، عن أبي إسحاق ، وتفرد برفعه " ا.هـ . من أطراف الغرائب " ( 1994) بتحقيقنا وفي العلل " ( 3/171) – له – أورده موقوفا عن أصحاب أبي إسحاق وقال : " وهو الأصوب " أ.هـ . وكذا جزم البيهقي في " الشعب " بقوله : " ورواية شعبة أصح " أ . هـ . وقد ذكر المصنف في " جامع العلوم والحكم " ( 1/74) : أن الموقوف أصح " أ.هـ وهو الصواب حيث تابعه شعبة على الوقف : سفيان الثوري كما عند عبد الرازق في " مصنفه " (3/125) وابن أبي شيبة (11/7) ، وهما أثبت أصحاب أبي إسحاق . هذا وقد روي – أيضا – من طريق حبيب ، عن أخيه حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق ، قال الدار قطني في " الأفراد " : " ومن قال فيه عن حبيب ، عن أخيه حمزة الزيات ، عن أبي إسحاق فقد وهم وهما قبيحا ،وأخطأ خطأ عظيما أزهـ " أطراف الغرائب " (275بتحقيقنا ـ 0 وانظره في " العلل " (2/ 146) .
([14][font:b6fe='Tra

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 4:01 am

8-فصل ([1])
خرج البخاري ومسلم ([2]) من حديث :


16- أبي قلابة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " . وقد خرجه مسلم وعنده في رواية : " فقد وجد طعم الإيمان ([3]) ، وجاء في رواية : " وجد طعم الإيمان وحلاوته " .

فهذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان ، فمن كملها فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه ، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم ، فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها كما أن الطعام و الشراب غذاء الأبدان وقوتها ، وكما أن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك ، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه ، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته ، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة والشهوات المحرمة وجد حلاوة الإيمان حينئذ ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان ، بل يستحلي ما فيه هلاكه من الأهواء والمعاصي . ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ([4]) ، لأنه لو كمل إيمانه لوجد حلاوة الإيمان فاستغنى بها عن استحلاء المعاصي .

سئل وهيب بن الورد : هل يجد طعم الإيمان من يعصي الله ؟ قال : لا ، ولا من هم بالمعصية . وقال ذو النون : كما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب . فمن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث (184 – أ /ف ) فقد وجد حلاوة الإيمان وطعم طعمه :

أحدها : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما . ومحبة الله تنشأ تارة من معرفته ، وكمال معرفته : تحصل من معرفة أسمائه وصفاته وأفعاله الباهرة والتفكير في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحكم والعجائب ، فإن ذلك كله يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته .

وتارة ينشأ ([5]) من مطالعة النعم ، وفي حديث ابن عباس المرفوع : " أحبوا الله لما يغدوكم ([6]) من نعمه وأحبوني لحب الله " . خرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه ([7]) . وقال بعض السلف : من عرف الله أحبه ، ومن أحبه أطاعه فإن المحبة تقتضي الطاعة كما قال بعض العارفين : الموافقة في جميع الأحوال ، ثم أنشد : ولو قلت لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا

ومحبة الله على درجتين :
إحداهما : فرض ، وهي المحبة المقتضية لفعل أوامره الواجبة والانتهاء عن زواجره المحرمة والصبر على مقدوراته المؤلمة ، فهذا القدر لابد منه في محبة الله ، ومن لم تكن محبته على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله ، كما قال بعض العارفين : من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب ، فمن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات أو أخل بشيء من فعل الواجبات فلتقصره في محبة الله حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله ، فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه . وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه لنقص محبته الواجبة في القلوب وتقديم هوى النفس على محبته وبذلك ينقص الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (
[8]) الحديث .

والدرجة الثانية من المحبة - وهي فضل مستحب -: أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات ، والرضى بالأقضية المؤلمات ، كما قال عامر بن عبد قيس : أحببت الله حبا هون علي كل مصيبة ورضاني بكل بلية ، فما أبالي مع حبي إياه على ما أصبحت ، ولا على ما أمسيت ([9]) . و قال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر ، ولما مات ولده الصالح قال : إن الله أحب قبضه ، وأعوذ بالله أن تكون لي محبة تخالف محبة الله . وقال بعض التابعين في مرضه : أحبه إلي أحبه إليه . وأما محبة الرسول : فتنشأ عن معرفته ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به ، وينشأ ذلك في معرفة مرسله وعظمته - كما سبق - ، فإن محبة الله لا تتم إلا بطاعته ، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رسوله ، كما قال تعالى : ) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ( [ آل عمران : 31] ومحبة الرسول على درجتين - أيضا : إحداهما : فرض ، وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات والانتهاء عما نهى عنه من المحرمات والرضى بذلك ، وأن لا يجد في نفسه حرجا مما جاء به ويسلم له تسليما ، وأن لا يتلقى الهدى من غير مشكاته ولا يطلب شيئا من الخير إلا مما جاء به .

الدرجة الثانية : فضل مندوب إليه ، وهي : ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه ، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه وتعلق قلبه به دائما وصدق الالتجاء إليه والتوكل والاعتماد عليه ، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلها ودوام لهج القلب واللسان بذكره والأنس به والتنعم بالخلوة بمناجاته ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر .

وفي الجملة : فكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ، فأكمل الخلق من حقق متابعته وتصديقه قولا وعملا وحالا وهم الصديقون من أمته الذين رأسهم : أبو بكر – خليفته بعده – وهم أعلى أهل الجنة درجة بعد النبيين كما قال صلى الله عليه وسلم : " إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون ([10]) الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق إلى المغرب لتفاضل ما بينهم " قالوا " : يا رسول الله ! تلك منازل الأنبياء ما يبلغها غيرهم ، قال : " إي والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " . خرجاه في " الصحيحين " من حديث أبي سعيد ([11]) .

الخصلة الثانية : أن يحب المرء لا يحبه إلا لله . والحب في الله من أصول الإيمان وأعلى درجاته . وفي " المسند " ([12]) عن معاذ بن أنس الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الإيمان ، فقال : أن تحب لله وتبغض لله وتعمل لسانك في ذكر الله " . وفيه - أيضا – عن عمرو بن الجموح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله ، فإذا أحب لله ، وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله " ([13]) وفيه : عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أوثق عرى الإيمان : أن تحب في الله وتبغض في الله ([14]) وخرج الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أفضل الأعمال : الحب في الله والبغض في الله"([15]). ومن حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان " ([16]) . وخرجه أحمد ، والترمذي من حديث معاذ بن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد أحمد في رواية " وأنكح لله " ([17]) .

وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها ، لأن من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فقد صار حبه كله له ، ويلزم من ذلك أن يكون بغضه لله وموالاته له ومعاداته له ، وأن لا تبقى له بقية من نفسه وهواه ، وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال والأعمال ، وكراهة ما يكرهه من ذلك ، وكذلك من الأشخاص ، ويلزم من ذلك معاملتهم بمقتضى الحب والبغض ، فمن أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل ، ومن أبغضه لله أهانه بالعدل ، ولهذا وصف الله المحبين له بأنهم ) أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 185- أ /ف ) أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ( [ المائدة : 54] . وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يبلغني إلى حبك " ([18]) فلا تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه وموالاتهم وبغض أعدائه ومعاداتهم . وسئل بعض العارفين : بما تنال المحبة ؟ قال : بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، وأصله الموافقة .

الخصلة الثالثة : أن يكره الرجوع إلى الكفر كما يكره الرجوع إلى النار . فإن علامة محبة الله ورسوله : محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه الله ورسوله – كما سبق – فإذا رسخ الإيمان في القلب وتحقق به ووجد حلاوته وطعمه أحبه وأحب ثباته ودوامه والزيادة منه وكره مفارقته وكان كراهته لمفارقته أعظم عنده من كراهة الإلقاء في النار ، قال الله تعالى ) وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ( [ الحجرات : 7] . والمؤمن يحب الإيمان أشد من حب الماء البارد في شدة الحر للظمآن ، ويكره الخروج منه أشد من كراهة التحريق بالنيران ، كما في " المسند " عن أبي رزين العقيلي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : " أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما ، وأن تحرق في النار أحب إليك من أن تشرك بالله ، وأن تحب غير ذي نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ([19])

وفي " المسند " – أيضا – أن النبي صلى الله عليه وسلم وصى معاذ بن جبل فقال له فيما وصاه به : " لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت وحرقت " ([20]) .

وفي " سنن ابن ماجة " ([21]) أن النبي صلى الله عليه وسلم وصي أبا الدرداء وغيره – أيضا . وقد أخبر الله عن أصحاب الأخدود بما أخبر به وقد كانوا فتنوا المؤمنين والمؤمنات وحرقوهم بالنار ليرتدوا عن الإيمان ، فاختاروا الإيمان على النار . وفي " الصحيح " عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن امرأة منهم أتى به ومعها صبي لها يرضع فكأنها تقاعست أن تلقي نفسها في النار من أجل الصبي فقال لها الصبي : يا أمه ! اصبري فإنك على الحق " ([22]) . وألقي أبو مسلم الخولاني في النار على امتناعه أن يشهد للأسود بالنبوة فصارت عليه بردا وسلاما . وعرض على عبد الله بن حذافة أن يتنصر فأمر ملك الروم بإلقائه في قدر عظيمة مملوءة ماء تغلي عليه فبكى وقال : لم أبك جزعا من الموت ، لكن أبكي أنه ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله ، لوددت أنه كان لي مكان كل شعرة مني نفسا يفعل بها ذلك في الله عز وجل . هذا مع أن التقية في ذلك باللسان جائزة مع طمأنينة القلب بالإيمان كما قال تعالى ) إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ( [ النحل : 106] . ولكن الأفضل الصبر وعدم التقية في ذلك . فإذا وجد القلب حلاوة الإيمان أحس بمرارة الكفر والفسوق والعصيان ولهذا قال يوسف عليه السلام : ) رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ( [ يوسف " 33] . سئل ذو النون : متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر . وقال ( 185- ب /ف ) بشر بن السري : ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغضه حبيبك . واعلم أن القدر الواجب من كراهة الكفر والفسوق والعصيان هو أن ينفر من ذلك ويتباعد منه جهده ويعزم على أن لا يلابس شيئا من جهده لعلمه بسخط الله له وغضبه على أهله . فأما ميل الطبع إلى ما يميل من ذلك – خصوصا لمن اعتاده ثم تاب منه – فلا يؤاخذ به إذا لم يقدر على إزالته ، ولهذا مدح الله من نهى النفس عن الهوى ، وذلك يدل على أن الهوى يميل إلى ما هو ممنوع منه وأن من عصى هواه كان محمودا عند الله عز وجل .

وسئل عمر عن قوم يشتهون المعاصي ولا يعملون بها ، قال : ) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( ([23]) [ الحجرات : 3 ] . وقد ترتاض النفس بعد ذلك وتألف التقوى حتى تتبدل طبيعتها وتكره ما كانت مائلة إليه وتصير ([24]) التقوى لها طبيعة ثابتة . وهل هذا أفضل من الأول أم الأول أفضل ؟

هذا وقد يخرج على اختلاف العلماء فيمن عمل طاعة ونفسه تأباها وهو يجاهدها ، وآخر عملها ونفسه طائعة مختارة لها أيهما أفضل ؟ وفيه قولان مشهوران للعلماء والصوفية . والأظهر : أن الثاني أفضل . وفي كلام الإمام أحمد ما يدل على خلافه . وفي " مسند الإمام أحمد " : حدثنا يحي بن سعيد ، عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : " أسلم " قال : أجدني كارها قال : " ، إن كنت كارها " ([25]) وهذا يدل على صحة الإسلام مع نفور القلب عنه وكراهته له ، لكن إذا دخل في الإسلام واعتاده وألفه : دخل حبه قلبه ووجد حلاوته . وخرج مسلم حديث أنس المتقدم ، ولفظه : " ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " ([26]) .

ويستشكل من هذا اللفظ أنه يقتضي ([27]) وجود محبة الأمرين – أعني : الإلقاء في النار والرجوع إلى الكفر - ، وترجع محبة الأول على الثاني ، ووقع مثله في القرآن في قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام – ) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ( [ يوسف : 33 ] ومثله قول علي رضي الله عنه : إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه ([28]) . ويجاب عن ذلك : بأن من خير بين أمرين مكروهين فاختار أحدهما على الآخر لشدة كراهته لما رغب عنه فإنه يقال : إنه محب لما اختاره مريد له وإن كان لا يحبه ولا يختاره لنفسه ، بل لدفع ما عنده أشد كراهة وأعظم ضررا . ومن هنا ورد ما ورد من حب الموت في الفتنة والتخلص منها . وقيل لعطاء السليمي : لو أججت نار وقيل : من دخلها نجا من جهنم هل كنت تدخله ؟ فقال : بل كنت أخشى أن تخرج نفسي فرحا بها قبل وصولي إليها ([29]) ويشبه هذا حال المكره على فعل بضرب أو سجن أو تهديد أو بقتل ونحو ذلك إذا فعله افتداء لنفسه مما أكره عليه هل هو مختار له أم لا ؟ وفيه اختلاف مشهور بين الأصوليين .

والتحقيق : أنه مختار له ، لا لنفسه ، بل للافتداء به من المكروه الأعظم ، فهو مختار له من وجه دون وجه ، وهذا بخلاف فعل المؤمن الطاعات خوفا من الله ، فإنه ليس فعله كفعل ( 186 – أ / ف ) المكره ، لأن المؤمن يجب عليه أن يأتي بالطاعة خوفا من عقاب الله ورجاء لثوابه وحبا له ، فبذلك يفارق حال المكره . ومن هنا تظهر المسألة التي تفر منها الفقهاء وهي : إذا قال رجل لامرأته : إن كنت تحبيني ([30]) أن يعذبك الله بالنار فأنت طالق ، فقالت : أنا أحبه ، فقال كثير منهم من أصحابنا وغيرهم : إنها تطلق لأنها قد تختار ذلك وتحبه افتداء به من معاشرة زوجها لشدة بغضها له وجهلا منها بتصور عذاب جهنم فتكون صادقة فيما أخبرت به . و من هذا : الحديث الذي فيه أن الكافر يقول من شدة ما يجد في الموقف يوم القيامة : رب أرحني حتى ولو إلى النار . فظهر بهذا : أن من خير بين مكروهين فاختار أخفهما دفعا لأعظمهما أنه يكون محبا لما اختاره مختارا له من وجه دون وجه . وأما ما يقتضيه لفظ الحديث من كونه محبا للآخر : فهذا – أولا – غير لازم على قول الكوفيين الذين لا يرون أن " أفعل " التفضيل يلزم منه المشاركة مطلقا ، فيجوز عندهم أن يقال : الثلج أبرد من النار ، وأما على قول البصريين فإنه قد ورد في كثير من نصوص الكتاب والسنة ما تمتنع فيه المشاركة وتأولوا فيه " أفعل " بـ " فاعل " فكذلك تتأول هنا . ومما بقي مما يتعلق بلفظ هذا الحديث : أن قوله صلى الله عليه وسلم : " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " يدل على أنه يجوز الجمع بين اسم الله واسم غيره من المخلوقين في كلمة واحدة . وفي " سنن أبي داود " عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبته : " من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا ([31]) .

و قال ابن مسعود – لما قضي في بروع ([32]) - : إن يكون صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان من الخطأ . وقد اختلف الناس في جواز مثل هذا التركيب في الكلام على أقوال :

أحدهما : أنه لا يجوز . و الثاني : أنه لا يجوز في كلام الله عز وجل دون غيره . والثالث : أنه ممتنع مطلقا . واحتجوا بحديث عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ومن يعصهما فقد غوى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " بئس الخطيب أنت ، قل : ومن يعص الله ورسوله " . خرجه مسلم . و قد قيل : إن قوله : " قل : ومن يعص الله ورسوله " مدرجة في الحديث ([33]) وإنما أنكر عليه وقفه في قوله : " و من يعصهما". وقد ذكر هذا الاختلاف ابن عطية في " تفسيره " وغيره .

و فيه قول آخر : أنه يمتنع في واو الجمع أو ألف التثنية المتصلين بالأفعال نحو : يفعلون ، وتفعلان ، كقوله تعالى:) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ( ( الأحزاب : 56) ، وهذا هو الذي ذكره القاضي أبو يعلي في كتابه " أحكام القرآن "([34]) . و من منع ذلك : أجاب بأن في الكلام حذفا تقديره : إن الله يصلي وملائكته يصلون، والله أعلم .
10 – فصل ([35])


خرج البخاري ومسلم ([36]) من حديث :

17- أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " آية الإيمان : حب الأنصار ، وآية النفاق : بغض الأنصار " .

هذا المعنى يرجع إلى ما تقدم من حب المرء لا يحبه إلا لله ([37]) من علامات وجود حلاوة الإيمان وأن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان ، وأنه أفضل ( 186- ب / ف ) الإيمان ، فالأنصار نصروا الله ورسوله فمحبتهم من تمام حب الله ورسوله . وخرج الإمام أحمد من حديث سعيد بن زيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار " ([38]) وخرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أحب الأنصار فبحبي أحبهم ، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم " ([39]) وفي صحيح مسلم " عن أبي سعيد وأبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر " ([40]) وفي " المسند " عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق " . ([41]) وكذلك حب المهاجرين - الذين هم أفضل من الأنصار – من الإيمان . وفي " صحيح مسلم " ، عن علي قال : إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي : لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق ([42]) وفي " المسند " والترمذي ، عن عبد الله بن مغفل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم " ([43]) وفي بعض نسخ كتاب الترمذي ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي " ([44]) .

وفي " المسند " وكتاب النسائي ، وابن ماجه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن والحسين : " من أحبهما فقد أحبني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني " ([45]) . فمحبة أولياء الله وأحبابه عموما من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه ، وبغضهم محرم فهو من خصال النفاق ، لأنه مما لا يتظاهر به غالبا ، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه فهو شر ممن كتمه وأخفاه .

و من كان له مزية في الدين لصحبته النبي صلى الله عليه وسلم أو لقرابته أو نصرته فله مزيد خصوصية في محبته وبغضه . و من كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين فهو أعظم حقا مثل علي رضي الله عنه . وقد روي أن المنافقين إنما كانوا يعرفون ببغض علي رضي الله عنه ، ومن هو أفضل من علي كأبي بكر وعمر ، فهو ([46]) أولى بذلك ، ولذلك قيل : إن حبهما من فرائض الدين ، وقيل : إنه يرجى على حبهما ما يرجى على التوحيد من الأجر .
11 – فصل ([47])


قال البخاري :

18 – حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب عن الزهري : أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن عبادة بن الصامت ([48]) - وكان شهد بدرا ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – وحوله عصابة من أصحابه - : " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف ، فمن وفي منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب [ به ] ([49]) في الدنيا فهو كفارة ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " فبايعناه على ذلك .

هذا الحديث سمعه أبو إدريس ، عن عقبة بن عامر ، عن عبادة ، وزيادة عقبة في إسناده : وهم . وقد خرج البخاري الحديث في " ذكر بيعة العقبة " ([50]) وفي " تفسير سورة الممتحنة " ([51]) من كتابه هذا ، وفيه التصريح بأن أبا إدريس أخبره به عبادة وسمعه منه ( 187- أ/ ف ) .

وكان عبادة قد شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة حيث بايعت الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة ، لكن هذه البيعة المذكورة في هذا الحديث كانت ليلة العقبة أم لا ؟ هذا وقع فيه تردد ، فرواه ابن إسحاق ، عن الزهري وذكر في روايته أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . وروى ابن إسحاق – أيضا - ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله ، عن الصنابحي ، عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ولا نـزني ، الحديث ([52]) . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن إسحاق هكذا([53]). وكذا رواه الواقدي عن يزيد بن حبيب . وخرجاه في " الصحيحين " من حديث الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن الصنابحي ، عن عبادة قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بايعنا على أن لا نشرك بالله شيئا فذكر الحديث ([54]) . وليس هذا بالصريح في أن هذه البيعة كانت ليلة العقبة . ولفظ مسلم بهذه الرواية ([55]) : عن عبادة بن الصامت قال : إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : بايعناه على أن لا نشرك ، الحديث . وهذا اللفظ قد يشعر بأن هذه البيعة غير ([56]) بيعة النقباء .

وخرجه مسلم ، من وجه آخر من رواية أبي قلابة ، عن أبي الأشعث ، عن عبادة قال : أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخذ على النساء أن لا نشرك بالله شيئا ([57]) .

هذا قد يشعر بتقدم أخذه على النساء على أخذه عليهم . وخرج مسلم حديث عبادة من رواية أبي إدريس ، عنه وقال في حديثه : فتلا علينا آية النساء أن لا نشرك بالله شيئا ، الآية ([58]) . وخرجه البخاري في " تفسير الممتحنة " من رواية ابن عيينه ، عن الزهري وقال فيه : وقرأ آية النساء ، وأكثر لفظ سفيان : وقرأ الآية ، ثم قال : تابعه عبد الرزاق ، عن معمر في الآية ([59]) . وكذا خرجه الإمام أحمد والترمذي وعندهما : فقرأ عليهم الآية ، زاد الإمام أحمد: التي أخذت على النساء ) إذا جاءك المؤمنات ( ([60]) [ الممتحنة : 12] . وهذا تصريح بأن هذه البيعة كانت بالمدينة، لأن بيعة النساء مدنية . وروى هذا الحديث سفيان بن حسين ، عن الزهري ، وقال في حديثه : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ؟ ثم تلا هذه الآية} قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [ الأنعام : 151] حتى فرغ من الثلاث آيات . خرجه الهيثم بن كليب في " مسنده " وسفيان بن حسين ليس بقوي ، خصوصا في حديث الزهري ، وقد خالف سائر الثقات من أصحابه في هذا ([61]) .

وقد روى عبادة بن الصامت أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ينازعوا الأمر أهله ،أن يقولوا بالحق ([62]) .فهذه صفة أخرى غير صفة البيعة المذكورة في الأحاديث المتقدمة .

وهذه البيعة الثانية مخرجة في " الصحيحين " من غير وجه عن عبادة . وقد خرجها الإمام أحمد ([63]) من رواية ابن إسحاق : حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه عن جده عبادة – وكان أحد النقباء – قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب . وكان عبادة من الاثنى عشر ( 187- ب / ف ) نقيبا الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الأولى على بيعة النساء على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ، وذكر الحديث . و هذه الرواية تدل على أن هذه البيعة هي بيعة الحرب وأن بيعة النساء كانت في العقبة الأولى قبل أن يفرض ([64]) الحرب ، فهذا قد يشعر بأن هذه البيعة كانت بالمدينة بعد فرض الحرب . وفي هذا نظر . وقد خرجه الهيثم بن كليب في " مسنده " من رواية ابن إدريس ، عن ابن إسحاق ويحي بن سعيد وعبيد الله بن عمر ، عن عبادة بن الوليد أن أباه حدثه ، عن جده قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الآخرة على السمع والطاعة، فذكره .

وخرجه ابن سعد من وجه آخر ، عن عبادة بن الوليد مرسلا ([65]) . وخرج الإمام أحمد من وجه آخر ، عن عبادة أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم هذه البيعة على السمع والطاعة ، الحديث وقال فيه : وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا ([66]) . وهذا يدل على أن هذه البيعة كانت قبل الهجرة وذلك ليلة العقبة .

وخرج – أيضا ([67]) – هذا المعنى من حديث جابر بن عبد الله أن هذه البيعة كانت للسبعين بشعب العقبة وهي البيعة الثانية ، وتكون سميت هذه البيعة الثانية ، بيعة الحرب ، لأن فيها البيعة على منع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك يقتضي القتال دونه ، فهذا هو المراد بالحرب وقد شهد عبادة البيعتين معا . ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع أصحابه على بيعة النساء قبل نـزول أية مبايعتهن ، ثم نـزلت الآية بموافقة ذلك .

و في المسند ([68]) عن أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جمع النساء فبايعهن على هذه الآية إلى قوله ) ولا يعصينك في معروف ( [ الممتحنة : 12] .

وهذا قبل نـزول سورة الممتحنة ، فإنها إنما أنـزلت قبل الفتح بيسير والله أعلم بحقيقة ذلك كله . وأما ما بايعهم عليه : فقد اتفقت روايات حديث عبادة من طرقه الثلاث عن أنهم بايعوه على أن لا يشركوا بالله ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا . و في بعض الروايات : لا يقتلوا أولادهم – كما في لفظ الآية - ، وفي بعضها : لا يقتلوا النفس التي حرم الله . وهذه رواية الصنابحي ، عن عبادة . ثم إن من الرواة من اقتصر علي هذه الأربع ولم يزد عليها . ومنهم من ذكر خصلة خامسة بعد الأربع ، ولكن لم يذكرها باللفظ الذي في الآية ، ثم اختلفوا في لفظها : فمنهم من قال : " ولا تنتهب " – وهي رواية الصنابحي ، عن عبادة المخرجة في " الصحيحين " ومنهم من قال " ولا يعضه – بعضنا بعضا " وهي رواية أبي الأشعث عن عبادة - ، خرجها مسلم . ومنهم من قال : " ولا يغتب بعضنا بعضا " – وهي رواية الإمام أحمد ([69]) . و أما الخصلة السادسة : فمنهم من لم يذكرها بالكلية – وهي رواية أبي الأشعث التي خرجها مسلم . ومنهم من ذكرها وسماها المعصية فقال : " ولا نعصي " – كما في رواية الصنابحي – وفي رواية أبي إدريس : " ولا تعصوا في معروف " . فأما الشرك والسرقة ([70]) والزنا والقتل : فواضح ، وتخصيص قتل الأولاد بالذكر في بعض الروايات موافق لما ورد في القرآن في مواضع ( 188- أ / ف ) وليس له مفهوم ، وإنما خصص بالذكر للحاجة إليه ، فإن ذلك كان معتادا بين أهل الجاهلية .

وأما الإتيان ببهتان يف

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 4:10 am


وفي المسند ، والترمذي ( 188- ب / ف ) ، والنسائي ، عن صفوان ابن عسال أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن التسع آيات البينات التي أوتيها موسى فقال : لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ، وعليكم اليهود خاصة أن لا تعدوا في السبت ([80]) .
فلم يذكر في هذا الحديث البهتان المفترى بلفظه ، ولكن ذكر مما فسر به البهتان المذكور في القرآن عدة خصال : السحر ، والمشي ببريء على السلطان ، وقذف المحصنات . وهذا يشعر بدخول ذلك كله في اسم البهتان . وكذلك الأحاديث التي ذكر فيها عدد الكبائر ذكر في بعضها القذف ، وفي بعضها قول الزور أو شهادة الزور ، وفي بعضها اليمين الغموس والسحر ، وهذا كله من البهتان المفترى . وأما الخصلة السادسة : فهي المعصية ، وتشمل جميع أنواع المعاصي ، فهو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو قريب من معنى قوله تعالى : ) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( [ النور : 56] ، وقوله تعالى ) ولا يعصينك في معروف ( [ الممتحنة : 12] . وفي بعض ألفاظ حديث عبادة : " ولا تعصوا في معروف " ، وفي بعضها " ولا تعصوني في معروف " ، وقد خرجها البخاري في موضع آخر ([81]) . وكل هذا إشارة إلى أن الطاعة لا تكون إلا في معروف ، فلا يطاع مخلوق إلا في معروف ولا يطاع في معصية الخالق .
وقد استنبط هذا المعنى من هذه الآية طائفة من السلف ، فلو كان لأحد من البشر أن يطاع بكل حال لكان ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما خصت طاعته بالمعروف – مع أنه لا يأمر إلا بما هو معروف – دل على أن الطاعة في الأصل لله وحده ، والرسول مبلغ عنه وواسطة بينه وبين عباده ، ولهذا قال تعالى : ) مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه ( [ النساء : 80] . فدخل في هذه الخصلة السادسة الانتهاء عن جميع المعاصي . ويدخل فيها – أيضا – القيام بجميع الطاعات على رأي من يرى أن النهي عن شيء أمر بضده .
فلما تمت هذه البيعة على هذه الخصال ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم حكم من وفى بها وحكم من لم يف بها عند الله عز وجل . فأما من وفى بها فأخبر أن أجره على الله – كذا رواية أبي إدريس وأبي الأشعث ، عن عبادة ، وفي رواية الصنابحي ، عنه : فالجنة إن فعلنا ذلك . وقد قال الله تعالى ) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ( [ الفتح : 10] . وفسر الأجر العظيم بالجنة ، كذا قاله قتادة ([82]) . وغيره من السلف . ولا ريب أن من اجتنب الشرك والكبائر والمعاصي كلها فله الجنة ، وعلى ذلك وقعت هذه البيعة ، وإن اختصر ذلك بعض الرواة فأسقط بعض هذه الخصال . وأما من لم يوف بها ، بل نكث بعض ما التزم بالبيعة تركه لله عز وجل . والمراد : ما عدا الشرك من الكبائر ، فقسمه إلى قسمين :
أحدهما : أن يعاقب في الدنيا ، فأخبر ( 189- أ/ف ) أن ذلك كفارة له ، وفي رواية : " فهو طهور له " ، وفي رواية " طهور له أو كفارة " – بالشك - ، ورواه بعضهم : " طهور وكفارة " – بالجمع . وقد خرجها البخاري في موضع آخر في " صحيحه " ([83]) .
وروى ابن اسحاق ، عن الزهري حديث أبي إدريس ، عن عبادة وقال فيه : " فأقيم عليه الحد فهو كفارة له"([84]). وفي رواية أبي الأشعث ، عن عبادة : " ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة " خرجه مسلم ([85]) . وهذا صريح في أن إقامة الحدود كفارات لأهلها . وقد صرح بذلك سفيان الثوري ، ونص على ذلك أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار ، عنه ([86]) . و قال الشافعي : لم أسمع في هذا الباب أن الحد كفارة أحسن من حديث عبادة([87]) . وإنما قال هذا ، لأنه قد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة ، عن علي ، وجرير ، وخزيمة بن ثابت ،وعبد الله بن عمرو ، وغيرهم ، وفي أسانيد كلها مقال ، وحديث عبادة صحيح وثابت . وقد روى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما أدري ما الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟ " وذكر كلاما آخر . خرجه الحاكم . وخرج أبو داود بعض الحديث ([88]) . وقد رواه هشام بن يوسف ، عن معمر ، عن الزهري مرسلا . قال البخاري في " تاريخه " : المرسل أصح ، قال : ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عنه أن الحدود كفارة ([89]) . انتهى . وقد خرجه البيهقي من رواية آدم بن أبي أياس ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا – أيضا ([90]) . وخرجه البزار من وجه آخر فيه ضعف ، عن المقبري ، عن أبي هريرة مرفوعا – أيضا ([91]) . وعلى تقدير صحته ، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلمه ثم علمه فأخبر به جزما . فإن كان الأمر كذلك ، فحديث عبادة إذن – لم يكن ليلة العقبة بلا تردد ، لأن حديث أبي هريرة متأخر عن الهجرة ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم علم – حينئذ – أن الحدود كفارة ، فلا يجوز أن يكون قد أخبر قبل الهجرة بخلاف ذلك . وقد اختلف العلماء : هل إقامة الحد بمجرده كفارة للذنب من غير توبة أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أن إقامة الحد كفارة للذنب بمجرده كفارة ([92]) . وهو مروي عن علي بن أبي طالب ، وابنه الحسن ، وعن مجاهد ، وزيد بن أسلم ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد ، واختيار ابن جرير وغيره من المفسرين ([93]) .
والثاني : أنه ليس بكفارة بمجرده ، فلابد من توبة . وهو مروي عن صفوان بن سليم وغيره ، ورجحه ابن حزم([94]) . وطائفة من متأخري المفسرين كالبغوي وأبي عبد الله بن تيمية وغيرهما . واستدلوا بقوله تعالى في المحاربين : ) ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ( [ المائدة : 33 ] .
وقد يجاب عن هذا : بأن عقوبة الدنيا والآخرة لا يلزم اجتماعها ، فقد دل الدليل على أن عقوبة الدنيا تسقط عقوبة الآخرة . وأما استثناء الذين تابوا فإنما استثناهم من عقوبة الدنيا خاصة ، ولهذا خصهم بما قبل القدرة ، وعقوبة الآخرة تندفع بالتوبة قبل القدرة وبعدها . ويدل على أن الحد يطهر الذنب : قول ماعز للنبي صلى الله عليه وسلم : إني أصبت حدا فطهرني . وكذلك قالت له الغامدية ([95]) ولم ينكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فدل على أن الحد طهارة لصاحبه . ويدخل ( 189 – ب / ف ) في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من أصاب شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارته " : العقوبتان القدرية من الأمراض والأسقام . والأحاديث في تكفير الذنوب بالمصائب كثيرة جدا . وهذه المصائب يحصل بها للنفوس من الألم نظير الألم الحاصل بإقامة الحد وربما زاد على ذلك كثيرا . وقد يقال في دخول هذه العقوبات القدرية في لفظ حديث عبادة نظر ، لأنه قابل من عوقب في الدنيا ستر الله عليه ، وهذه المصائب لا تنافي الستر ، والله أعلم .
والقسم الثاني : أن لا يعاقب في الدنيا بذنبه ، بل ستر عليه ذنبه ويعافى من عقوبته . فهذا أمره إلى الله في الآخرة إن شاء عفا عنه ، وهذا موافق لقول الله عز وجل ) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ( [ النساء : 48]. وفي ذلك رد على الخوارج والمعتزلة في قوله : إن الله يخلده في النار إذا لم يتب . وهذا المستور في الدنيا له حالتان :
إحداهما : أن يموت غير تائب ، فهذا في مشيئة الله - كما ذكرنا .
والثانية : أن يتوب من ذنبه .
فقال طائفة : إنه تحت المشيئة - أيضا - ، واستدلوا بالآية المذكورة وحديث عبادة . والأكثرون على أن التائب من الذنب مغفور له وأنه كمن لا ذنب له كما قال تعالى ) إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ( [ الفرقان : 70] وقال : ) أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ( [ آل عمران : 136] . فيكون التائب – حينئذ – ممن شاء الله أن يغفر له . واستدل بعضهم – وهو ابن حزم ([96]) - بحديث عبادة هذا : على أن من أذنب ذنبا فإن الأفضل له أن يأتي الإمام فيعترف عنده ليقيم عليه الحد حتى يكفر عنه ولا يبقى تحت المشيئة في الخطر ، وهذا مبني على قوله : إن التائب في المشيئة . والصحيح : أن التائب توبة نصوحا مغفور له جزما ، لكن المؤمن يتهم توبتة ولا يجزم بصحتها ولا بقبولها ، فلا يزال خائفا من ذنبه وجلا .ثم إن هذا القائل لا يرى أن الحد بمجرده كفارة ، وإنما الكفارة التوبة ، فكيف لا يقتصر على الكفارة ؟ بل يكشف ستر الله عليه ليقام عليه ما لا يكفر عنه .
وجمهور العلماء على أن من تاب من ذنب فالأصل أن يستر على نفسه ولا يقر به عند أحد ، بل يتوب منه فيما بينه وبين الله عز وجل . روي ذلك عن أبي بكر ، وعمر ، وابن مسعود ، وغيرهم ، ونص عليه الشافعي ([97]) . ومن أصحابه وأصحابنا من قال : إن كان غير معروف بين الناس بالفجور فكذلك ، وإن كان معلنا بالفجور مشتهرا به فالأولى أن يقر بذنبه عند الإمام ليطهره منه .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ : " إذا أحدثت ذنبا فأحدث عنده توبة إن سرا فسرا وإن علانية فعلانية " ([98]) . وفي إسناده مقال . وهو إنما هو يدل ([99]) على إظهار التوبة ، وذلك لا يلزم منه طلب إقامة الحد .وقد وردت أحاديث تدل على أن من ستر الله عليه في الدنيا فإن الله يستر عليه في الآخرة ، كحديث ابن عمر في النجوى ، وقد خرجه البخاري في " التفسير " ([100]) . وخرج الترمذي ، وابن ماجه عن علي مرفوعا : " من أذنب ذنبا في الدنيا فستره الله عليه فالله أكرم ( 190 – أ / ف ) أن يعود في شيء قد عفا عنه " ([101]) .
وفي " المسند " ([102]) عن عائشة مرفوعا : " لا يستر الله على عبد ذنبا في الدنيا إلا ستره عليه في الآخرة " وروي مثله ذلك عن علي ، وابن مسعود من قولهما . وقد يحمل ذلك كله على التائب من ذنبه جمعا بين هذه النصوص وبين حديث عبادة هذا . وأصح هذه الأحاديث المذكورة ها هنا : حديث بن عمرو النجوي ، وليس فيه تصريح بأن ذلك عام لكل من ستر عليه ذنبه ، والله تعالى أعلم . وقد قيل : إن البيعة سميت بيعة لأن صاحبها باع نفسه لله.
والتحقيق : أن البيع والمبايعة مأخوذان من مد الباع لأن المتبايعين ([103]) للسلعة كل منهما يمد باعه للآخر ويعاقده عليها ، وكذلك من بايع الإمام ونحوه فإنه يمد باعه إليه ويعاهده ويعاقده على ما يبايعه عليه . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه عند دخولهم في الإسلام على التزام أحكامه ، وكان أحيانا يبايعهم على ذلك بعد إسلامهم تجديدا للعهد وتذكيرا بالمقام عليه . وفي " الصحيحين " عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى النساء في يوم عيد وتلا عليهن هذه الآية : ) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ( الآية [ الممتحنة : 12 ] وقال : " أنتن على ذلك ؟ " فقالت امرأة منهن : نعم ([104]) . وفي صحيح مسلم " عن عوف بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : " ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " – ومنا حديث عهد ببيعة – فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فقال : " ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ " قلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال : " ألا تبايعون رسول الله ؟ " فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ، فعلى ما نبايعك ؟ فقال : " أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا " – وأسر كلمة خفية - : " ولا تسألوا الناس شيئا " ([105]) . وحديث عبادة المذكور هاهنا في البيعة : قد سبق أنه كان ليلة العقبة الأولى فيكون بيعة لهم على الإسلام والتزام أحكامه وشرائعه .
وقد ذكر طائفة من العلماء – منهم القاضي أبو يعلي في كتاب " أحكام القرآن " من أصحابنا – أن البيعة على الإسلام كانت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم واستدلوا بأن الأمر بالبيعة في القرآن يخص الرسول بالخطاب بها وحده كما قال تعالى " ) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ( [ الممتحنة : 12] . ولما كان الامتحان وجه الخطاب إلى المؤمنين عموما فقال : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ( [ الممتحنة : 10] فدل على أنه يعم المؤمنين ، وكذلك قوله تعالى ) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ( [ الفتح : 10] ، وهذا أمر يخص به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يشركه فيه غيره . ولكن قد روى عثمان أنه كان بايع على الإسلام . قال الإمام أحمد : حدثنا مسكين بن بكير قال : ثنا ثابت بن عجلان ، عن سليم أبي ([106]) عامر أن وفد الحمراء أتوا عثمان بن عفان يبايعونه على الإسلام وعلى من ورائهم فبايعهم على أن لا يشركوا بالله شيئا وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويدعوا عيد المجوس فلما قالوا بايعهم . وقد بايع عبد الله بن حنظلة الناس يوم الحرة ( 190- ب / ف ) على الموت ، فذكر ذلك لعبد الله بن زيد الأنصاري فقال : لا أبايع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . خرجه البخاري في الجهاد([107]) وإنما أنكر البيعة على الموت لا أصل المبايعة . وقال أبو إسحاق الفزاري : قلت للأوزاعي : لو أن إمامنا أتاه عدو كثير فخاف على من معه فقال لأصحابه : تعالوا نتبايع على أن لا نفر ، فبايعوا على ذلك ؟ . قال : ما أحسن هذا . قلت : فلو أن قوما فعلوا ذلك بينهم دون الإمام ؟ قال : لو فعلوا ذلك بينهم شبه العقد في غير بيعة ([108]) .






([1]) باب " حلاوة الإيمان " .
([2]) برقم (43 / 67) .
([3]) مسلم _43 / 68) .
([4]) ر البخاري ( فتح : 2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة . وسبق ( ص 45) .
([5]) كذا في " ف " ولعل الصواب " تنشأ " بالمثناة الفوقية .
([6]) كذا في الترمذي ، وفي " التحفة " و" العارضة " : يغدوكم " بالذال المعجمة .
([7]) الترمذي (3789) ، وانظر " التحفة " (5 /148) .
([8]) البخاري (فتح : 2475) ، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة .
([9]) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (2 / 89- 90) بنحوه .
([10]) في "ف " : يتراءون " وما أثبتناه هو الموافق للرواية .
([11]) ( فتح : 6555 ) ، ومسلم (2831/11) .
([12]) ( 5/247) ، " ووقع الحديث في المطبوع في مسند معاذ بن جبل ، من رواية سهل بن معاذ ، عن أبيه – وهو معاذ بن أنس الجهني - ، عن معاذ بن جبل ، فجعله من مسند معاذ ابن جبل ، وهو وهم ، والصواب أنه من مسند معاذ بن أنس الجهني " قاله زهير بن ناصر الناصر محقق " أطراف المسند " (5/284) فجزاه الله خيرا ..
([13]) " المسند " (33/430) .
([14]) " المسند " ( 1 /286) ..
([15]) أحمد (5/146)، وأبو داود (4599) .
([16]) أبو داود (4681) .
([17]) أحمد (3 / 437، 440) ، والترمذي (2521) .
([18]) أخرجه ابو نعيم في " الحلية " (1/226) وفيه عبد الله بن ربيعة الدمشقي ، وهومجهول ، وأخرجه الترمذي (3490) من طريقه – أيضا – فجعله من قول داود عليه السلام . ورواه أحمد في " الزهد " (ص 89) من طريق مالك قال : قال داود . وقال المصنف في " جامع العلوم " ( 2 /367) : ويروى أن داود عليه السلام كا يقول ... " فذكره .
([19]) " المسند " ( 4/ 11-12) .
([20]) " المسند " ( 5/238) .
([21]) برقم (4034) .
([22]) مسلم ( 3005 ) .
([23]) "مسند الفاروق " لابن كثير (2/605) من طريق مجاهد قال : كتب إلى عمر . ومجاهد لم يدرك عمر وانظر " المراسيل " ( ص : 204) وقال ابن كثير : فيه انقطاع ، وعزاه لأحمد في " الزهد " .
([24]) في " ف " بالمثناة التحتانية والصواب بالفوقية كما اثبتناه .
([25]) المسند ( 3 /181) .
([26]) مسلم ( 43/68 ) .
([27]) في " ف " بالفوقية والصواب ما أثبتناه .
([28]) البخاري ( فتح : 3611) ، ومسلم ( 1066 / 154 ) .
([29]) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 6 / 215) ، وذكره الذهبي في " السير " ( 6/ 87) .
([30]) كذا ، والصواب الموافق للسياق " تحبي " .
([31]) أبو داود ( 1097) .
([32]) بروع بنت واشق : مترجمة في أسد الغابة ( 7/ 37) وغيره وذكرها الأمير – بحق – ابن ماكولا في " إكماله " (1/243) غير أنه لم يجودها – على غير عادته . و قال الهندي في " المغني " (ص : 36) " بكسر موحدة عند أهل الحديث ، وفتحها عند أهل اللغة ، وسكون راء ، وفتح واو ، و إهمال عين " أ . هـ . وراجع " لسان العرب " ، و " المنتخب من علل الخلال " لابن قدامة ( 220) .
([33]) مسلم (870) من طريق و كيع ، عن سفيان ، وخالفه القطان عند أبي داود ( 4981) وابن مهد عند أحمد (4/ 397) ، وغيرهما ، عن سفيان ، فلم يذكروا : " قل : ومن يعص الله ورسوله " في آخر الحديث ولم يختلفوا في تقديم القطان في سفيان . ويقول أحمد : " وكيع أكثر خطأ من عبد الرحمن " راجع " شرح العلل " للمصنف ( 2 / 722) .
([34]) ذكره ابن أبي يعلي في ترجمة أبي يعلي من " طبقات الحنابلة " ( 2/ 205) .
([35]) باب " علامة الإيمان حب الأنصار " .
([36]) (76) .
([37]) في " ف " : " الله " .
([38]) " المسند " ( 6/ 382) وهو في " المسند " ليس في مسند سعيد بن زيد ، بل في مسند جدة رباح بن عبد الرحمن واسمها " أسماء " وهي بنت سعيد بن زيد ، وروت هذا الحديث عنه ، فلينتبه لذلك .
([39]) الطبراني في " الأوسط " (999) .
([40]) مسلم عن أبي سعيد (77) ، وعن أبي هريرة (76) .
([41]) " المسند " ( 3/70) .
([42]) مسلم (78) .
([43]) المسند " ( 5/54، 55، 57) .
([44]) الترمذي في " جامعه " ( 3789) .
([45]) " المسند " ( 2/288 ، 440، 531) ، والنسائي في " الكبرى " ( 5 / 49) ، وابن ماجه ( 143 ) .
([46]) كذا في " ف " ، والصواب : " فهما " :يعني : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .
([47] ) وهو بدون ترجمة ، وكذا قال الحافظ في " الفتح " ( 1/64) .
([48] ) زاد في " اليونينية " : " رضي الله عنه " .
([49] ) ما بين المعقوفين ليس في " اليونينية " . وقال القسطلاني إثر كلمة : " فعوقب " : " أي : به – كما رواه أحمد – أي : بسببه " أ . هـ .
([50] ) ( فتح : 3892) .
([51] ) ( فتح : 4894) .
([52] ) ابن هشام ( 2/41 ) وذكر إسناد ابن إسحاق ، ووقع في الإسناد هناك : " عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرثد بن عبد الله " خطأ .
([53] ) في " المسند " ( 5 / 323) .
([54] ) ( فتح : 3893) ، ومسلم ( 1709 / 44) .
([55] ) مسلم ( 1709/ 44) وراجع " علل " ابن عمار الشهيد ( ص / 102) .
([56] ) في " ف " : " عن " والصواب ما أثبتناه .
([57] ) مسلم ( 1709 / 43) .
([58] ) مسلم ( 1709 /42) .
([59] ) ( فتح : 4894) .
([60] ) أحمد ( 5 / 314) ، والترمذي ( 1439) .
([61] ) راجع " شرح العلل " للمصنف ( 2 / 808) و " التمهيد " ( 3/311) فقد ذكر نحوه .
([62] ) البخاري ( فتح : 7199) ، ومسلم ( 1709 / 41) ، وراجع " أطراف الغرائب " ( 4181) بتحقيقنا .
([63] ) المسند ( 5 / 323) .
([64] ) كذا في " ف " والصواب بالفوقية .
([65] ) ابن سعد في " طبقاته " ( 1 / 221) .
([66] ) " المسند " ( 5 / 325) .
([67] ) " المسند " ( 3 / 322 – 323 ، 339 – 340) .
([68] ) ( 5/ 85) ، ( 6 / 408 – 409) .
([69] ) سبق تخريج كل هذه الروايات تحت نفس الحديث .
([70] ) في " ف " تشتبه بـ " فالسرقة " .
([71] ) في " صحيفته " عن ابن عباس ( 488) . وسيأتي الكلام على هذه الصحيفة فيما بعد .
(1 ) ذكره ابن كثير في " تفسيره " ( 8 / 126) .
(2) في تفسيره " المحرر الوجيز " ( 15 / 497) .
(3 ) مسلم ( 2589) .
(4) مسلم ( 1709 / 43)
(5) في الرواية " العضة " .
([77] ) مسلم ( 2606) . .
([78] ) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 2 / 613) .
([79] ) انظر " غريب أبي عبيد " ( 3 / 181) ، " الفائق " ( 2 / 445) ، وغريب ابن الجوزي " ( 2 / 104 ).
([80] ) " المسند " ( 4/ 239) ، والترمذي ( 2733) ، والنسائي في " الكبرى " ( 2/ 306) .
([81] ) وقد سبق هذا كله في أول شرحه على الحديث .
([82] ) انظر " تفسير الطبري " ( 26 / 48) .
([83] ) ( 6801 و 7468 – فتح ) .
([84] ) مسلم ( 1709 / 41) .
([85] ) 1709/ 43) .
([86] ) " طبقات الحنابلة " ( 1 / 245) .
([87] ) " الأم " ( 6 / 138) .
([88] ) الحاكم ( 1 / 36 ) ، وأبو داود ( 4674) .
([89] ) " التاريخ الكبير " ( 1 / 153) وقال المصنف في " جامع العلوم " ( 1 / 448 ) أعله البخاري وقال : لا يثبت ، وإنما هو من مراسيل الزهري – وهي ضعيفة – وغلط عبد الرزاق فوصله " وانظر " أطراف الغرائب " ( 5204 ) بتحقيقنا .
([90] ) السنن الكبرى " ( 8 / 329) .
([91] ) البزار ( كشف : 2 / 212 – 213) .
([92] ) كأن كلمة " كفارة " الثانية زائدة ، والجملة بغيرها مستقيمة ، ويظهر ذلك من السياق بعده ولعله انتقال نظر . .
([93] ) ابن جرير في " تفسيره " ( 6 / 169- 170) .
([94] ) راجع " المحلي " ( 11 / 124) .
([95] ) انظر ( الفتح : 6824 ) ، ومسلم ( 1695) .
([96] ) " المحلي " ( 11 / 149- 151) .
([97] ) " الأم " ( 6 / 138) .
([98] ) يراجع " الكنز " ( 4 / 220) .
([99] ) في " ف " بالمثناة بالفوقية والصواب ما أثبتناه . .
([100] ) ( فتح : 4685) .
([101] ) الترمذي ( 2626) ، وابن ماجه ( 2604) .
([102] ) ( 6 / 145 ، 160) .
([103] ) في " ف " " المتبابعين " بالموحدة والصواب ما أثبتناه .
([104] ) البخاري ( 979) ، ومسلم ( 884 ) .
[font:55c2='Tradit

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 4:17 am


[b]فصل

قال البخاري :
13- باب ([1])
قول النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله ، وأن المعرفة فعل القلب لقوله تعالى ) وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( . [ البقرة : 225] .
مراده بهذا التبويب : أن المعرفة بالقلب التي هي أصل الإيمان فعل للعبد وكسب له ، واستدل بقوله تعالى ) بِمَاكَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( [ البقرة : 225 ] فجعل للقلوب كسبا كما جعل للجوارح الظاهرة([2]) كسبا .
والمعرفة مركبة من تصور وتصديق ، فهي تتضمن علما وعملا وهو تصديق القلب ، فإن التصور قد يشترك فيه المؤمن والكافر ، والتصديق يختص به المؤمن ، فهو عمل قلبه وكسبه .
وأصل هذا : أن المعرفة مكتسبة تدرك بالأدلة ، وهذا قول أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم ورجحه ابن جرير الطبري ، وروى بإسناده عن الفضيل ابن عياض أنه قال : أهل السنة يقولون : الإيمان والقول والعمل . وقالت طائفة : إنها اضطرارية لا كسب فيها . وهو قول بعض أصحابنا وطوائف من المتكلمين والصوفية وغيرهم . وخرج البخاري في هذا الباب : حديث :
20- هشام عن أبيه ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله ، إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه ثم يقول : " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " .
كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بما يطيقون من الأعمال ، وكانوا لشدة حرصهم على الطاعات يريدون الاجتهاد في العمل ، فربما اعتذروا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق واستعماله له في نفسه أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له وهم غير مضمون لهم المغفرة ، فهم يحتاجون إلى الاجتهاد ما لا يحتاج هو إلى ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك ويخبرهم أنه أتقاهم وأعلمهم به . فكونه أتقاهم لله يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل ، وكونه أعلمهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله وإنما زاد علمه بالله لمعنيين :
أحدهما : زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته وكبريائه وما يستحقه من الجلال والإكرام والإعظام .
والثاني : أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين ، فإنه رآه إما بعين بصره أو بعين بصيرته ، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما : رآه بفؤاده مرتين ، وعلمهم به مستند إلى علم يقين ، وبين المرتين [ تباين ] ([3]) ، ولهذا سأل إبراهيم عليه السلام ربه أن يرقيه من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين بالنسبة إلى رؤية إحياء الموتى – وقد سبق التنبيه على ذلك والكلام في تفاصيل المعرفة التامة بالقلب ([4]) – فلما زادت معرفة الرسول ( 191- أ / ف ) بربه زادت خشيته له وتقواه ، فإن العلم التام يستلزم الخشية كما قال تعالى ) إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء( [ فاطر : 28 ] فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم كان له أخشى وأتقى ، ،إنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله . وقد خرج البخاري في آخر " صحيحه " عن مسروق قال : قالت عائشة : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه وتنـزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال : " ما بال أقوام يتنـزهون عن الشيء أصنعه ؟ ! فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية " ([5]) .
وفي " صحيح مسلم " عن عائشة أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! إني أصبح جنبا وأنا أريد الصيام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأنا أصبح جنبا وأنا أريد الصيام فأغتسل وأصوم " فقال الرجل : يا رسول الله ! إنك لست مثلنا ، قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي " ([6]) . وفي حديث أنس أن ثلاث رهط جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها ، فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال آخر : أصوم الدهر ولا أفطر ،وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ ! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكن أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " . وقد خرجاه في " الصحيحين " بمعناه ([7]) .
ففي هذه الأحاديث كلها الإنكار على من نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة ؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد فإذا عوتب على ذلك وذكرت له المغفرة أخبر أنه يفعل ذلك شكرا ؛ كما في " الصحيحين " عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتفطر قدماه فيقال له : تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فيقول : " أفلا أكون عبدا شكورا " ([8]) . وقد يواصل في الصيام وينهاهم ويقول :" إني لست كهيئتكم ؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني " ([9]) ، فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة خطأ فاحش ؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدى وأفضله ، وهذا خطأ عظيم ؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته : " خير الهدى هدى محمد " ([10]) . ويقتضي – أيضا – هذا الخطأ : أن الاقتداء به في العمل ليس هو أفضل ؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك ، وهذا خطأ عظيم جدا ؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها ، قال تعالى ) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ( [ آل عمران : 31] . فلهذا كان صلى الله عليه وسلم يغضب من ذلك غضبا شديدا لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به . وفي رواية للإمام أحمد : " والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا " ([11]) . وقوله في الرواية التي خرجها البخاري في هذا الباب " إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا " فيه الإتيان بالضمير المنفصل مع تأتي الإتيان بالضمير المتصل ، وهو ممنوع عند أكثر النحاة ( 191 – ب / ف ) إلا للضرورة كقول الشاعر : " ضمنت إياهم الأرض في دهر الدهارير " . وإنما يجوز اختيارا إذا لم يتأت ([12]) الإتيان بالمتصل مثل أن يبتدأ بالضمير قبل عامله نحو : إياك نعبد ؛ فإنه لا يبتدأ بضمير متصل أو يقع بعد نحو إلا إياه . فأما قول الشاعر : " أن لا يجاوزنا إلاك " ، فشاذ . وأما قوله : " وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي " ، فهو عندهم متأول على أن فيه معنى الاستثناء ، كأنه قال : ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا .
ولكن هذا الذي وقع في هذا الحديث يشهد لجوازه من غير ضرورة ، ويكون حينئذ قوله : " إنما يدافع عن أحسابهم أنا " : شاهدا له غير محتاج إلى تأويل ، والله أعلم .

14- فصل ([13])

تقدم عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان "

وقد تقدم من رواية أبي قلابة ، عن أنس ، وزاد في رواية قتادة : " ومن كره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه " . وقوله " بعد إذ أنقذه الله منه " لا يستلزم أنه كان واقعا فيه فإن كل من أدخل الله الإسلام في قلبه فقد أنقذه الله من الكفر وإن لم يكن قد وقع في الكفر قبل ذلك ؛ وهذا كما قال شعيب عليه السلام ) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّه( [ الأعراف : 89] وقال تعالى ) وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ( [ آل عمران : 103 ] وقال تعالى ) اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ( [ البقرة : 257] .
والمراد : أنه ينجيهم من الشرك ويدخلهم في الإيمان ؛ وكثير منهم لم يكن داخلا في الشرك قط .

15- فصل ([14])
خرج البخاري ومسلم ([15]) من حديث :
22- عمرو بن يحي المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد ([16]) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة – شك : مالك – فينبتون كما تنبت الحبة في حميل ([17]) السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية " . قال البخاري : و ([18]) قال وهيب : حدثنا عمرو " الحياة " وقال : " خردل من خير " . قد قيل : إن الرواية الصحيحة : " الحيا " هو : المطر ، قاله الخطابي ([19]) وغيره ([20]) . هذا الحديث نص في أن الإيمان في القلوب يتفاضل ، فإن أريد به مجرد التصديق ففي تفاضله خلاف سبق ذكره ([21]) ، إن أريد به ما في القلوب من أعمال الإيمان كالخشية والرجاء والحب والتوكل ، ونحو ذلك فهو متفاضل بغير نـزاع . وقد بوب البخاري على هذا الحديث : " باب تفاوت ([22]) أهل الإيمان في الأعمال " فقد يكون مراده الأعمال القائمة بالقلب كما بوب على أن المعرفة فعل القلب . وقد يكون مراده أن أعمال الجوارح تتفاوت بحسب تفاوت إيمان القلوب فإنهما متلازمان .
وقد ذكر البخاري أن وهيبا خالف مالكا في هذا الحديث وقال : " مثقال حبة ([23]) من خير " . وفي الباب – أيضا – من حديث أنس بمعنى حديث أبي سعيد ، وفي لفظه اختلاف كالاختلاف في حديث أبي سعيد . وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفيه زيادة : " من قال لا إله إلا الله " ([24]) . وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق معنى ([25]) كلمة التوحيد والإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه ([26]) الغرماء بمظالمهم ؛ بل يبقى ( 192- أ / ف ) على صاحبه ؛ لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة ، وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح ، وقد قال ابن عيينه وغيره : إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء – أيضا . وأما الحبة بكسر الحاء فهي أصول النبات والعشب وقد قيل : أنها تنـزل مع المطر من السماء ، كذا قاله كعب غيره . وقد ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب " المطر " وذكر فيه آثارا عن الأعراب .
وحميل السيل : محمولة ؛ فإن السيل يحمل من الغثاء ونحوه ما ينبت منه العشب ، وشبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا – أو الحياة – بنبات هذه الحبة لمعنيين : أحدهما : سرعة نباتها . والثاني : أنها صفراء ملتوية ثم تستوي وتحسن ، فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتا ضعيفا ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه . وقد جعل الله نبات أجساد بني آدم كنبات الأرض ، قال الله تعالى ) وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ( [ نوح : 17 ] وحياتهم من الماء ، فنشأتهم الأولى في بطون أمهاتهم من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ، ونشأتهم الثانية من قبورهم ([27]) من الماء الذي ينـزل من تحت العرش ، فينبتون فيه كنبات البقل حتى تتكامل أجسادهم ، ونبات من يدخل النار ثم يخرج منها من ماء نهر الحياة – أو الحيا .
وفي " صحيح مسلم " عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ؛ ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم – أو قال : بخطاياهم - ، فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل : يا أهل الجنة ! أفيضوا عليهم ، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل ([28]) . وظاهر هذا : أنهم يموتون بمفارقة أرواحهم لأجسادهم [ و ] ([29]) يحيون بإعادتها ، ويكون ذلك قبل ذبح الموت . ويشهد له : ما خرجه البزار في " مسنده " من حديث أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أدنى أهل الجنة منـزلة أو نصيبا : قوم يخرجهم الله من النار فيرتاح لهم الرب عز وجل أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئا فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل ، حتى إذا دخلت الأرواح في أجسادهم قالوا : ربنا ! فالذي ([30]) أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار ، فتصرف وجوههم عن النار ([31]) . ثم خرج البخاري حديث :
23- أبي سعيد ، عن النبي ([32]) صلى الله عليه وسلم قال : بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص ، فمنها ([33]) ما يبلغ الثدي ، ومنها مايبلغ ([34]) دون ذلك ، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره " قالوا : فما أولت ذلك يا رسول الله ؟ قال : " الدين "
وهذا الحديث نص في أن الدين يتفاضل ؛ وقد استدل عليه بقوله تعالى : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( [ المائدة : 3 ]وأشار البخاري إلى ذلك في موضع آخر . ويدل عليه – أيضا – قول النبي صلى الله عليه وسلم للنساء " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم ( 192- ب / ف ) من إحداكن " ([35]) . وفسر نقصان دينها بتركها الصوم والصلاة أيام حيضها ؛ فدل على دخول الصوم والصلاة في اسم الدين . وقد صرح بدخول الأعمال في الدين طوائف من العلماء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم .
فمن قال : الإسلام والإيمان واحد فالدين عنده مرادف لهما ، وهو اختيار البخاري ومحمد بن نصر المروزي ([36]) وغيرهما من أهل الحديث .
و من فرق بينهما ، فاختلفوا في ذلك ؛ فمنهم من قال : إن الدين أعم منهما ، فإنه يشمل الإيمان والإسلام والإحسان ، كما دل عليه حديث جبريل ، وقد أشار البخاري إلى هذا – فيما بعد - ؛ لكنه من لا يفرق بين الإسلام والإيمان .
و من قال : الإيمان : التصديق ، والإسلام : الأعمال ، فأكثرهم جعل الدين هو الإسلام وأدخل فيه الأعمال . وإنما أخرج الأعمال من مسمى الدين : بعض المرجئة .
ومن قال : الإسلام : الشهادتان ، والإيمان : العمل – كالزهري ، وأحمد في رواية وهي التي نصرها القاضي أبو يعلي – جعل الدين هو الإيمان بعينه ، وأجاب عن قوله تعالي ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( [ آل عمران : 19 ] أن بعض الدين الإسلام . وهذا بعيد .
وأما من قال : إن كلا من الإسلام والإيمان إذا أطلق مجردا دخل الآخر فيه ، وإنما يفرق بينهما عند الجمع بينهما ، وهو الأظهر ؛ فالدين هو مسمى كل واحد منهما عند إطلاقه ، وأما عند اقترانه بالآخر : فالدين أخص باسم الإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والخضوع والانقياد وكذلك الدين يقال : : دانه يدينه إذا قهره ، ودان له إذا استسلم له وخضع وانقاد ؛ ولهذا سمى الله الإسلام دينا فقال : ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( ) آل : عمران 19] ، وقال : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ( [ آل عمران : 85] ، وقال : ) وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا( [ المائدة : 3 ] .
وإنما فسر القمص في المنام : الدين ؛ لأن الدين والإسلام والتقوى كل هذه توصف بأنها لباس ، قال تعالى ) وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ( [ الأعراف : 26 ] ، وقال أبو الدرداء : الإيمان كالقميص يلبسه الإنسان تارة وينـزعه أخرى ، وفي الحديث : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ينـزع منه سربال الإيمان " ([37]) .
وقال النابغة :
الحمد لله الذي لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقال أبو العتاهية :
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وإن كان كاسيا
فهذه كلها كسوة الباطن وهو الروح وهو زينة لها ، كما في حديث عمار : " اللهم زينا بزينة الإيمان " ([38]) .كما أن الرياش زينة للجسد وكسوة له ، قال تعالى ) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزـَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ( [ الأعراف : 26] . ومن هنا قال مجاهد والشعبي وقتادة والضحاك والنخعي والزهري وغيرهم في قوله تعالى ) وثيابك فطهر ( [ المدثر : 4 ] إن المعنى : طهر نفسك من الذنوب .
وقال سعيد بن جبير : وقلبك ونيتك ([39]) فطهر . وقريب منه : قول من قال : وعملك فأصلح ([40]) . روى عن مجاهد وأبي روق والضحاك . وعن الحسن والقرظي ([41]) قالا : خلقك حسنه . فكنى بالثياب عن الأعمال ( 193- أ / ف ) وهي ([42]) الدين والتقوى والإيمان والإسلام ، وتطهيره : إصلاحه وتخليصه من المفسدات له ، وبذلك تحصل طهارة النفس والقلب والنية ، وبه يحصل حسن الخلق ؛ لأن الدين هو الطاعات التي تصير عادة وديدنا وخلقا ، قال تعالى ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ( [ القلم : 4] . وفسره ابن عباس بالدين ([43]) .
16- فصل ([44])
خرج البخاري ومسلم ([45]) من حديث :
23- ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل ([46]) وهو يعظ أخاه في الحياء فقال ([47]) : " دعه ؛ فإن الحياء من الإيمان " .
هذا المعنى مرويعن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة ، وقد سبق حديث أبي هريرة : " الحياء شعبة من الإيمان " ([48]) . والحياء نوعان :
أحدهما : غريزي ، وهو خلق يمنحه الله العبد ويجبله عليه فيكفه عن ارتكاب القبائح والرزائل ، ويحثه على فعل الجميل وهو من أعلى مواهب الله للعبد ، فهذا من الإيمان باعتبار أنه يؤثر ما يؤثره الإيمان من فعل الجميل والكف عن القبيح ، وربما ارتقى صاحبه بعده إلى درجة الإيمان ’ فهو وسيلة إليه كما قال عمر : من استحيى اختفى ، ومن اختفى اتقى ومن اتقى وقي .
وقال بعض التابعين تركت الذنوب حياء أربعين سنة ، ثم أدركني الورع . وقال ابن سمعون ([49]) : رأيت المعاصي نذالة ؛ فتركتها مروءة فاستحالت ديانة ([50]) .
والنوع الثاني : أن يكون مكتسبا ، إما من مقام الإيمان كحياء العبد من مقامه بين يدي الله يوم القيامة فيوجب له ذلك الاستعداد للقائه ، أو من مقام الإحسان ، كحياء العبد من اطلاع الله عليه وقربه منه ، فهذا من أعلى خصال الإيمان .
وفي حديث مرسل : " استحيي من الله كما تستحيي من رجلين من صالحي عشيرتك لا يفارقانك " ، وروى موصولا ([51]) . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا ، فقال : " الله أحق أن يستحيي منه ([52]) . وفي حديث ابن مسعود المرفوع : " الاستحياء من الله : أن تحفظ ([53]) الرأس وما وعي والبطن وما حوى وأن تذكر ([54]) الموت والبلى ، ومن أراد ترك الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء " . خرجه الترمذي وغيره ([55]) . وخرج البخاري في " تفسيره " ([56]) عن ابن عباس في قوله تعالى ) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْه( [ هود : 5 ] أنها نـزلت في قوم كانوا يجامعون نساءهم ويتخلون فيستحيون من الله فنـزلت الآية .
وكان الصديق يقول : استحيوا من الله ؛ فإني أذهب إلى الغائط فأظل متقنعا بثوبي حياء من ربي عز وجل ([57]) . وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم لا يقيم صلبه حياء من الله عز وجل ([58]) .
قال بعض السلف : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحيي منه على قدر قربه منك . وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم فيستحيي العبد من الله أن يستعين بنعمته على معاصيه ، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان .








([1] ) سقط من الترتيب باب ( 12) وسيأتي بعد باب ( 16) .
([2] ) في " ف " : " الطاهرة " بالمهملة وما أثبتناه هو الموافق للسياق .
([3] ) ما بين المعقوفين سقط من " ف " بمقدار كلمة ولم يظهر منها سوى " ين " ولعل الصواب ما أثبتناه .
([4] ) عند شرحه تحت ترجمة هذا الباب . وراجع تفصيله عند شرحه لترجمة الباب الأول من " كتاب الإيمان " ( ص 10 – 11 ) عند شرحه لقول البخاري : " ويزيد وينقص " .
([5] ) ( فتح : ( 6101) .
([6] ) مسلم ( 1110) .
([7] ) ( فتح : 5063 ) ، ومسلم ( 1401) .
([8] ) ( فتح : 1130) ، ومسلم ( 2820) .
([9] ) ( فتح : 1964) ، ومسلم ( 1105) عن عائشة . .
([10] ) أخرجه مسلم ( 867) .
([11] ) " المسند " ( 6 / 61) .
([12] ) في " ف " بتأت " بالموحدة ، والموافق للسياق ما أثبتناه .
([13] ) وهو : باب " من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار من الإيمان " وتقدم الكلام على هذا الباب تحت باب : (9) حديث : (16) " وهي عادة البخاري في التبويب على ما يستفاد من المتن مع أنه غاير الإسناد هنا إلى أنس " قاله ابن حجر ( الفتح : 1 / 72) تحت حديث ( 21) .
([14] ) باب " تفاضل أهل الإيمان في الأعمال " .
([15] ) برقم ( 184) .
([16] ) زاد في " اليونينية " : " الخدري رضي الله عنه " .
([17] ) في " اليونينية " : " جانب " ، وراجع " عمدة القاري " ( 1 / 194) .
([18] ) " قال البخاري و " ليس في " اليونينية " .
([19] ) في " أعلام الحديث " ( 1 / 156) .
([20] ) الزمخشري في " الفائق " ( 1 / 211) .
([21] ) ( ص 15) عند شرحه لترجمة الباب الأول .
([22] ) في " اليونينية " : " تفاضل " .
([23] ) في رواية وهيب : " خردل " .
([24] ) ( فتح 7437) .
([25] ) قوله : " يفوق معنى " عسر علينا قراءتها في " ف " ولعلها هكذا .
([26] ) غير واضحة في " ف " ولعلها هكذا لما سيأتي بعد .
([27] ) في " ف " : " قبورهم " – بالمثناة التحتانية ، والمثبت هو الصواب .
([28] ) مسلم ( 185/ 307 ) .
([29] ) ساقط من " ف " والسياق يقتضيه فأثبتناه .
([30] ) في الرواية : " كالذي " .
([31] ) " البحر الزخار " في مسند أبي هريرة ، عنه أبو أمامة بن سهل من المخطوط ، " وكشف الأستار " ( 4 / 211) .
([32] ) في " اليونينية " عن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : قال رسول الله "
([33] ) في " اليونينية " : " منها " ..
([34] ) كلمة " يبلغ " ليست في " اليونينية " .
([35] ) أخرجه البخاري ( 304 ) ، ومسلم ( 80) من حديث أبي سعيد الخدري .
([36] ) في " تعظيم قدر الصلاة " ( 2 / 531) .
([37] ) سبق ( ص 45) ، وهو متفق عليه دون قوله : " ينزع منه سربال الإيمان . وانظر " تعظيم قدر الصلاة " ( 1 / 492 ، 496) .
([38] ) " المسند " ( 4 / 264) ، والنسائي في " المجتبى " ( 3 /54- 55 ) .
([39] ) في " ف " بدون نقاط تماما والمثبت أولى وهو الموافق لما في " تفسير ابن كثير " ( 8 / 289) .
([40] ) راجع " الدر المنثور " ( 6 / 281) فقد أتى بمعظم هذه التفسيرات .
([41] ) في " ف " بدون نقط ، والصواب ما أثبتناه ، وهو : محمد بن كعب بن سليم ، وقال الذهبي في " السير " ( 5 / 67) " كان من أئمة التفسير " .
([42] ) كلمة " هي " مكررة في " ف" .
([43] ) أخرجه ابن جرير في " تفسيره " ( 29 / 12) ، وابن المنذر وابن حاتم وابن مردويه . قاله السيوطي في " الدر المنثور " ( 6 / 251) .
([44] ) باب " الحياء من الإيمان " .
([45] ) مسلم ( 36) .
([46] ) زاد في " اليونينية " : " من الأنصار " .
([47] ) زاد في " اليونينية " : " رسول الله صلى الله عليه وسلم .
([48] ) حديث رقم (9) ، باب (3) " أمور الدين " .
([49] ) هو محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس البغدادي وسمعون : وهو لقب جده إسماعيل . راجع " طبقات الحن

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 4:26 am

فصل



قال البخاري :
12- باب ([1])

من الدين الفرار من الفتن



19- حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري ([2]) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن " ([3]) .

بوب البخاري على أن الفرار ( 193- ب / ف ) من الفتن من الدين ؛ وليس في الحديث إلا الإشعار بفضل من يفر بدينه من الفتن ؛ لكن لما جعل الغنم خير مال المسلم في هذه الحال دل على أن هذا الفعل من خصال الإسلام والإسلام هو الدين . وأصرح من دلالة هذا الحديث الذي خرجه في أول " الجهاد " من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد قال : قيل : يا رسول الله ! أي الناس أفضل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " قالوا : ثم من ؟ قال : " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره " ([4]) . وليس في هذا الحديث ذكر الفتن . وخرجه أبو داود ([5]) ، وعنده : سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي المؤمنين أكمل إيمانا ؟ . فذكره . وهذا فيه دلالة على أن الاعتزال عن الشر من الإيمان . وفي " المسند " و " جامع الترمذي " ، عن طاوس ، عن أم مالك البهزية قالت : قال رسول الله : " خير الناس في الفتنة : رجل معتزل في ماله ، يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله " ([6]) .

وروي عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الحاكم ([7]) . وروي عن طاوس مرسلا . وخرج الحاكم – أيضا – من حديث أبي هريرة مرفوعا : " أظلتكم فتن كقطع الليل المظلم أنجى الناس منها: صاحب شاهقة يأكل من رسل غنمها ، ورجل من وراء الدروب بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه " ([8]) . وقد وقفه بعضهم .

فهذه الروايات المقيدة بالفتن تقضي على الروايات المطلقة . وحديث أبي سعيد الذي خرجه البخاري هنا لم يخرجه مسلم . وقد روي عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سعيد ؛ وهو وهم . وروي عن يحيي بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن نهار العبدي ، عن أبي سعيد ؛ وذكر " نهار " في إسناده : وهم . قاله الدار قطني ([9]) . فقوله صلى الله عليه وسلم " يوشك " تقريب منه للفتنة ، وقد وقع ذلك في زمن عثمان كما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من جملة أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم .

وإنما كان الغنم خير مال المسلم – حينئذ - ؛ لأن المعتزل عن الناس بالغنم يأكل من لحومها ونتاجها ويشرب من ألبانها ويستمتع بأصوافها باللبس وغيره ، وهي ترعى الكلأ في الجبال وترد المياه ؛ وهذه المنافع والمرافق لا توجد في غير الغنم ؛ ولهذا قال : " يتبع بها شعف الجبال " وهي رءوسها وأعاليها ؛ فإنها تعصم من لجأ إليها من عدو . و" مواقع القطر " لأنه يجد فيها الكلأ والماء فيشرب منها ويسقي غنمه وترعى غنمه من الكلأ . وفي " مسند البزار " ، عن مخول البهزي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " سيأتي على الناس زمان فيه غنم بين السجدتين ([10]) تأكل من الشجر وترد الماء ، يأكل صاحبها من رسلها ويشرب من ألبانها ويلبس من أشعارها – أو قال من أصوافها _ ، والفتن ترتكس بين جراثيم العرب " ([11]) . وروي هذا المعنى عن عبادة بن الصامت من قوله . وواحد الجراثيم : جرثومة ؛ وهي أصل الشيء . وفي هذا دلالة ‘على أن من خرج من الأمصار فإنه يخرج معه بزاد وما يقتات منه .

وقوله : ( 194 – أ / ف ) " يفر بدينه من الفتن " يعني : يهرب خشية على دينه من الوقوع في الفتن ؛ فإن من خالط الفتن ، وأهل القتال على الملك لم يسلم دينه من الإثم إما بقتل معصوم أو أخذ مال معصوم أو المساعدة على ذلك بقول و نحوه وكذلك لو غلب على الناس من يدعوهم إلى الدخول في كفر أو معصية حسن الفرار منه . وقد مدح الله من فر بدينه خشية الفتنة عليه فقال – حكاية عن أصحاب الكهف _ ) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ( [ الكهف : 16] . وروى عروة ، عن كرز الخزاعي قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي : هل لهذا الإسلام من منتهى ؟ قال : " من يرد الله به خيرا من عرب أو عجم أدخله عليه " قال : ثم ماذا ؟ قال : " تقع فتن كالظلل " قال : كلا يا نبي الله ، قال : " بلى ، والذي نفسي بيده لتعودون فيها أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض وخير الناس يومئذ : رجل يتقي ربه ويدع الناس من شره " ([12]) .

الأساود : جمع أسود ، وهو أخبث الحيات وأعظمها .

والصب : جمع صبوب ، على أن أصله : صبب كرسول ورسل ، ثم خفف كرسل ؛ وذلك أن الأسود إذا أراد أن ينهش ارتفع ثم انصب على الملدوغ ، ويروى " صي " على وزن حبلى "

وفي "الصحيحين " عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له الفتن فقال له : فما تأمرني يا رسول الله إن أدركني ذلك ؟ قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " قال : فإن لم يكن جماعة ولا إمام ؟ قال : " فاعتزل تلك الفرق كلها ، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك " ([13]) . وقد اعتزل جماعة من أصحابه في الفتن في البوادي . وقال الإمام أحمد : إذا كانت الفتنة فلا بأس أن يعتزل الرجل حيث شاء ، فأما إذا لم يكن فتنة فالأمصار خير . فأما سكنى البوادي على وجه العبادة وطلب السياحة والعزلة فمنهي عنه ، كما في الترمذي و " صحيح الحاكم " ، عن أبي هريرة قال : مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينه من ماء عذب فأعجبه طيبه وحسنه فقال : لو اعتزلت الناس وأقمت في هذا الشعب ولا أفعل حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره فقال : " لا تفعل ؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في أهله ستين عاما " ([14]) .

وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ؛ ولكني بعثت بالحنيفية السمحة " ([15]) . وذكر باقيه بمعناه . وخرج داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال : يا رسول الله ! ايذن لي بالسياحة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن سياحة أمتي : الجهاد في سبيل الله " ([16]) . وفي " المسند " عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عليك بالجهاد ؛ فإنه رهبانية الإسلام " ([17]) . وفي مراسيل طاوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا رهبانية في الإسلام ولا سياحة " . وفي المعنى مراسيل أخر متعددة .

قال الإمام أحمد : ليست السياحة من الإسلام في شيئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين . والسياحة على هذا الوجه قد ( 194 – ب / ف ) فعلها طوائف ممن ينسب على عبادة واجتهاد بغير علم ، ومنهم من رجع لما عرف ذلك . وقد كان في زمن ابن مسعود من المتعبدين خرجوا إلى ظاهر الكوفة وبنوا مسجدا يتعبدون فيه ، منهم : عمرو بن هتبة ، ومفضل العجلي ، فخرج إليهم ابن مسعود وردهم على الكوفة وهدم مسجدهم وقال : إما أن تكونوا أهدى من أصحاب محمد أو تكونوا متمسكين بذنب الضلالة . وإسناده هذا صحيح عن الشعبي أنه حكى ذلك . وقد رأى عبد الله بن غالب الحداني رجلا في فلاة رزقه لا يدري من أين يأتيه فقال له : إن هذه الأمة لم تؤمر بهذا ؛ إنما أمرت بالجمعة والجماعة وعيادة المرضى وتشييع الجنائز ، فقبل منه وانتقل من ساعته إلى قرية فيها هذا كله. خرج حكايته ابن أبي الدنيا . وروي نحو هذه الحكاية – أيضا - ، عن أبي غالب صاحب أبي أمامة الباهلي . خرجها حميد بن زنجوية . وكذلك سكنى البوادي لتنمية المواشي والأموال – كما جرى لثعلبة في ماله – فمذموم – أيضا .

وفي " سنن ابن ماجه " ، عن أبي هريرة مرفوعا : " ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم على رأس ميل أو ميلين فيتعذر عليه الكلأ فيرتفع ثم تجيء الجمعة فلا يشهدها وتجيء الجمعة فلا يشهدها ([18]) حتى يطبع على قلبه " ([19]) . وخرجه الخلال من حديث جابر بمعناه ([20]) – أيضا . وخرج حميد بن زنجويه من رواية ابن لهيعه : ثنا عمر ([21]) مولى غفرة أنه سمع ثعلبة بن أبي مالك الأنصاري يقول : قال حارثة بن النعمان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يخرج الرجل في حاشية القرية في غنيمة يشهد الصلوات ويؤب إلى أهله إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى ملأ من هذه ، فيرتفع حتى لا يشهد من الصلوات إلا الجمعة حتى إذا أكل ما حوله وتعذرت عليه الأرض قال : لو ارتفعت إلى ردعة هي أعفى كل أمن هذه فيرتفع حتى لا يشهد جمعة ولا يدري متى الجمعة حتى يطبع الله على قلبه " . وخرجه الإمام أحمد بمعناه ([22]) .

وفي " سنن أبي داود " والترمذي وغيرهما ، عن أبي هريرة ([23]) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سكن البادية جفا " . وقال ابن مسعود في الذي يعود أعرابيا بعد هجرته : إنه ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي " الصحيحين " ([24]) أن سلمة بن الأكوع قال : أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدو .وفي رواية للبخاري أن سلمة لما قتل عثمان خرج إلى الربزة فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نـزل المدينة ([25]) . وفي " المسند " أن سلمة قدم المدينة فقيل له : ارتددت عن هجرتك يا سلمة ؟ فقال : معاذ الله إني في إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ابدوا يا أسلم ، فتنسموا الرياح واسكنوا الشعاب " فقالوا : يا رسول الله ! إنا نخاف أن يضرنا ذلك في هجرتنا ، قال : " أنتم مهاجرون حيث ما كنتم " ([26]) .

وفي الطبراني ، عن ابن عمر أنه قيل له : يا أبا عبد الرحمن ! قد أعشبت القفار فلو ابتعت أعنـزا فتنـزهت تصح ، فقال : لم يؤذن لأحد منا في البداء غير أسلم " ([27]) . وأسلم : هي : قبيلة سلمة بن الأكوع .

وقد ترخص كثير من الصحابة من المهاجرين وغيرهم في سكنى البادية ، كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ، فإنهما لزما منـزلهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة ( 195- أ / ف ) في جمع ولا غيرها حتى لحقا بالله عز وجل . خرجه بن أبي الدنيا في كتاب " العزلة " . وكان أبو هريرة ينـزل بالشجرة وهي ذو الحليفة . وفي " صحيح البخاري " ، عن عطاء قال : ذهبت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة بثبير فقالت لنا : انقطعت الهجرة منذ ([28]) فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم مكة ([29]) . وفي رواية له : قال : فسألنا عن الهجرة ، فقالت : لا هجرة اليوم ، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه على الله ورسوله مخافة أن يفتن عليه ، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام ، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ؛ ولكن جهاد ونية " ([30]) . وهذا يشعر بأنها إنما كانت تبدو ، لاعتقادها انقطاع الهجرة بالفتح . وكان أنس بن مالك يسكن بقصره خارج البصرة ، وكان ربما شهد الجمعة وربما لم يشهدها . وقد نص أحمد على كراهة المقام بقرية لا يقام فيها الجمعة وإن أقيمت فيها الجماعة . وقد يحمل ذلك على من كان بمصر جامع يجمع فيه، ثم تركه وأقام بمكان لا جمعة فيه . وفي كلامه إيماء إليه – أيضا . وقد يحمل كلامه على كراهة التنـزيه دون التحريم. فأما المقام بقرية لا جمعة فيها ولا جماعة فمكروه .

وقد قال أبو الدرداء لمعدان بن أبي طلحة : أين ينـزل ؟ فقال : بقرية دون حمص ، فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا يؤذن ولا يقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ، فعليك بالجماعة ؛ فإن الذئب يأكل القاصية " . خرجه النسائي ([31]) . وغيره وخرجه أحمد وأبو داود مختصرا ([32]) . وفي رواية لأحمد : " فعليك بالمدائن ويحك يا معدان " ([33]) . وفي " المسند " – أيضا - ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم ، يأخذ الشاة القاصية والناحية ؛ فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة والمساجد " ([34]) . فنهى عن سكنى الشعاب – وهي البوادي – وأمر بسكنى الأماكن التي فيها عامة الناس ومساجدهم وجماعتهم . وقد روي عن قتادة أنه فسر الشعاب في هذا الحديث بشعاب الأهواء المضلة المخالفة لطريق الهدي المستقيم . خرجه أبو موسى المديني عنه بإسناده . وفي هذا بعد ؛ وإنما فسر بهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ([35]) . ؛ فإن الأوزاعي فسره بالبدعة يخرج إليها الرجل من الجماعة . فأما الخروج إلى البادية أحيانا للتنـزه ونحوه في أوقات الربيع وما أشبهه: فقد ورد فيه رخصة : ففي " سنن أبي داود " عن المقدام بن شريح ، عن أبيه أنه قال أنه سأل عائشة : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدو ؟ فقالت : نعم إلى هذه التلاع ، ولقد بدا مرة فأتى بناقة مخرمة فقال : " اركبيها يا عائشة وارفقي ؛ فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه ولا نـزع منه إلا شانه " ([36]) . وخرج مسلم آخر الحديث دون أوله ([37]) . وورد النهي عنه ؛ ففي " المسند " عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هلاك أمتي في اللبن " قيل : يا رسول الله ! ما اللبن ؟ قال : تحبون اللبن وتدعون الجماعات والجمع وتبدون " ([38]) . وفي إسناده : ابن لهيعة . وإن صح فيحمل على إطالة المقام بالبادية مدة أيام كثرة اللبن كلها وهي مدة طويلة يدعون فيها الجمع والجماعات .

وعن أبي عبد الله الجدلي قال : فضل أهل الأمصار على ( 195- ب / ف ) أهل ([39]) القرى كفضل الرجال على النساء ، وفضل أهل القرى على أهل الكفور ([40]) كفضل الأحياء على الأموات ، وسكان الكفور كسكان القبور ، وإن اللبن والعشب ليأكلان إيمان العبد كما تأكل النار الحطب . خرجه حميد بن زنجويه ، وروى في إسناده عن مكحول معنى أوله .

ونص أحمد – في رواية مهنا – على كراهية الخروج إلى البادية لشرب اللبن ونحوه تنـزها لما به من ترك الجماعة ؛ إلا أن يخرج لعلة ، يعني : إنه إذا خرج تداويا لعله به جاز ، كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين لما اجتووا المدينة أن يخرجوا إلى البادية ليشربوا من ألبان الإبل وأبوالها ([41]) .

قال أبو بكر الأثرم : النهي عن التبدي محمول على سكنى البادية والإقامة بها ، فأما التبدي ساعة أو يوما ونحوه فجائز . انتهى .

وقد كان السلف كثير منهم يخرج إلى البادية أيام الثمار واللبن . قال الجريري : كان الناس يبدون ها هنا في الثمار – ثمار قصيرة - ، و ذكر منهم عبد الله بن شقيق وغيره . وكان علقمة يتبدا إلى ظهر النجف ([42]) . وقال النخعي : كانت البداوة إلى أرض السواد أحب إليهم من البداوة إلى أرض البادية . يعني أن الخروج إلى القرى أهون من الخروج إلى البوادي . وكان بعضهم يمتنع من ذلك لشهود الجماعة .

فروى أبو نعيم بإسناده ، عن أبي حرملة قال : اشتكى سعيد بن المسيب عينه فقيل له : يا أبا محمد ! لو خرجت إلى العقيق فنظرت إلى الخضرة ووجدت ريح البرية لنفع ذلك بصرك ، فقال سعيد : وكيف أصنع بشهود العشاء والعتمة ([43]) ؟ وما ذكره الأثرم من التفريق بين قصر المدة وطولها حسن ؛ لكنه حد القليل باليوم ونحوه ؛ وفيه نظر .

وفي " مراسيل أبي داود " من رواية معمر ، عن موسى بن شيبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من بدا أكثر من شهرين فهي أعرابية " ([44]) . وروى حميد بن زنجوية بإسناده ، عن خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم قال : بلغني أن من نـزل السواد أربعين ليلة كتب عليها الجفا . و عن معاوية بن قرة قال : البداوة شهران فما زاد فهو تعرب ([45]) .
فصل
قال البخاري :
18- باب ([46])


من قال : إن الإيمان هو العمل ؛ لقول الله تعالى ) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( [الزخرف: 72] . وقال عدة من أهل العلم في قوله عز وجل ) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [ الحجر : 92] : عن قول لا إله إلا الله . وقال ) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ( [ الصافات : 61] .

ثم خرج حديث :

26- أبي هريرة أن النبي ([47]) صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أفضل ؟ قال : " إيمان بالله ورسوله " قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله " قيل : ثم ماذا ؟ قال : " حج مبرور " .

مقصود البخاري بهذا الباب : أن الإيمان كله عمل ؛ مناقضة لقول من قال : إن الإيمان ليس فيه عمل بالكلية ؛ فإن الإيمان أصله تصديق بالقلب ، وقد سبق ما قرره البخاري أن تصديق القلب كسب له وعمل ، ويتبع هذا التصديق قول اللسان .

و مقصود البخاري هاهنا : أن يسمى عملا – أيضا - ، ،أما أعمال الجوارح فلا ريب في دخولها في اسم العمل، ولا حاجة إلى تقرير ذلك ؛ فإنه لا يخالف فيه أحد ، فصار الإيمان كله – على ما قرره – عملا .

و المقصود بهذا الباب : تقرير أن قول اللسان : عمله ؛ واستدل لذلك بقوله تعالى ) وَتِلْك َ([48]) الْجَنَّةُ الَّتِي( 196- أ / ف) أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( [ الزخرف : 72] وقوله ) {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ( [ الصافات : 61] . و معلوم أن الجنة إنما يستحق دخولها بالتصديق بالقلب مع شهادة اللسان ، وبها يخرج من يخرج من أهل النار فيدخل الجنة – كما سبق ذكره . وفي " المسند " ، عن معاذ بن جبل مرفوعا :" مفتاح الجنة : لا إله إلا الله " ([49]) . وحكى البخاري عن عدة من أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى ) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْن عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [ الحجر : 92]: عن قول لا إله إلا الله ؛ ففسروا العمل بقول كلمة التوحيد .

وممن روي عنه هذا التفسير : ابن عمر ، ومجاهد ([50]) . ورواه ليث بن أبي سليم ، عن بشير بن نهيك ، عن أنس موقوفا ([51]) . روي عنه مرفوعا – أيضا – خرجه الترمذي وغربه ([52]) . وقال الدار قطني : ليث غير قوي ، ورفعه غير صحيح ([53]). وقد خالف في ذلك طوائف من العلماء من أصحابنا وغيرهم كأبي عبد الله بن بطة ، وحملوا العمل في هذه الآيات على أعمال الجوارح ؛ واستدلوا بذلك على دخول الأعمال في الإيمان .

وأما حديث أبي هريرة : فهو يدل على أن الإيمان بالله ورسوله عمل لأنه جعله أفضل الأعمال ، والإيمان بالله ورسوله الظاهر أنه إنما يراد به الشهادتان مع التصديق بهما ؛ ولهذا ورد في حديث : " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ([54]) وفي رواية ذكر الإيمان بالله ورسوله " بدل الشهادتين " ؛ فدل على أن المراد بهما واحد ؛ ولهذا عطف في حديث أبي هريرة على هذا الإيمان " الجهاد " ثم " الحج " ، وهما مما يدخل في اسم الإيمان المطلق ؛ لكن الإيمان بالله أخص من الإيمان المطلق ، فالظاهر أنه إنما يراد بهما الشهادتان مع التصديق بهما ، فإذا سمى الشهادتين عملا دل على أن قول اللسان عمل .

وقد كان طائفة من المرجئة يقولون : الإيمان قول وعمل – موافقة لأهل الحديث - ، ثم يفسرون العمل بالقول ويقولون : هو عمل اللسان . وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول عن شبابه بن سوار وأنكره عليه وقال : هو أخبث قول ما سمعت أن أحدا قال به ولا بلغني . يعني أنه بدعة لم يقله أحد ممن سلف ([55]) . لعل مراده إنكار تفسير قول أهل السنة :الإيمان قول وعمل بهذا التفسير ؛ فإنه بدعة وفيه عي وتكرير ؛ إذ العمل على هذا القول بعينه ، ولا يكون مراده إنكار أن القول يسمى عملا .

ولكن روي عنه ما يدل على إنكار دخول الأقوال في اسم الأعمال ، فإنه قال في رواية أبي طالب – في رجل طلق امرأته واحدة ونوى ثلاثا ، قال بعضهم : له نيته ، ويحتج بقوله : " الأعمال بالنيات " قال أحمد : ما يشبه هذا بالعمل ؛ إنما هذا لفظ كلام المرجئة يقولون : القول هو عمل . لا يحكم عليه بالنية ولا هو من العمل . وهذا ظاهر في إنكار تسمية القول عملا بكل حال وأنه لا يدخل تحت قوله " الأعمال بالنيات " . وكذلك ذكر أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب " السنة " . وهذا على إطلاقه لا يصح ؛ فإن كنايات الطلاق كلها أقوال ويعتبر لها النية ، وكذلك ألفاظ الإيمان والنذور أقوال ويعتبر لها النية وألفاظ عقود البيع ( 196- ب /ف ) والنكاح وغيرهما أقوال ويؤثر فيها النية عند أحمد ، كما تؤثر النية [ في ] ([56]) بطلان نكاح التحليل وعقود التحليل على الربا . و قد نص أحمد على أن من أعتق أمته وجعل عتقها صداقها أنه يعتبر له النية ، فإن أراد نكاحها بذلك وعتقها انعقدا بهذا القول. وكذلك ألفاظ الكفر المحتملة تصير بالنية كفرا . و هذا كله يدل على أن الأقوال تدخل في الأعمال ويعتبر لها النية . ومسألة الطلاق المذكورة فيها عن أحمد روايتان – أيضا .

وقد خرج أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " الطلاق " له بدخول القول في العمل ، وأن الأقوال تدخل في قوله صلى الله عليه وسلم " الأعمال بالنيات "

وأبو عبيد محله من معرفة لغة العرب المحل الذي لا يجهله عالم . وقد اختلف الناس لو حلف لا يعمل عملا أو لا يفعل فعلا فقال قولا هل يحنث أم لا ؟ وكذا لو حلف ليفعلن أو ليعملن هل يبر بالقول أم لا ؟

و قد حكى القاضي أبو يعلي في ذلك اختلافا بين الفقهاء ، وذكر هو في كتاب " الأيمان " له أنه لا يبر ولا يحنث بذلك . و أخذه من رواية أبي طالب ، عن أحمد – التي سبق ذكرها – واستدل له بأن الأيمان يرجع فيها إلى العرف ، والقول لا يسمى عملا في العرف ؛ ولهذا يعطف القول على العمل كثيرا فيدل على تغايرهما عرفا واستعمالا.

و من الناس من قال : القول يدخل في مسمى الفعل ولا يدخل في مسمى العمل . وهو الذب ذكره ابن الخشاب النحوي ([57]) وغيره .

وقد ورد تسمية القول فعلا في القرآن في قوله تعالى ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ( [ الأنعام : 112] .





([1] ) هذا الباب لم يأت في ترتيبه فجاء بين الباب ( 16 ) والباب ( 18 ) وعليه فيكون سقط من الترتيب والنسخة " ف " : الباب ( 17) وحديثه رقم ( 25) .


([2] ) زاد في " اليونينية " : " أنه " قبل كلمة " قال " .


([3] ) أشار المصنف – رحمه الله – ( 5 / 220) عند شرحه الحديث رقم ( 609 ) أنه استوفى الكلام فيما تضمنه حديث أبي سعيد من سكنى البادية بالغنم : عند شرحه لحديث هذا الباب .


([4] ) ( فتح : 2786) .


([5] ) ( 2485) .


([6] ) " المسند " ( 6 / 419 ) ، والترمذي ( 2177) .


([7] ) ( 4 / 446 ، 464) .


([8] ) الحاكم ( 2 / 93) .


([9] ) في " علله " ، ( 4 / ق2 – ب 3 – أ ) .


([10] ) رسمها في " ف " بدون نقط ولعلها هكذا ، وفي " مسند أبي يعلي " ( 3 / 138 ) : " المسجدين " .


([11] ) ( كشف : ( 1358) مختصرا وليس فيه محل الشاهد ، وفي إسناده محمد بن سليمان بن مسمول ، قال فيه أبو حاتم : " ليس بالقوي ضعيف الحديث كان الحميدي يتكلم فيه " الجرح " ( 7/ 267) وقد أخرجه مطولا بمحل الشاهد : أبو يعلى ( 3 / 137) بنفس الإسناد ، وأخرجه الطبراني في " الأوسط " ( 7542) وفيه سليمان الشاذكوني ، قال ابن معين في رواية ابن الجنيد : " يكذب ويضع الحديث " أ . هـ .


([12] ) أحمد ( 3 / 477 ) ، وابن حبان ( الإحسان : 13 / 287) .


([13] ) ( فتح : 7084) ، ومسلم ( 1847) .


([14] ) . الترمذي ( 1650) ، والحاكم ( 2 / 68) ، وقال الترمذي : " حديث حسن "


([15] ) أحمد ( 5 / 266) .


([16] ) أبو داود ( 2486) .


([17] ) " المسند " ( 3 / 82) .


([18] ) " وتجيء الجمعة فلا يشهدها " في " السنن " كررها ثلاثا .


([19] ) ابن ماجه ( 1127) وسيأتي كلام المصنف على هذا الحديث عند شرحه لترجمة الحديث رقم ( 902) .


([20] ) وسيأتي ذكر المصنف له بلفظه والكلام عليه عند شرحه لترجمة الحديث رقم : ( 902 ) من " كتاب الجمعة " الباب : ( 15) .


([21] ) هكذا في " ف " : عمر " وهو الصواب ، وأقحم فوق الراء ما يشتبه بحرف الواو ، أو الضمة ، والأخيرة ليست من عادته .


([22] ) " المسند " ( 5 / 433- 434) .


([23] ) أبو داود ( 2860) ، وقال بمعنى حديث مسدد – يعني حديث ابن عباس الذي قبله – وزاد فيه التنفير من لزوم السلطان وقال المزي في " التحفة " ( 11 / 103 ) : " هذا الحديث في رواية أبي الحسن بن العبد ، وأبي بكر بن داسة ، عن أبي داود ، ولم يذكر أبو القاسم " . ولم يعز المزي هذا الحديث للترمذي من مسند أبي هريرة ، واقتصر على أبي داود ، وعزاه للترمذي وأبي داود من مسند ابن عباس . وقال الترمذي عقب حديث ابن عباس ( 2256) : " وفي الباب عن أبي هريرة " ولم يخرجه ، فإن لم يكن في بعض نسخ الترمذي – وما أكثرها – فهو وهم . وعزاه المصنف في جزء : " شرح حديث ماذئبان جائعان " ( ص : 41) بتحقيقنا على أبي داود وأحمد فحسب ، ولم يذكر الترمذي ، ولعله الصواب . وحديث ابن عباس : اخرجه أبو داود ( 2859) ، والترمذي ( 2256) ، وذكره البخاري في " الكنى " ( ص : 70) – في ترجمة أبي موسى – وأبو نعيم في " الحلية " ( 4 / 72) وقال الترمذي عقبة – كما في " التحفة " ( 5 / 266) و " تفسير ابن كثير " ( 4 / 140) : " حسن غريب " ، والذي في المطبوع : " حسن صحيح غريب " وأبو موسى راوي الحديث قال ابن القطان مجهول ، ونبه الحافظ في " التهذيب " ( 1 / 261) و ( 12/ 252) على أنه غير أبي موسى إسرائيل بن موسى ، وقال : فرق بينهما غير واحد . وحديث أبي هريرة : أخرجه أبو داود ( 286) ، وأحمد ( 2 / 371، 440) وغيرهما . وفيه اختلاف على أبي هريرة ذكرناه في " أطراف الغرائب " ( 1422) بتحقيقنا . .


([24] ) ( فتح : 7087) ، ومسلم ( 1862) .


([25] ) ( فتح : 8087) .


([26] ) " المسند " ( 4 / 55) .


([27] ) " الأوسط " ( 7533) ، وتفرد به أبو مريم عبد الغفار بن القاسم ، قال فيه أبن معين في رواية الدري ( 3 / 366) : " ليس بشيء " ومسلم بن جرهد الراوي عن ابن عمر لم نجد من ترجمه ، ولم يرو عن ابن عمر حديثا غير هذا كما نص عليه الطبراني .


([28] ) في الرواية : " مذ " .


([29] ) ( فتح : 3080) .


([30] ) فتح : 3900) .


([31] ) في " المجتبى " ( 2 / 106 – 107) .


([32] ) أحمد ( 5/ 196) ، ( 6/ 446) وابو داود ( 547) .


([33] ) " المسند " ( 6 / 445 – 446 ) .


([34] ) " المسند " ( 5 / 232- 233، 243) .


([35] ) أخرجه بهذا اللفظ : أبو داود ( 4758) .


([36] ) أبو داود ( 2478، 4808 ) .


([37] ) مسلم ( 2594) .


([38] ) " المسند " ( 4 / 155) بلفظ " هلاك أمتي بالكتاب واللبن " .


([39] ) كلمة " أهل " مكررة في " ف " .


([40] ) كتب فوقها في " ف " : " الكفور جمع كفر وهو ما بعد من لأرض عن الناس ولا يمر به أحد " .


([41] ) إشارة إلى حديث البخاري ( فتح : 4192) .


([42] ) ابن أبي شيبة في " مصنفه " ( 12 / 335) .


([43] ) " الحلية " ( 2 / 162) .


([44] ) " مراسيل أبي داود " 0 ص / 235) .


([45] ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 12 / 336 ) ، وفيه كلمة " حرب " مكان كلمة " تعرب " .


([46] ) سقط من " ف " الباب ( 17 ) .


([47] ) في " اليونينية " : " رسول الله " .


([48] ) كتبها في " ف " : " تلكم " وأصلحها .


([49] ) " المسند " ( 5 / 242) .


([50] ) أخرج أثر ابن عمر ومجاهد : ابن جرير الطبري في " تفسيره " ( 14/46) .


([51] ) رواه ابن جرير في " تفسيره " ( 14/ 46) .


([52] ) الترمذي ( 3126) ، وأخرجه مرفوعا – أيضا – ابن جرير في " تفسيره " ( 14/ 46) .


([53] ) الدار قطني في " علله " ( 4 /ق 33- ب ) .


([54] ) سبق وهو حديث رقم (Cool .


([55] ) " السنة " للخلال ( 982) ، وذكره ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 7 / 255) ، وابن حجر في " تهذيبه " ( 4/ 302) .


([56] ) كلمة " في " ليست " ف " وهي لازمة في السياق .


([57] ) ترجمة السيوطي في " بغية الوعاة " ( 2/ 29) .


([58] ) زاد في " اليونينية " : " جل ذكره " .


([59] ) مابين المعقوفين ليس في " اليونينية " ، وهو ثابت في بعض نسخ الصحيح ، وإليه أشار في " اليونينية " .


([60] ) راجع " تفسير الطبري " ( 26/ 90) .


([61] ) " تعظيم قدر الصلاة " ( 2/ 510) .


([62] ) راجع " تفسير الطبري " ( 26/ 90) ، و " تفسير ابن كثير " ( 7 / 367) و " والدر المنثور " ( 6 /100) .


([63] ) " تعظيم قدر الصلاة " ( 2/ 507) .


([64] ) " السنة " للخلال ( 1076) .


([65] ) راجع " المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة " ( 1 / 108 )


[fon

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الخميس يوليو 14, 2011 4:32 am


فصل

قال البخاري :

19- باب

إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لقوله عز وجل ) قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا( [ الحجرات : 14] . فإذا كان على الحقيقة فهو على قوله ([58]) ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( [ آل عمران : 19 ] وقوله ) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ( ([59]) [ آل عمران : 85] .
معنى هذا الكلام : أن الإسلام يطلق باعتبارين :
أحدهما : باعتبار الإسلام الحقيقي وهو دين الإسلام الذي قال الله فيه ) إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ( وقال ) {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ( .
والثاني : باعتبار الاستسلام ظاهرا مع عدم إسلام الباطن إذا وقع خوفا كإسلام المنافقين ، واستدل بقوله تعالى ) قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( وحمله عل الاستسلام خوفا وتقية .وهذا مروي عن طائفة من السلف ، منهم مجاهد ، وابن زيد ، ومقاتل بن حيان وغيرهم ([60]) . وكذلك رجحه محمد بن نصر المروزي ([61]) – كما رجحه البخاري - ؛ لأنهما لا يفارقان بين الإسلام والإيمان ، فإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر . وهو اختيار ابن عبد البر ، وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود .
وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان فإنه يستدل بهذه الآية ( 197 – أ / ف ) على الفرق بينهما ويقول : نفي الإيمان عنهم لا يلزم منه نفي الإسلام كما نفي الإيمان عن الزاني والسارق والشارب وإن كان الإسلام عنهم غير منفي . وقد ورد هذا المعنى في الآية عن ابن عباس ، وقتادة ، والنخعي ، وروي عن ابن زيد معناه – أيضا - ، وهو قول الزهري ، وحماد بن زيد ، وأحمد ، ورجحه ابن جرير وغيره ([62]) .
واستدلوا به على التفريق بين الإسلام والإيمان . وكذا قال قتادة في هذه الآية قال : " قولوا أسلمنا " : شهادة أن لا إله إلا الله ، وهو دين الله ،والإسلام درجة الإيمان تحقيق في القلب و والهجرة في الإيمان درجة ، والجهاد درجة ، والقتل في سبيل الله درجة . خرجه ابن أبي حاتم .
فجعل قتادة الإسلام الكلمة ، وهي أصل الدين ، والإيمان ما قام بالقلوب من تحقيق التصديق بالغيب ، فهؤلاء القوم لم يحققوا الإيمان في قلوبهم ، وإنما دخل في قلوبهم تصديق ضعيف بحيث صح به إسلامهم ، ويدل عليه : ) وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ( [ الحجرات : 14 ] .
واختلف من فرق بين الإسلام والإيمان في حقيقة الفرق بينهما . فقالت طائفة : الإسلام : كلمة الشهادتين ، والإيمان العمل . وهذا مروي عن الزهري ([63]) وابن أبي ذئب ([64]) ، وهو رواية عن أحمد ([65]) ، وهي المذهب عند القاضي أبي يعلى وغيره من أصحابه . ويشبه هذا : قول ابن زيد في تفسير هذه الآية قال : لم يصدقوا إيمانهم بأعمالهم فرد الله عليهم وقال : ) لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ( فقال : الإسلام إقرار ، والإيمان تصديق ([66]) . وهو قول أبي خيثمة وغيره من أهل الحديث . وقد ضعف ابن حامد من أصحابنا هذا القول عن أحمد وقال : الصحيح : أن مذهبه : أن الإسلام قول وعمل ورواية واحدة ؛ ولكن لا يدخل كل الأعمال في الإسلام كما يدخل في الإيمان، وذكر أن المنصوص عن أحمد أنه لا يكفر تارك الصلاة ، فالصلاة من خصال الإيمان دون الإسلام وكذلك اجتناب الكبائر من شرائط الإيمان دون الإسلام . كذا قال ، وأكثر أصحابنا أن ظاهر مذهب أحمد تكفير تارك الصلاة فلو لم تكن الصلاة من الإسلام لم يكن تاركها عنده كافرا . والنصوص الدالة على أن الأعمال داخلة في الإسلام كثيرة جدا . وقد ذهب طائفة إلى أن الإسلام عام والإيمان خاص ، فمن ارتكب الكبائر خرج من دائرة الإيمان الخاصة إلى دائرة الإسلام العامة .
هذا مروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، وضعفه ابن نصر المروزي من جهة راويه عنه وهو فضيل بن يسار ، وطعن فيه ([67]) ، وروي عن حماد ابن زيد نحو هذا – أيضا . وحكى رواية عن أحمد – أيضا - ؛ فإنه قال في رواية الشالنجي ([68]) في مرتكب الكبائر : يخرج من الإيمان ويقع في الإسلام . ونقل حنبل عن أحمد معناه ([69]) . وقد تأول هذه الرواية القاضي أبو يعلى وأقرها غيره ، و هي اختيار أبي عبد الله بن بطة وابن حامد وغيرهما من الأصحاب . و قالت طائفة : الفرق بين الإسلام والإيمان : أن الإيمان هو التصديق تصديق القلب فهو علم القلب وعمله ، والإسلام: الخضوع والاستسلام والانقياد ؛ فهو عمل القلب والجوارح . وهذا قول كثير من العلماء ، وقد حكاه أبو الفضيل التميمي عن أصحاب أحمد ، وهو قول طوائف من المتكلمين ( 197- ب/ ف ) ؛ لكن المتكلمون عندهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان وتدخل في الإسلام .
وأما أصحابنا وغيرهم من أهل الحديث فعندهم أن الأعمال تدخل في الإيمان مع اختلافهم في دخولها الإسلام – كما سبق – فلهذا قال كثير من العلماء : إن الإسلام والإيمان تختلف دلالتهما بالإفراد والاقتران ، فإن أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وإن قرن بينهما كانا شيئين حينئذ .
وبهذا يجمع بين حديث سؤال جبريل عن السلام والإيمان ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وبين حديث وفد عبد القيس حيث فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان المنفرد بما فسر به الإيمان المقرون في حديث جبريل . وقد حكى هذا القول أبو بكر الإسماعيلي عن كثير من أهل السنة والجماعة ، وروي عن أبي بكر بن أبي شيبة ما يدل عليه ([70]) ، وهو أقرب الأقوال في هذه المسألة وأشبهها بالنصوص والله أعلم .
والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن : الحسن ، وابن سيرين ، وشريك ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيي بن معين ، ومؤمل ابن إهاب ، وحكى عن مالك - أيضا - ، وقد سبق حكايته عن قتادة ، وداود بن أبي هند ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، وحماد بن زيد ، وأحمد ([71]) ، وأبي خيثمة وكذلك ([72]) حكاه أبو بكر بن السمعاني عن أهل السنة والجماعة جملة .
فحكاية ابن نصر ([73]) وابن عبد البر عن الأكثرين التسوية بينهما غير جيد ؛ بل قد قيل : إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق ، والله أعلم .
وخرج البخاري في هذا الباب حديث :
27- الزهري ، عن ([74]) عامر بن سعد ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى رهطا وسعد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا هو أعجبهم إلي فقلت : ما لك يا رسول الله ([75]) عن فلان ؟ ! فوالله إني لأراه مؤمنا ، فقال : " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه ([76]) فقلت يا رسول الله ([77]) ! مالك عن فلان ؟ فوالله إني لأراه مؤمنا ، قال ([78]) : " أو مسلما " فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " يا سعد ! إني لأعطي الرجل وغيره أعجب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار "
خرجه من طريق شعيب ، عن الزهري ثم قال : رواه يونس وصالح وابن معمر وابن أخي الزهري ، عن الزهري([79]) .
وقد رواه ابن أبي ذئب – أيضا - ، عن الزهري كذلك . ورواه العباس الخلال ([80]) ، عن الوليد بن مسلم ، عن ابن وهب . ورشدين بن سعد ، عن يونس ، عن الزهري ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخطئا في ذلك . نقله ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه ([81]) . فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقا ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي ، وهو – أيضا – قول محمد بن نصر المروزي ([82]) . وهذا غاية البعد ، وآخر الحديث يرد على ذلك ، وهو : قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه " فإن هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وكله إلى إيمانه كما كان يعطي المؤلفة قلوبهم ويمنع المهاجرين والأنصار .
وزعم علي بن المديني في كتاب " العلل " له أن هذا باب المزاح من النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه كان يمزح ولا يقول إلا حقا ، فأوهم سعدا أنه ليس بمؤمن ؛ بل مسلم وهما بمعنى واحد كما يقول ( 198- أ/ ف ) لرجل يمازحه وهو يدعى أنه أخ لرجل فيقول : إنما أنت ابن أبيه أو ابن أمه ، وما أشبه ذلك مما يوهم الفرق والمعنى واحد. وهذا تعسف شديد .
والظاهر – والله أعلم – أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر سعدا عن الشهادة بالإيمان ؛ لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه ، فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك كما قال : " إن كنت مادحا لا محالة فقل : أحسب فلانا كذا ولا أزكي على الله أحدا " ([83]) ، وأمره أن يشهد بالإسلام لأنه أمر مطلع عليه كما في " المسند " عن أنس مرفوعا : " الإسلام علانية ، والإيمان في القلب " ([84]) .
ولهذا كره أكثر السلف أن يطلق الإنسان على نفسه أنه مؤمن ، وقالوا : هو صفة مدح ، وتزكية للنفس بما غاب من أعمالها ؛ وإنما يشهد لنفسه بالإسلام لظهوره ، فأما حديث : " إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان " : فقد خرجه أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد مرفوعا ([85]). وقال أحمد : هو حديث منكر ، و دراج له مناكير ([86]) ، والله أعلم .
وهذا الذي ذكره البخاري في هذا الباب من الآية والحديث إنما يطابق التبويب على اعتقاده أنه فرق بين الإسلام والإيمان .
وأما على قول الأكثرين بالتفريق بينهما : فإنما ينبغي أن يذكر في هذا الباب قوله عز وجل ) وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ( [ آل عمران : 83] فإن الجمهور على أنه أراد استسلام الخلق كلهم له وخضوعهم فأما المؤمن فيستسلم ويخضع طوعا ، وأما الكافر فإنه يضطر إلى الاستسلام عند الشدائد ونـزول البلاء به كرها ثم يعود إلى شركه عند زوال ذلك كله كما أخبر الله عنهم بذلك في مواضع كثيرة من القرآن .
والحديث الذي يطابق الباب على اختيار المفرقين بين الإسلام والإيمان : قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر قرينه من الجن : " ولكن الله أعانني عليه فأسلم " ([87]) . وقد روي بضم الميم وفتحها ؛ فمن رواه بضمها قال : المراد: أي أنا أسلم من شره ، ومن رواه بفتحها ، فمنهم من فسره بأنه أسلم من كفره فصار مسلما . وقد ورد التصريح بذلك في رواية خرجها البزار في " مسنده " ([88])بإسناد فيه ضعف .
ومنهم من فسره بأنه استسلم وخضع وانقاد كرها ، وهو تفسير ابن عيينه وغيره ، فيطابق على هذا ترجمة الباب، والله أعلم


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
احمد العوض الكباشي

avatar

ذكر
عدد المساهمات : 2933
تاريخ التسجيل : 22/08/2010
العمر : 31
الموقع : الكباشي

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    السبت يوليو 16, 2011 3:15 am


- فصل ([b][1])

خرج البخاري ومسلم ([2]) من حديث :
43- عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة فقال : " من هذه " فقالت ([3]) : فلانة – تذكر من صلاتها – فقال([4]) : " مه ، عليكم بما تطيقون ، فوالله لا يمل الله حتى تملوا " . وكان أحب الدين إليه : مادام عليه صاحبه .
وقد ورد في رواية أخرى مخرجة في غير هذا الموضع أن هذه المرأة اسمها : الحولاء بنت تويت ([5]) ( 203 – أ / ف ) وأن عائشة قالت عنها : زعموا أنها لا تنام الليل " ([6]) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم " مه " زجر لعائشة عن قولها عن هذه المرأة في كثرة صلاتها وأنها لا تنام الليل وأمر لها بالكف عما قالته في حقها ؛ فيحتمل أن ذلك كراهية للمدح في وجهها ؛ حيث كانت المرأة حاضرة ، ويحتمل – وهو الأظهر وعليه يدل سياق الحديث – أن النهي إنما هو لمدحها بعمل ليس بممدوح في الشرع وعلى هذا فكثيرا ما يذكر في مناقب العباد من الاجتهاد المخالف للشرع ينهى عن ذكره على وجه التمدح به والثناء به على فاعله ، وقد سبق شرح هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم : " الدين يسر " ([7]) .
فإن المراد بهذا الحديث : الاقتصاد في العمل والأخذ منه بما يتمكن صاحبه من المداومة عليه ، وأن أحب العمل إلى الله مادام صاحبه عليه وإن قل . وقد روي ذلك في حديث آخر . وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة ، وكان إذا عمل عملا أثبته . وقد كان ينهى عن قطع العمل وتركه ، كما قال لعبد الله بن عمرو " لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل " ([8]) . وقوله " إن الله لا يمل حتى تملوا " ([9]) . وفي رواية : " لا يسأم حتى تسأموا " ([10]) . الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه ، فإذا سأم العبد من العمل ومله قطعه وتركه فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل ؛ فإن العبد إنما يجازى بعمله ، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم .
كما قال الحسن : إن دور الجنة تبنيها الملائكة بالذكر فإذا فتر العبد انقطع الملك عن البناء فتقول له الملائكة : ما شأنك يا فلان ؟ فيقول : إن صاحبي فتر ، قال الحسن : أمدوهم – رحمكم الله – بالنفقة . وأيضا – فإن دوام العمل وإيصاله ربما حصل للعبد به في عمله الماضي ما لا يحصل له فيه عند قطعه ؛ فإن الله يحب مواصلة العمل ومداومته ، ويجزي على دوامه ما لا يجزي على المنقطع منه .
وقد صح هذا المعنى في الدعاء وأن العبد يستجاب له ما لم يعجل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي ، فيدع الدعاء ، فدل هذا على أن العبد إذا أدام الدعاء وألح فيه أجيب وإن قطعه واستحسر منع إجابته وسمي هذا المنع من الله مللا وسآمة مقابلة للعبد على ملله وسآمته ، كما قال تعالى ) نسوا الله فنسيهم ( [ التوبة : 67 ] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانا مقابلة لنسيانهم له . هذا أظهر ماقيل في هذا . ويشهد له : أنه قد روي من حديث عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اكلفوا من العمل ما تطيقون ؛ فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل " . خرجه بقي بن مخلد ؛ وفي إسناده : موسى بن عبيدة . وقد قيل : إن " حتى " هاهنا بمعنى واو العطف ؛ ولكن لا يصح دعوى كون " حتى " عاطفة ؛ لأنها إنما تعطف المفردات لا الجمل ، هذا هو المعروف عند النحويين ، وخالف فيه بعضهم . وقيل : إن " حتى " فيه بمعنى " حين " ، وهذا غير معروف . وزعم ابن قتيبة أن المعنى : " لا يمل إذا مللتم " ، وزعم أن هذا الاستعمال معروف في كلام العرب ، وقد يقال : إن " حتى " بمعنى لام التعليل ، وأن المراد أن الله لا يمل لكي تملوا أنتم من العمل . وفيه بعد – أيضا . ولو كان كذلك لقال : حتى لا تملوا ، ويكون التعليل – حينئذ – بإعلامهم بأن الله لا يمل من العطاء ، فيكون إخبارهم بذلك مقتضيا ( 203 – ب / ف ) لمدوامتهم على العمل وعدم مللهم وسآمتهم .
و قد يقال : إنما يدل هذا الكلام عل نسبة الملل والسآمة إلى الله بطريق مفهوم الغاية . و من يقول : إنه لا مفهوم لها فإنه يمنع من دلالة الكلام على ذلك بالكلية . ومن يقول ذلك بالمفهوم فإنه يقول : متى دل الدليل على انتقائه لم يكن مرادا من الكلام . وقد دلت الأدلة عل انتفاء النقائص والعيوب عن الله تعالى ، ومن جملة ذلك : لحوق السآمة والملل له .
ولكن بعض ([11]) أصحابنا ذكر أن دلالة مفهوم الغاية كالمنطوق ؛ بمعنى أنه لا يجوز أن يكون ما يعد الغاية موافقا لما قبلها بمفهوم الموافقة أو غيره . فعلى قوله يتعين في هذا الحديث أحد الأجوبة المتقدمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
فصل ([12])
قال البخاري :

33- باب

زيادة الإيمان ونقصانه . وقول الله تعالى ) وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ( [ الكهف : 13] ، ) وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا( [ المدثر : 31 ] وقال ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( [ المائدة : 3 ] فإذا ترك شيئا من الكمال فهو ناقص .
استدل البخاري على زيادة الإيمان ونقصانه بقول الله عز وجل ) وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ( وفي زيادة الهدى إيمان آخر كقوله تعالى ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ( [ مريم : 76] ، ويفسر هذا الهدى بما في القلوب من الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك .
ويفسر بزيادة ما يترتب على ذلك من الأعمال الصالحة ، إما القائمة بالقلوب كالخشية لله ومحبته ورجائه والرضا بقضائه والتوكل عليه ونحو ذلك ، أو المفعولة بالجوارح كالصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد والذكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ، وكل ذلك داخل في مسمى الإيمان عند السلف وأهل الحديث ومن وافقهم – كما سبق ذكره .
واستدل – أيضا – بقوله تعالى ) وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ( [ المدثر : 31 ] وفي معنى هذه الآية قوله تعالى ) وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ( [ الأنفال : 2 ] وقوله ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ( [ التوبة : 124] . ويفسر الإيمان في هذه الآيات بمثل ما فسر به الهدى في الآيات المتقدمة . واستدل – أيضا – بقول الله عز وجل ) {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( [ المائدة : 3 ] فدل على أن الدين ذو أجزاء يكمل بكمالها وينقص بفوات بعضها ، وهذه الآية نـزلت في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وقد قيل : إنه لم ينـزل بعدها حلال ولا حرام – كما قال السدي ([13]) وغيره
وكذا قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله ، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد ، ثم أكمل الله لهم دينهم فقال ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي( ([14]) [ المائدة : 3 ] .
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يحجوا حجة الفرض إلا ذلك العام ، فلما حجوا حجة الإسلام كمل لهم الدين بتكميلهم أركان الإسلام – حينئذ – ولم يكن الدين قبل ذلك ناقصا كنقص من ترك شيئا من واجبات دينه ؛ بل كان الدين في كل زمان كاملا بالنسبة إلى ذلك الزمان بما فيه من الشرائع والأحكام ما لم يكن قبل ذلك ، كما يقال : إن شريعة الإسلام أكمل من شريعة موسى وعيسى ، وإن القرآن أكمل من التوراة ( 204 – أ / ف ) والإنجيل ، وهذا كما سمى النبي صلى الله عليه وسلم النساء ناقصات دين وفسر نقصان دينهن بترك الصلاة والصيام في زمن حيضهن مع أنها قائمة في تلك الحال بما وجب عليها من غير الصلاة ؛ ولكن نقصان دينها بالنسبة إلى من هي طاهرة تصلي وتصوم . وهذا مبني على أن الدين هو الإسلام بكماله – كما تقدم ذكره – والبخاري عنده أن الإسلام والإيمان واحد – كما تقدم ذكره .
وقد احتج سفيان بن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بهذه الآية على تفاضل الإيمان ([15]) ، قال أبو عبيد : قد أخبر الله أنه أكمل الدين في حجة الوداع في آخر الإسلام ، وزعم هؤلاء أنه كان كاملا قبل ذلك بعشرين سنة في أول نـزول الوحي ، قال : وقد اضطر بعضهم حين أدخلت عليه هذه الحجة إلى أن قال : الإيمان ليس هو مجموع الدين ؛ ولكن الدين ثلاثة أجزاء ، فالإيمان جزء ، والفرائض جزء ، والنوافل جزء . قال أبو عبيد : وهذا غير ما نطق به الكتاب ؛ فإن الله أخبر أن الإسلام هو الدين برمته ، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين . انتهى .
فالمرجئة عندنهم : الإيمان : التصديق ، ولا يدخل فيه الأعمال ، وأما الدين : فأكثرهم أدخل الأعمال في مسماه، وبعضهم خالف في ذلك – أيضا - ، والآية نص في رد ذلك ، والله أعلم .
ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين : أحدهما : حديث :
44- هشام الدستوائي : ثنا قتادة ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي فلبه ([16]) وزن برة من خير ويخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير ".
خرجه عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام به ، ثم قال : قال أبان : ثنا قتادة : ثنا أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " من إيمان " مكان " خير " ([17]) ففي هذه الرواية التي ذكرها تعليقا صريحا بتفاوت الإيمان الذي في القلوب – وأيضا – فيها التصريح بسماع قتادة له من أنس ، فزال ما كان يتوهم من تدليس قتادة . وقد خرج البخاري هذه اللفظة في حديث أنس في أواخر كتابه مسنده من رواية معبد بن هلال العنـزي ، عن أنس ([18]) . وخرج حديث أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى – فبما تقدم من كتابه ([19]) – باختلاف لفظ الخير والإيمان كاختلاف حديث أنس .
والحديث نص في تفاوت الإيمان الذي في القلوب ، وقد سبق القول في تفاوت المعرفة وتفاضلها – فيما تقدم ([20]).
الحديث الثاني الذي خرجه في هذا الباب : حديث :
45- طارق بن شهاب ، عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرءونها لو علينا معشر اليهود نـزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ قال : ) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ( [ المائدة : 3 ] ، فقال عمر : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نـزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، نـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم الجمعة .
وقد خرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ([21]) من وجه آخر عن عمر ، وزاد فيه أنه قال : وكلاهما بحمد الله لنا عيد .
وخرج الترمذي ، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية وعنده يهودي فقال : لو أنـزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدا ، فقال ابن عباس : فإنها نـزلت في يوم عيدين : يوم جمعة ويوم عرفة ([22]) . ( 204 – ب / ف )
فهذا قد يؤخذ من أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا ؛ إنما تكون بالشرع والاتباع ، فهذه الآية لما تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنـزلها الله في يوم شرعه عيدا لهذه الأمة من وجهين :
أحدهما : أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة .
والثاني : أنه يوم عيد أهل الموسم وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم ، وقد قيل : أنه يوم الحج الأكبر .
وقد جاء تسمية عيدا من حديث مرفوع خرجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب " ([23]) .
وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء ؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام ، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين ، وحمله بعضهم على أهل الموقف وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر ، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها ؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكلهم من نسكهم . هذا قول جمهور العلماء .
وقال عطاء : إنما هي أعياد لأهل الموسم ، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها . وقول الجمهور أصح . ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نعم الله على عباده لو صامها بعض الناس شكرا من غير اتخاذها عيدا كان حسنا استدلالا بصيام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء لما أخبره اليهود بصيام موسى له شكرا ، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن صيام يوم الاثنين ، قال : " ذلك يوم ولدت فيه وأنـزل علي فيه " ([24]) .
فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يتجاوز بها شرعه الله لرسوله وشرعه الرسول لأمته . والأعياد : هي مواسم الفرح والسرور ؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته ، كما قال تعالى ) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ( [ يونس : 58 ] فشرع لهم عيدين في سنة وعيدا في كل أسبوع ، فأما عيدا السنة :
فأحدهما : تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام ، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار ، فشرع لهم عيدا بعد إكمال صيامهم وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد ([25]) شكرا لذلك .
والعيد الثاني : أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار ، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه ، فجعل الله عقب ذلك عيدا ؛ بل هو العيد الأكبر ، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه تفثهم ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد ؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة ، لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام ، بخلاف الصيام ويكون شكر ([26]) عند أهل الأمصار : الصلاة والنحر ، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر ؛ ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله عليه السلام عند أمره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم .
وأما ( 205 0 أ / ف ) عيد الأسبوع : فهو يوم الجمعة ، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة ؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات ، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها – وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة – عيدا يجتمعون فيه على صلاة الجمعة ، وشرع لهم الخطبة تذكيرا بنعم الله عليهم وحثا لهم على شكرها ، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام . وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر . خرجه الإمام أحمد في " مسنده " ([27]) ، وقال مجاهد وغيره . وروي أنه حج المساكين ([28]) ، وروي عن علي أنه يوم نسك المسلمين . وقال ابن المسيب : الجمعة أحب إلي من حج التطوع . وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي ؛ فالمبكر في أول ساعة كالمهدي بدنة ، ثم كالمهدي بقرة ، ثم كالمهدي كبشا ، ثم كالمهدي دجاجة . ثم كالمهدي بيضة . ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة . وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عموما يشارك الرجال فيها النساء . فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عموما .
وأما خواص المؤمنين : فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين . وروي عن الحرم ([29]) : كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد . ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشيا . وقد خرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا ([30]) .
ولهذا المعنى – والله أعلم – لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤية في حديث جرير ابن عبد الله البجلي ([31]) أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم ، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما .
فتبين بهذا : أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام ؛ فالأعياد الثلاثة المجتمع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج ؛ فأما الزكاة : فليس لها زمان معين تكمل فيه ، وأما الشهادتان : فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما ، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما . وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت ؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد ، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة ، والله أعلم .
30 – فصل ([32])
خرج البخاري ومسلم ([33]) من حديث :
40- أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نـزل على أجداده – أو قال : أخواله – من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا - أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأنه ([34]) أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكانت اليهود ([35]) أعجبهم إذ كان يصلي ( 205 – ب / ف ) قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهته قبل البيت أنكروا ذلك . قال زهير : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنـزل الله تعالى ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم ( [ البقرة : 143] ْ قال البخاري : يعني صلاتكم ([36]) .
وبوب على هذا الحديث : باب " الصلاة من الإيمان " ([37]) . والأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم فيهم نسب ؛ فإنهم أجداده وأخواله من جهة جد أبيه هاشم بن عبد مناف ؛ فإنه تزوج بالمدينة امرأة من بني عدي بن النجار يقال لها سلمى ، فولدت له ابنه عبد المطلب وفي رأسه شيبة فسمي شيبة ، وذكر ابن قتيبة أن اسمه عامر .
والصحيح أن اسمه شيبة ؛ وإنما قيل له عبد المطلب لأن عمه المطلب بن عبد مناف قدم به من المدينة على مكة فقالت قريش : هذا عبد المطلب . فقال : ويحكم ؛ إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو ، وهاشم اسمه عمرو . ففي حديث البراء هذا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نـزل على أجداده – أو قال : أخواله – من الأنصار ، وظاهره يدل على أنه نـزل على بني النجار ؛ لأنهم هم أخواله وأجداده ؛ وإنما أراد البراء جنس الأنصار دون خصوص بني النجار . وقد خرج البخاري في كتاب "الصلاة " ([38]) و" أبواب الهجرة " ([39]) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نـزل في علو المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف ، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم ، قال : وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وذكر الحديث .
وخرج – أيضا – معنى ذلك من حديث الزهري ، عن عروة بن الزبير . وأما ما ذكر البراء في حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة قبل بيت المقدس ست عشر أو سبعة عشر شهرا ([40]) : فهذا شك منه في مقدار المدة . وروي عن ابن عباس أن مدة صلاته بالمدينة غلي بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا . خرجه أبو داود ([41]) . وخرج – أيضا – من حديث معاذ أن مدة ذلك كان ثلاثة عشر شهرا ([42]) .
وروي كثير بن عبد الله المزني – وهو ضعيف - ، عن أبيه ، عن جده عمرو بن عوف قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة شهرا ([43]) . وقال سعيد بن المسيب : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة عشر شهرا ، ثم حولت القبلة بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين . ورواه بعضهم عن سعيد ، عن سعد بن أبي وقاص . والحفاظ يرون أنه لا يصح ذكر سعد بن أبي وقاص فيه ([44]) . وقيل عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث : ستة عشر شهرا ([45]) . وكذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة ابن زيد وغيرهم أن مدة صلاته إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا. وقال الواقدي : الثبت عندنا أن القبلة حولت إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشرة شهرا ([46]) . وعن السدي : أن ذلك كان على رأس ثمانية عشر شهرا ([47]) . و قيل : كان بعد خمسة عشر شهرا ونصف . ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة ؛ لكن اختلفوا ( 206 – أ / ف ) في أي شهر كان ؟ فقيل : في رجب – كما تقدم . وحكي ذلك عن الجمهور ([48]) ، منهم ابن إسحاق ([49]) . وقيل في يوم الثلاثاء نصف شعبان . وحكي عن قتادة ، واختاره محمد بن حبيب الهاشمي وغيره وقيل : بل كان في جمادي الأول ([50]) . وحكي عن إبراهيم الحربي ، ورواه الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك . وقوله " وكان يعجبه " يعني : النبي صلى الله عليه وسلم – " أن تكون قبلته قبل البيت " – يعني الكعبة – هذا يشهد له قول الله تعالى ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ( [ البقرة : 144] .
و روى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة – وكان أكثر أهلها اليهود – أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء فأنـزل الله ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء ( الآية([51]) [ البقرة : 144 ]
قال مجاهد : إنما كان يجب أن يحول إلى الكعبة ؛ لأن يهود قالوا : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ([52]) ؟ ! . وقال ابن زيد : لما نـزلت ) فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ ( [ البقرة : 115 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله – لبيت المقدس – لو أنا استقبلناه " فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا ، فبلغه أن اليهود تقول : والله ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورفع وجهه إلى السماء ، فنـزلت هذه الآية ) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء ( ([53]) . ويشهد لهذا : ما في حديث البراء : " وكانت اليهود قد أعجبتهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب – يعني من غير اليهود، وهم النصارى – فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك " .
وقد اختلف الناس هل كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل هجرته يصلي إلى بيت المقدس أو إلى الكعبة ؟ . فروى عن ابن عباس : إنه كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه . خرجه الإمام أحمد ([54]) . وقال ابن جريج : صلى أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة ، فصلت الأنصار قبل قدومه صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثلاث حجج وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام . وقال قتادة : صلت الأنصار قبل قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة نحو بيت المقدس حولين . واستدل من قال : إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا فدل على أنه لم يصل إليه غير هذه المدة ([55]) . لكن يقال : إنه إنما أراد بعد الهجرة . ويدل عليه – أيضا - : أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم أول ما فرضت الصلاة عند باب البيت ، والمصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله . ولم ينقل هذا أحد [ ..... ]([56]) . وهؤلاء منهم من قال : ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي – كما تقدم عن ابن زيد . وكذا قال أبو العالية : إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب . وفي " صحيح الحاكم " ([57]) عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ) وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ( [ البقرة : 115 ] فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 206 – ب /ف ) فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال الله تعالى ) سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ( [ البقرة : 142 ] يعنون : بيت المقدس ، فنسخها الله وصرفه إلى البيت العتيق .
وقال : صحيح على شرطهما . وليس كما قال ؛ فإن عطاء هذا هو الخراساني ، ولم يلق ابن عباس ؛ كذا وقع مصرحا بنسبته في كتاب " الناسخ والمنسوخ " لأبي عبيد ، ولابن أبي داود وغيرهما . وقول البراء " وكان أول صلاة صلاها العصر " يعني إلي الكعبة بعد الهجرة . وقد روي عن عمارة بن أوس – وكان قد صلى القبلتين – قال : كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نصلي على بيت المقدس وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب : إن القبلة قد حولت ، فأشهد على إمامنا أنه تحرف . خرجه الأثرم وغيره ([58]) .
وخرج الأثرم وابن أبي حاتم من حديث تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثه فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو البيت الحرام([59]) .
وقد روي أن هذه الصلاة كانت صلاة الفجر ؛ ففي " الصحيحين " عن ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنـزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم على الشام فاستداروا إلى الكعبة ([60]) .
وخرج مسلم معناه من حديث أنس – أيضا ([61]) . وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث : إن التحويل كان في صلاة العصر ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الصبح . وفيه نظر . وقيل : إن تلك الصلاة كانت الظهر . وقد خرجه النسائي في " تفسيره " من حديث أبي سعيد بن المعلى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ([62]) . وروي عن مجاهد . وحديث البراء يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العصر كلها إلى الكعبة وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ثم استداروا إلى الكعبة هم قوم كانوا في مسجد لهم وراء إمام لهم .
وفي حديث ابن عمر : أنهم أهل مسجد قباء ، وفي حديث تويلة : مسجد بني حارثة . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى معه هم الذين استداروا في صلاتهم وأن الكعبة حولت في أثناء صلاتهم . وقد روي نحوه عن مجاهد وغيره . وقد ذكر ابن سعد في كتابه قال : يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام واستدار إليه ودار معه المسلمون ([63]) . ويقال : بل زار رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت لهم طعاما وكانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ركعتين ، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمي المسجد القبلتين ([64])








([1] ) هو باب " أحب الدين على الله أدومه " .
([2] ) ( 785 / 221 ) .
([3] ) في " اليونينية " : قالت " وكذا في " إرشاد الساري " ولم يحك غيرها القسطلاني .
([4] ) في " اليونينية " : " قال " ولم ينبه القسطلاني على غيرها .
([5] ) وضبط " تويت " بمثناتين فوق أوله وآخره ، الأولى مضمومة ، وهي الحولاء بنت تويت بن حبيب ، صحابية ، راجع " الإكمال " ( 1 / 375 ) ، و " توضيح المشتبه " ، ( 1 / 673 ) .
([6] ) مسلم ( 785 / 220 ) .
([7] ) سبق ( ص 149 ) تحت حديث ( 39 ) .
([8] ) مسلم ( 1159 / 185 ) .
([9] ) مسلم ( 785/ 221 ) .
([10] ) مسلم ( 785 / 220 ) .
([11] ) اشتبهت في " ف " بـ " نقض " .
([12] ) جمع هنا بين كلمة " فصل " و " باب " وذكر ترجمة الباب كاملة وقد نبهنا على ذلك في أوائل " كتاب الإيمان " .
([13] ) ذكره ابن جرير في " تفسيره " ( 6 / 51 ) .
([14] ) راجع " صحيفته " عن ابن عباس ( ص : 170 ) ، والطبري في " تفسيره " ( 6 / 52 ) ، ورواية علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس متكلم فيها ؛ فإنه لم يسمع عن ابن عباس ، قاله أبو حاتم .
([15] ) راجع " مراسيل " ابنه ( ص 140) ، ورواية معاوية بن صالح عنه لا يعتمد عليها . راجع " الصحيفة " ( ص : 44 ) .
([16] ) حدث هنا سقط في متن الحديث وهو في " اليونينية " : " وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه " .
([17] ) في " اليونينية " : " من خير " ووضع فوق قوله " من " رمز ( ص ) وهو للأصيلي ، وكذا نبه القسطلاني وقال : وللأصيلي : " من خير " ..
([18] ) ( فتح : ( 751 ) .
([19] ) حديث ( 22 ) .
([20] ) ( ص 10 – 11 ) عند شرحه لترجمة الباب لأول من " كتاب الإيمان " عند شرحه لقول البخاري : ويزيد وينقص " .
([21] ) ( 6 / 53 – 54 ) .
([22] ) الترمذي ( 3044 ) .
([23] ) أخرجه أبو داود ( 2419 ) ، والنسائي في " المجتبى " ( 5 / 252 ) ، والترمذي ( 773 ) .
([24] ) مسلم ( 1162 / 198 ) ، وأشار البخاري في " التاريخ " ( 5 / 198 ) إلى انقطاعه .
([25] ) تشتبه في " ف " بـ " العبد " والصواب ما أثبتناه .
([26] ) كذا في " ف " ، ولعل الصواب : " شكره " .
([27] ) ( 3 / 430 ) عن أبي لبابة .
([28] ) انظر " الضعيفة " للألباني ( 191 ) .
([29] ) كذا .
([30] ) الترمذي ( 3330 ) ، واستغرب رفعه ، وانظر " علل الدار قطني " ( 4 / ق 63 – أ ، ب ) .
([31] ) البخاري ( فتح : 554 ) ، ومسلم ( 633 / 211 ) .
([32] ) باب " الصلاة من الإيمان " ، كما سينبه المصنف – رحمه الله – بعد الحديث وقد ذكر المصنف هذا الباب متأخرا عن مكانه بعد باب ( 33 ) .
([33] ) ( 525

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkabshi.forumarabia.com
mohamed tahar

avatar

عدد المساهمات : 15
تاريخ التسجيل : 12/02/2012

مُساهمةموضوع: رد: كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني    الأحد فبراير 12, 2012 4:38 pm

احمد العوض الكباشي كتب:

كتاب فتح الباري
لابن حجر العسقلاني
أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ


@الحديث:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَبْوَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ
الشرح:
قوله: (أبواب صلاة الخوف) ثبت لفظ أبواب للمستملي وأبي الوقت.
وفي رواية الأصيلي وكريمة " باب " بالإفراد، وسقط للباقين.
*3*قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ
@إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا
الشرح:
قوله: (وقول الله عز وجل) (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ثبت سياق الآيتين بلفظهما إلى قوله: (مهينا) في رواية كريمة، واقتصر في رواية الأصيلي على ما هنا وقال: إلى قوله: (عذابا مهينا) .
وأما أبو ذر فساق الأولى بتمامها ومن الثانية إلى قوله: (معك) ثم قال إلى قوله (عذابا مهينا) .
قال الزين بن المنير: ذكر صلاة الخوف أثر صلاة الجمعة لأنهما من جملة الخمس، لكن خرج كل منهما عن قياس حكم باقي الصلوات، ولما كان خروج الجمعة أخف قدمه تلو الصلوات الخمس، وعقبه بصلاة الخوف لكثرة المخالفة ولا سيما عند شدة الخوف، وساق الآيتين في هذه الترجمة مشيرا إلى أن خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات ثبت بالكتاب قولا وبالسنة فعلا.
انتهى ملخصا.
ولما كانت الآيتان قد اشتملتا على مشروعية القصر في صلاة الخوف وعلى كيفيتها ساقهما معا وآثر تخريج حديث ابن عمر لقوة شبه الكيفية التي ذكرها فيه بالآية.
ومعنى قوله تعالى (وإذا ضربتم) أي سافرتم، ومفهومه أن القصر مختص بالسفر وهو كذلك.
وأما قوله: (إن خفتم) فمفهومه اختصاص القصر بالخوف أيضا، وقد سأل يعلى بن أمية الصحابي عمر بن الخطاب عن ذلك فذكر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه مسلم، فثبت القصر في الأمن ببيان السنة، واختلف في صلاة الخوف في الحضر فمنعه ابن الماجشون أخذا بالمفهوم أيضا وأجازه الباقون.
وأما قوله: (وإذا كنت فيهم) فقد أخذ بمفهومه أبو يوسف في إحدى الروايتين عنه والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية، وحكى عن المزني صاحب الشافعي، واحتج عليهم بإجماع الصحابة على فعل ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبقوله صلى الله عليه وسلم "صلوا كما رأيتموني أصلي " فعموم منطوقه مقدم على ذلك المفهوم.
وقال ابن العربي وغيره: شرط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول.
ثم إن الأصل أن كل عذر طرأ على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدو، وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم.
وقال الزين المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف في قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) وقال الطحاوي: كان أبو يوسف قد قال مرة: لا تصلي صلاة الخوف بعد رسول صلى الله عليه وسلم وزعم أن الناس إنما صلوها معه لفضل الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا القول عندنا ليس بشيء، وقد كان محمد بن شجاع يعيبه ويقول: إن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت أفضل من الصلاة مع الناس جميعا إلا أنه يقطعها ما يقطع الصلاة خلف غيره انتهى.
وسيأتي سبب النزول وبيان أول صلاة صليت في الخوف في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى.
@الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ
الشرح:
قوله: (عن الزهري سألته) القائل هو شعيب والمسئول هو الزهري وهو القائل " أخبرني سالم " أي ابن عبد الله بن عمر، ووقع بخط بعض من نسخ الحديث عن الزهري قال سألته فأثبت قال ظنا أنها حذفت خطأ على العادة، وهو محتمل، ويكون حذف فاعل قال، لا أن الزهري هو الذي قال: والمتجه حذفها وتكون الجملة حالية أي أخبرني الزهري حال سؤالي إياه.
وقد رواه النسائي من طريق بقية عن شعيب حدثني الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، وأخرجه السراج عن محمد بن يحيى عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه فزاد فيه ولفظه " سألته هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف أم لا؟ وكيف صلاها إن كان صلاها؟ وفي أي مغازيه كان ذلك؟ " فأفاد بيان المسئول عنه وهو صلاة الخوف.
قوله: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل نجد) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة نجد، ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب، وسيأتي بيان هذه الغزوة في الكلام على غزوة ذات الرقاع من المغازي.
قوله: (فوازينا) بالزاي أي قابلنا، قال صاحب الصحاح: يقال آزيت، يعني بهمزة ممدودة لا بالواو.
والذي يظهر أن أصله الهمزة فقلبت واوا.
قوله: (فصاففناهم) في رواية المستملي والسرخسي " فصاففنا لهم " وقوله " فصلي لنا " أي لأجلنا أو بنا.
قوله: (ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل) أي فقاموا في مكانهم، وصرح به في رواية بقية المذكورة، ولمالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر " ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون " وسيأتي عند المصنف في التفسير.
قوله: (ركعة وسجد سجدتين) زاد عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري " مثل نصف صلاة الصبح " وفي قوله مثل نصف صلاة الصبح إشارة إلى أن الصلاة المذكورة كانت غير الصبح، فعلى هذا فهي رباعية، وسيأتي في المغازي ما يدل على أنها كانت العصر، وفيه دليل على أن الركعة المقضية لا بد فيها من القراءة لكل من الطائفتين خلافا لمن أجاز للثانية ترك القراءة.
قوله: (فقام كل واحد منهم فركع لنفسه) لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده.
ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه " ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا " ا ه.
وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي تبعا لغيره من كتب الفقه أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ولم نقف على ذلك في شيء من الطرق، وبهذه الكيفية أخذ الحنفية، واختار الكيفية التي في حديث ابن مسعود أشهب والأوزاعي، وهي الموافقة لحديث سهل بن أبي حثمة من رواية مالك عن يحيى بن سعيد، واستدل بقوله طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس يحصل الثقة بها في ذلك، والطائفة تطلق على الكثير والقليل حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد.
ويحرس واحد ثم يصلي الآخر، وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة على القول بأقل الجماعة مطلقا، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع بقوله: (أسلحتهم) ذكره النووي في شرح مسلم وغيره، واستدل به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها، ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، وقد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الإسناد لموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه، وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل ابن أبي حثمة الآتي في المغازي، وكذا رجحه الشافعي، ولم يختر إسحاق شيئا على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر وسرد ثمانية أوجه، وكذا ابن حبان في صحيحه وزاد تاسعا.
وقال ابن حزم: صح فيها أربعة عشر وجها، وبينها في جزء مفرد.
وقال ابن العربي في " القبس ": جاء فيها روايات كثيرة أصحها ستة عشر رواية مختلفة، ولم يبينها.
وقال النووي نحوه في شرح مسلم ولم يبينها أيضا، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي وزاد وجها آخر فصارت سبعة عشر وجها، لكن يمكن أن تتداخل.
قال صاحب الهدى: أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من اختلاف الرواة ا ه.
وهذا هو المعتمد، وإليه أشار شيخنا بقوله: يمكن تداخلها.
وحكى ابن القصار المالكي أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها عشر مرات.
وقال ابن العربي: صلاها أربعا وعشرين مرة.
وقال الخطابي: صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى ا ه.
وفي كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة وفروع لا يتحمل هذا الشرح بسطها والله المستعان.
*3*باب صَلَاةِ الْخَوْفِ رِجَالًا وَرُكْبَانًا رَاجِلٌ قَائِمٌ
@الشرح:
قوله: (باب صلاة الخوف رجالا وركبانا) قيل: مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة ولا تؤخر عن وقتها، بل تصلي على أي وجه حصلت القدرة عليه بدليل الآية.
قوله: (راجل: قائم) يريد أن قوله " رجالا " جمع راجل والمراد به هنا القائم، ويطلق على الماشي أيضا وهو المراد في سورة الحج بقوله تعالى (يأتوك رجالا) أي مشاة، وفي تفسير الطبري بسند صحيح عن مجاهد (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا.
@الحديث:
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إِذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا
الشرح:
قوله: (عن نافع عن ابن عمر نحوا من قول مجاهد إذا اختلطوا قياما، وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم " وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا ") هكذا أورده البخاري مختصرا وأحال على قول مجاهد، ولم يذكره هنا ولا في موضع آخر من كتابه، فأشكل الأمر فيه فقال الكرماني: معناه أن نافعا روى عن ابن عمر نحوا مما روى مجاهد عن ابن عمر، المروي المشترك بينهما هو ما إذا اختلطوا قياما، وزيادة نافع على مجاهد قوله " وإن كانوا أكثر من ذلك الخ " قال: ومفهوم كلام ابن بطال أن ابن عمر قال مثل قول مجاهد، وأن قولهما مثلا في الصورتين، أي في الاختلاط وفي الأكثرية، وأن الذي زاد هو ابن عمر لا نافع ا ه.
وما نسبه لابن بطال بين في كلامه إلا المثلية في الأكثرية فهي مختصة بابن عمر وكلام ابن بطال هو الصواب وإن كان لم يذكر دليله.
والحاصل أنهما حديثان: مرفوع وموقوف، فالمرفوع من رواية ابن عمر وقد يروى كله أو بعضه موقوفا عليه أيضا، والموقوف من قول مجاهد لم يروه عن ابن عمر ولا غيره، ولم أعرف من أين وقع للكرماني أن مجاهدا روى هذا الحديث عن ابن عمر فإنه لا وجود لذلك في شيء من الطرق، وقد رواه الطبري عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري فيه بإسناده المذكور عن ابن عمر قال " إذا اختلطوا " يعني في القتال " فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن كانوا أكثر من ذلك فيصلون قياما وركبانا " هكذا اقتصر على حديث ابن عمر، وأخرجه الإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن سعيد المذكور مثل ما ساقه البخاري سواء، وزاد بعد قوله " اختلطوا: فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " ا ه.
وتبين من هذا أن قوله في البخاري " قياما " الأولى تصحيف من قوله " فإنما " وقد ساقه الإسماعيلي من طريق أخرى بين لفظ مجاهد وبين فيها الواسطة بين ابن جريج وبينه، فأخرجه من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال " إذا اختلطوا فإنما هو الإشارة بالرأس " قال ابن جريج " حدثني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر بمثل قول مجاهد إذا اختلطوا فإنما هو الذكر وإشارة الرأس " وزاد عن النبي صلى الله عليه وسلم " فإن كثروا فليصلوا ركبانا أو قياما على أقدامهم " فتبين من هذا سبب التعبير بقوله " نحو قول مجاهد " لأن بين لفظه وبين لفظ ابن عمر مغايرة، وتبين أيضا أن مجاهدا إنما قاله برأيه لا من روايته عن ابن عمر والله أعلم.
وقد أخرج مسلم حديث ابن عمر من طريق سفيان الثوري عن موسى بن عقبة فذكر صلاة الخوف نحو سياق الزهري عن سالم وقال في آخره " قال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فليصل راكبا أو قائما يومئ إيماء " ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة موقوفا لكن قال في آخره " وأخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي صلى الله عليه وسلم " فاقتضى ذلك رفعه كله.
وروى مالك في الموطأ عن نافع كذلك لكن قال في آخره " قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم " وزاد في آخره " مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها".
وقد أخرجه المصنف من هذا الوجه في تفسير سورة البقرة، ورواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا كله بغير شك أخرجه ابن ماجه ولفظه " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف: أن يكون الإمام يصلي بطائفة " فذكر نحو سياق سالم عن أبيه وقال في آخره " فإن كان خوف أشد من ذلك فرجالا وركبانا " وإسناده جيد.
والحاصل أنه اختلف في قوله " فإن كان خوف أشد من ذلك " هل هو مرفوع أو موقوف على ابن عمر، والراجح رفعه، والله أعلم.
قوله: (وإن كانوا أكثر من ذلك) أي إن كان العدو، والمعنى أن الخوف إذا اشتد والعدو إذا كثر فخيف من الانقسام لذلك جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان، فينتقل عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع والسجود إلى الإيماء إلى غير ذلك، وبهذا قال الجمهور، ولكن قال المالكية: لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت، وسيأتي مذهب الأوزاعي في ذلك بعد باب.
(تنبيه) : ابن جريج سمع الكثير من نافع، وقد أدخل في هذا الحديث بينه وبين نافع موسى بن عقبة، ففي هذا التقوية لمن قال إنه أثبت الناس في نافع، ولابن جريج فيه إسناد آخر أخرجه عبد الرزاق عنه عن الزهري عن سالم عن أبيه.
*3*باب يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ
@الشرح:
قوله: (باب يحرس بعضهم بعضا في الخوف) قال ابن بطال: محل هذه الصورة إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يفترقون والحالة هذه، بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر.
وقال الطحاوي: ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى (ولتأت طائفة أخرى) إذا كان العدو في غير القبلة، وذلك ببيانه صلى الله عليه وسلم.
ثم بين كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
الشرح:
قوله: (عن الزبيدي) في رواية الإسماعيلي " حدثنا الزبيدي " ولم أره من حديثه إلا من رواية محمد ابن حرب عنه، وافقه عليه النعمان بن راشد عن الزهري أخرجه البزار وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا النعمان، ولا عنه إلا وهيب يعني ابن خالد ا ه.
ورواية الزبيدي ترد عليه.
قوله: (وركع ناس منهم) زاد الكشميهني " معه".
قوله: (ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا معه) في رواية النسائي والإسماعيلي " ثم قام إلى الركعة الثانية فتأخر الذين سجدوا معه".
قوله: (فركعوا وسجدوا) في روايتهما أيضا " فركعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم".
قوله: (في صلاة) زاد الإسماعيلي " يكبرون " ولم يقع في رواية الزهري هذه هل أكملوا الركعة الثانية أم لا، وقد رواه النسائي من طريق أبي بكر بن أبي الجهم من شيخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فزاد في آخره " ولم يقضوا " وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة.
وفي الباب عن حذيفة وعن زيد ابن ثابت عند أبي داود والنسائي وابن حبان، وعن جابر عند النسائي، ويشهد له ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال " فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة " وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق والثوري ومن تبعهما.
وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف، وسيأتي عن بعضهم في شدة الخوف أسهل من ذلك.
وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا رواية مجاهد هذه على أن المراد به ركعة مع الإمام، وليس فيه نفي الثانية.
وقالوا: يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق " لم يقضوا " أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن والله أعلم.
(فائدة) : لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب، وقد أجمعوا على أنه لا يدخلها قصر، واختلفوا هل الأولى أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس.
*3*باب الصَّلَاةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ
@وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لَا يُجْزِئُهُمْ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
الشرح:
قوله: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون) أي عند إمكان فتحها، وغلبة الظن على القدرة على ذلك.
قوله: (ولقاء العدو) وهو من عطف الأعم على الأخص، قال الزين بن المنير: كأن المصنف خص هذه الصورة لاجتماع الرجاء والخوف في تلك الحالة، فإن الخوف يقتضي مشروعية صلاة الخوف والرجاء بحصول الظفر يقتضي اغتفار التأخير لأجل استكمال مصلحة الفتح، فلهذا خالف الحكم في هذه الصورة الحكم في غيرها عند من قال به.
قوله: (وقال الأوزاعي الخ) كذا ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير.
قوله: (إن كان تهيأ الفتح) أي تمكن.
وفي رواية القابسي " إن كان بها الفتح " بموحدة وهاء الضمير وهو تصحيف.
قوله: (فإن لم يقدروا على الإيماء) قيل: فيه إشكال لأن العجز عن الإيماء لا يتعذر مع حصول العقل، إلا أن تقع دهشة فيعزب استحضاره ذلك، وتعقب.
قال ابن رشيد: من باشر الحرب واشتغال القلب والجوارح إذا اشتغلت عرف كيف يتعذر الإيماء، وأشار ابن بطال إلى أن عدم القدرة على ذلك يتصور بالعجز عن الوضوء أو التيمم للاشتغال بالقتال، ويحتمل أن الأوزاعي كان يرى استقبال القبلة شرطا في الإيماء فيتصور العجز عن الإيماء إليها حينئذ.
قوله: (فلا يجزيهم التكبير) فيه إشارة إلى خلاف من قال يجزئ كالثوري، وروى ابن أبي شيبة من طريق عطاء وسعيد بن جبير وأبي البختري في آخرين قالوا " إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة فقولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فتلك صلاتهم بلا إعادة " وعن مجاهد والحكم: إذا كان عند الطراد والمسابقة يجزئ أن تكون صلاة الرجل تكبيرا، فإن لم يكن إلا تكبيرة واحدة أجزأته أين كان وجهه.
وقال إسحاق بن راهويه: يجزئ عند المسابقة ركعة واحدة يومئ بها إيماء، فإن لم يقدر فسجدة، فإن لم يقدر فتكبيرة.
قوله: (وبه قال مكحول) قال الكرماني: يحتمل أن يكون بقية من كلام الأوزاعي، ويحتمل أن يكون من تعليق البخاري.
انتهى.
وقد وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من غير طريق الأوزاعي بلفظ " إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا أخروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض".
(تنبيه) : ذكر ابن رشيد أن سياق البخاري لكلام الأوزاعي مشوش، وذلك أنه جعل الإيماء مشروطا بتعذر القدرة، والتأخير مشروطا بتعذر الإيماء، وجعل غاية التأخير انكشاف القتال، ثم قال " أو يأمنوا فيصلوا ركعتين " فجعل الأمن قسيم الانكشاف يحصل الأمن فكيف يكون قسيمه؟ وأجاب الكرماني عن هذا بأن الانكشاف قد يحصل ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة، كما أن الأمن يحصل بزيادة القوة واتصال المدد بغير انكشاف، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين.
وأما قوله " فإن لم يقدروا " فمعناه على صلاة ركعتين بالفعل أو بالإيماء " فواحدة " وهذا يؤخذ من كلامه الأول قال " فإن لم يقدروا عليها أخروا " أي حتى يحصل الأمن التام.
والله أعلم.
قوله: (وقال أنس) وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه، وذكره " خليفة في تاريخه " وعمر بن شبة في " أخبار البصرة " من وجهين آخرين عن قتادة، ولفظ عمر " سأل قتادة عن الصلاة إذا حضر القتال فقال: حدثني أنس بن مالك أنهم فتحوا تستر وهو يومئذ على مقدمة الناس وعبد الله بن قيس - يعني أبا موسى الأشعري - أميرهم".
قوله: (تستر) بضم المثناة الفوقانية وسكون المهملة وفتح المثناة أيضا بلد معروف من بلاد الأهواز، وذكر خليفة أن فتحها كان في سنة عشرين في خلافة عمر، وسيأتي الإشارة إلى كيفيته في أواخر الجهاد إن شاء الله تعالى.
قوله: (اشتعال القتال) بالعين المهملة.
قوله: (فلم يقدروا على الصلاة) يحتمل أن يكون للعجز عن النزول، ويحتمل أن يكون للعجر عن الإيماء أيضا، فيوافق ما تقدم عن الأوزاعي، وجزم الأصيلي بأن سببه أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلا من شدة القتال.
قوله: (إلا بعد ارتفاع النهار) في رواية عمر بن شبة " حتى انتصف النهار".
قوله: (ما يسرني بتلك الصلاة) أي بدل تلك الصلاة.
وفي رواية الكشميهني " من تلك الصلاة".
قوله: (الدنيا وما فيها) في رواية خليفة: الدنيا كلها، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا أن مراده الاغتباط بما وقع، فالمراد بالصلاة على هذا هي المقضية التي وقعت، ووجه اغتباطه كونهم لم يشتغلوا عن العبادة إلا بعبادة أهم منها عندهم، ثم تداركوا ما فاتهم منها فقضوه، وهو كقول أبي بكر الصديق " لو طلعت لم تجدنا غافلين " وقيل: مراد أنس الأسف على التفويت الذي وقع لهم، والمراد بالصلاة على هذه الفائتة ومعناه: لو كانت في وقتها كانت أحب إلي فالله أعلم، وممن جزم بهذا الزين بن المنير فقال: إيثار أنس الصلاة على الدنيا وما فيها يشعر بمخالفته لأبي موسى في اجتهاده المذكور، وأن أنسا كان يرى أن يصلي للوقت وإن فات الفتح، وقوله هذا موافق لحديث " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " انتهى، وكأنه أراد الموافقة في اللفظ، وإلا فقصة أنس في المفروضة والحديث في النافلة، ويخدش فيما ذكره عن أنس من مخالفة اجتهاد أبي موسى أنه لو كان كذلك لصلى أنس وحده ولو بالإيماء، لكنه وافق أبا موسى ومن معه فكيف يعد مخالفا؟ والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا
الشرح:
قوله: (حدثنا يحيى حدثنا وكيع) كذا في معظم الروايات، ووقع في رواية أبي ذر في نسخة " يحيى ابن موسى " وفي أخرى " يحيى بن جعفر " وهذا المعتمد، وهي نسخة صحيحة بعلامة المستملي، وفي بعض النسخ " يحيى بن موسى بن جعفر " وهو غلط ولعله كان فيه يحيى بن موسى وفي الحاشية ابن جعفر على أنها نسخة فجمع بينهما بعض من نسخ الكتاب، واسم جد يحيى بن موسى عبد ربه بن سالم وهو الملقب خت بفتح المعجمة بعدها مثناة فوقانية ثقيلة، واسم جد يحيى بن جعفر أعين وكلاهما من شيوخ البخاري وكلاهما من أصحاب وكيع.
قوله: (عن جابر) تقدم الكلام على حديثه في أواخر المواقيت، ونقل الاختلاف في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق هل كان نسيانا أو عمدا، وعلى الثاني هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة أو قبل نزول آية الخوف؟ وإلى الأول وهو الشغل جنح البخاري في هذا الموضع ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة، ولا يرده ما تقدم من ترجيح كون آية الخوف نزلت قبل الخندق لأن وجهه أنه أقر على ذلك، وآية الخوف التي في البقرة لا تخالفه لأن التأخير مشروط بعدم القدرة على الصلاة مطلقا، وإلى الثاني جنح المالكية والحنابلة لأن الصلاة لا تبطل عندهم بالشغل الكثير في الحرب إذا احتيج إليه، وإلى الثالث جنح الشافعية كما تقدم في الموضع المذكور، وعكس بعضهم فادعى أن تأخيره صلى الله عليه وسلم للصلاة يوم الخندق دال على نسخ صلاة الخوف، قال ابن القصار: وهو قول من لا يعرف السنن، لأن صلاة الخوف أنزلت بعد الخندق فكيف ينسخ الأول الآخر؟ فالله المستعان.
*3*باب صَلَاةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً
@وَقَالَ الْوَلِيدُ ذَكَرْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ صَلَاةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ
الشرح:
قوله: (باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء) كذا للأكثر.
وفي رواية الحموي من الطريقين، إليه " وقائما " قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلي على دابته يومئ إيماء، وإن كان طالبا نزل فصلى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع من أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في المطلوب طاهرة لتحقق السبب المقتضي لها، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو.
وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي، فإنه قيده بخوف الفوت ولم يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية، وذكر أبو إسحاق الفزاري في " كتاب السير " له عن الأوزاعي قال: إذا خاف الطالبون إن نزلوا بالأرض فوت العدو صلوا حيث وجهوا على كل حال، لأن الحديث جاء " إن النصر لا يرفع ما دام الطلب".
قوله: (وقال الوليد) كذا ذكره في " كتاب السير " ورواه الطبري وابن عبد البر من وجه آخر عن الأوزاعي قال " قال شرحبيل بن السمط لأصحابه: لا تصلوا الصبح إلا على ظهر، فنزل الأشتر يعني النخعي فصلى على الأرض، فقال شرحبيل: مخالف خالف الله به " وأخرجه ابن أبي شيبة.
من طريق رجاء بن حيوة قال " كان ثابت بن السمط في خوف، فحضرت الصلاة فصلوا ركبانا، فنزل الأشتر - يعني النخعي - فقال: مخالف خولف به " فلعل ثابتا كان مع أخيه شرحبيل في ذلك الوجه، وشرحبيل المذكور بضم المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة بعدها موحدة مكسورة ثم ياء تحتانية ساكنة كندي هو الذي افتتح حمص ثم ولي إمرتها، وقد اختلف في صحبته، وليس له في البخاري غير هذا الموضع.
قوله: (إذا تخوف الفوت) زاد المستملي " في الوقت".
قوله: (واحتج الوليد) معناه أن الوليد قوي مذهب الأوزاعي في مسألة الطالب بهذه القصة، قال ابن بطال: لو وجد في بعض طرق الحديث أن الذين صلوا في الطريق صلوا ركبانا لكان بينا في الاستدلال، فإن لم يوجد ذلك فذكر ما حاصله أن وجه الاستدلال يكون بالقياس فكما ساغ لأولئك أن يؤخروا الصلاة عن وقتها المفترض كذلك يسوغ للطالب ترك إتمام الأركان والانتقال إلى الإيماء.
قال ابن المنير: والأبين عندي أن وجه الاستدلال من جهة أن الاستعجال المأمور به يقتضي ترك الصلاة أصلا كما جرى لبعضهم، أو الصلاة على الدواب كما وقع للآخرين، لأن النزول ينافي مقصود الجد في الوصول، فالأولون بنوا على أن النزول معصية لمعارضته للأمر الخاص بالإسراع، وكأن تأخيرهم لها لوجود المعارض، والآخرون جمعوا بين دليلي وجوب الإسراع ووجوب الصلاة في وقتها فصلوا ركبانا، فلو فرضنا أنهم نزلوا لكان ذلك مضادا للأمر بالإسراع، وهو لا يظن بهم لما فيه من المخالفة.
انتهى.
وهذا الذي حاوله ابن المنير قد أشار إليه ابن بطال بقوله: لو وجد في بعض طرق الحديث الخ، فلم يستحسن الجزم في النقل بالاحتمال.
وأما قوله: لا يظن بهم المخالفة، فمعترض بمثله بأن يقال لا يظن بهم المخالفة بتغيير هيئة الصلاة بغير توقيف، والأولى في هذا ما قاله ابن المرابط ووافقه الزين بن المنير أن وجه الاستدلال منه بطريق الأولوية، لأن الذين أخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة لم يعنفوا مع كونهم فوتوا الوقت، فصلاة من لا يفوت الوقت بالإيماء - أو كيف ما يمكن - أولى من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها، والله أعلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ
الشرح:
قوله: (حدثنا جويرية) هو بالجيم تصغير جارية، وهو عم عبد الله الراوي عنه.
قوله: (لا يصلين أحد العصر) في رواية مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء شيخ البخاري في هذا الحديث " الظهر " وسيأتي بيان الصواب من ذلك في كتاب المغازي مع بقية الكلام على هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
(فائدة) : أخرج أبو داود في صلاة الطالب حديث عبيد الله بن أنيس إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى سفيان الهذلي قال " فرأيته وحضرت العصر فخشيت فوتها فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء " وإسناده حسن.
*3*باب التَّكْبِيرِ وَالْغَلَسِ بِالصُّبْحِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ الْإِغَارَةِ وَالْحَرْبِ
@الشرح:
قوله: (باب التكبير) كذا للأكثر، وللكشميهني من الطريقين " التبكير " بتقديم الموحدة وهو أوجه.
قوله: (والصلاة عند الإغارة) بكسر الهمزة بعدها معجمة، وهي متعلقة بالصلاة وبالتكبير أيضا.
أورد فيه حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بغلس ثم ركب، وقد تقدم في أوائل الصلاة في " باب ما يذكر في الفخذ " من طريق أخرى عن أنس وأوله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلى عندها صلاة الغداة " الحديث بطوله، وهو أتم سياقا مما هنا، وقوله "ويقولون: محمد والخميس " فيه حمل لرواية عبد العزيز بن صهيب على رواية ثابت، فقد تقدم في الباب المذكور أن عبد العزيز لم يسمع من أنس قوله " والخميس " وأنها في رواية ثابت عند مسلم.
@الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ رَكِبَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ فَخَرَجُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ وَيَقُولُونَ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذَّرَارِيَّ فَصَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ لِثَابِتٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْتَ سَأَلْتَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ مَا أَمْهَرَهَا قَالَ أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا فَتَبَسَّمَ
الشرح:
قوله: (فصارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم) ظاهره أنها صارت لهما معا، وليس كذلك بل صارت لدحية أولا ثم صارت بعده لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم إيضاحه في الباب المذكور، وسيأتي بقية الكلام عليه في المغازي وفي النكاح إن شاء الله تعالى.
ووجه دخول هذه الترجمة في أبواب صلاة الخوف للإشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها التأخير إلى آخر الوقت كما شرطه من شرطه في صلاة شدة الخوف عند التحام المقاتلة، أشار إلى ذلك الزين بن المنير.
ويحتمل أن يكون للإشارة إلى تعين المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها قبل الدخول في الحرب والاشتغال بأمر العدو.
وأما التكبير فلأنه ذكر مأثور عند كل أمر مهول، وعند كل حادث سرور، شكرا لله تعالى وتبرئة له من كل ما نسب إليه أعداؤه ولا سيما اليهود قبحهم الله تعالى.
(خاتمة) : اشتملت أبواب صلاة الخوف على ستة أحاديث مرفوعة موصولة، تكرر منها فيما مضى حديثان والأربعة خالصة وافقه مسلم على تخريجها إلا حديث ابن عباس.
وفيها من الآثار عن الصحابة والتابعين ستة آثار، منها واحد موصول وهو أثر مجاهد، والله أعلم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
شبكه الطريقه القادريه الكباشيه  :: المكتبه الشامله-
انتقل الى: